خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

عبده الحامولي صانع ثورة في الموسيقى العربية

. أعلام الموسيقى العربية

إذا أردنا الحديث عن الموسيقى العربية فلا يصح أن تغفل أذهاننا عن تلك الأسطوانات الشمعية التي استخدمها المطربون لتخليد أعمالهم، وعبده الحامولي أحد من استخدموا هذه الاسطوانات، وهو المطرب الأكثر أهمية وشهرة في القرن التاسع عشر، فلم يؤثر فقط على مطربي عصره، بل كان تأثيره قويًّا أيضًا على كل مطربي العقدين الأولين من القرن العشرين.

أسلوب الحامولي

اشتهر عبده الحامولي باستخدام مقامات موسيقية لم تكن متواجدة أو معروفة في مصر، وعرف عنه رقيُّه في اختيار الكلمات، فهو مطرب مصري شهير ومهم  ومجدّد في مسار الموسيقى العربية وتاريخها.  ولد يوم 18 أيار/مايـو 1836، وتوفي في نفس شهر مولده يوم 12 أيار/مايو 1901، ارتبط اسمه بالمطربة الشهيرة “ألمظ”، التي تزوجها وقدّم معها ثنائيًّا غنائيًّا ناجحًا ذاع صيته، وجسدته الفنانة وردة والفنان عادل مأمون في فيلم حمل الاسم نفسه: "ألمظ وعبده الحامولي."

بداية مشواره

ولد الحامولي في قرية “الحامول” التابعة لمركز منوف بمحافظة المنوفية، ويروي الناقد الفني الراحل “رجاء النقاش”، في كتابه "أجمل قصص الحب من الشرق والغرب" والصادر عن سلسلة كتاب "أخبار اليوم"، أن عبده الحامولي ولد لأبوين فقيرين، وكان له أخ أكبر منه، اختلف مع أبيه، فاتفق “عبده” مع أخيه على مفارقة الأب إلى القاهرة، فأتيا القاهرة فقيرين بائسين يبحثان عن عمل يعيشان منه.

وذات يوم استمع المعلم “شعبان” – صاحب مقهى شعبي بالقرب من حي الأزبكية – لصوت عبده الحامولي، فأدرك أنه يمكن أن يكون مصدر رخاء للمقهى، فاتفق معه على الغناء كل ليلة، وسرعان ما امتلأ المقهى بالزائرين الذين وجدوا في صوت الحامولي سحرًا ومتعة.

خاف المعلم “شعبان” – بعد أن اتسعت شهرة الحامولي – أن يهرب منه مصدر الرزق الكبير، فقرر أن يضمن بقاءه معه بتزويجه من ابنته، وبدأ يتصرف معه على أنه فريسة مأمونة الجانب، وبدأ الأب وابنته يتعاملان مع الحامولي تعاملا قاسيًا، ظنًّا منهما أنهما امتلكاه ولم تعد أمامه أيّ فرصة للفرار، ولكنه بالفعل هرب من المقهى ومن المعلم وابنته ولم يرجع إليهما، وذلك على الرغم من أنهما سعيا إليه ليعتذرا له ويعرضا عليه العودة، على أن يكون السيد المطاع في البيت والمقهى، ولكن الحامولي لم يكن سعيدًا مع المعلم شعبان ولا مع زوجته المفروضة عليه، ولذلك اختار ألا يعود إليهما.

الحلبي أفندي

ذاع صيت عبده الحامولي بعد أن التقى مصادفة بشاكر أفندي الحلبي، أحد حفظة الأدوار والموشحات، فتلقى على يديه أصول الغناء، وحقق شهرة واسعة في عالم الغناء والطرب، وكوّن تختًا موسيقيًّا خاصًّا به، وتولى المطرب محمد عثمان والشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب مهمة تلحين أغنياته.

وعندما سمعه الخديوي إسماعيل أُعجب به وألحقه بحاشيته، واصطحبه إلى عاصمة السلطنة العثمانية “الآستانة”، وبذلك تهيّأت له فرصة الاستماع للموسيقى التركية، واستطاع أن يقدّم ألحانًا تجمع بين المزاجين المصري والتركي، وتحمل الروح المصرية والطابع الشرقي.

وفي عام 1901 – وقبل وفاته بأسابيع – سجّل بعض أعماله على اسطوانات شمعية، إلا أنّ رداءتها لم تسمح لها بانتشار واسع.  وقد بقي عدد من هذه التسجيلات حتّى اليوم، ولكن بصوت غير واضح.

الحامولي وألمظ

لعبت المصادفات دورًا كبيرًا في حياة الحامولي وألمظ، كعاشقين شهيرين في القرن التاسع عشر، ذاع صيتهما في كل أركان مصر تقريبًا، فقد انتقل كلاهما من البؤس والفقر إلى الرخاء والثراء، ومن هامش الحياة إلى الشهرة والأضواء، ثم انتقلا من التنافس الشديد إلى التقارب والإعجاب المتبادل ثم الحب فالعشق فالزواج.

ولدت “ألمظ” في الإسكندرية عام 1860، ورحلت في ريعان شبابها عن عمر ناهز الـ 36 عامًا في 1896، واسمها الحقيقى "سكينةط، ولكن صوتها الذي يشبه “الألماظ” – الاسم الدارج لمعدن الألماس النفيس – في الصفاء والنقاء، كان سببًا في معرفتها واشتهارها باسم "ألمظ."

هي فتاة فقيرة اضطرها فقرها إلى العمل "فاعلة مونة" في الجير والتراب، ترفعهما في “قصعة” لتناولها للبنائين، ثم تلهمها نفسها وحسّها أن تغني للعمال لتخفّف عناءهم وتزيد نشاطهم، ويشاء القدر أن تسمع صوتها “عالمة” من أكبر عوالم مصر، اسمها "الست ساكنة"، كانت تقطن حي السيدة سكينة بالقاهرة، فتأخذها وتربيها تربية فنية، فتتفوق "ألمظ" على معلمتها، وتصبح أشهر وأهم مغنية مصرية في القرن التاسع عشر.

بدأت القصة بالمنافسة بين الفنانين المفرّدين: ألمظ وعبده الحامولي، وكان من مظاهر هذا التنافس بعض المداعبات الغنائية، حيث كانت “ألمظ” تغنّي أغنية فيرد عليها عبده الحامولي بأغنية أخرى، ولم يلبث الحب أن ربط بينهما وتزوّجا وعاشا حياة سعيدة، حتى توفيت “ألمظ” فجأة وفي ريعان شبابها، فامتلأت نفس الحامولي بالحزن، وكان عليه – وهو الحزين – أن يقدم الأفراح للناس بغنائه وصوته الرخيم، فظل هكذا حتى فارق الدنيا.

الخديوي إسماعيل

اشتهر المطربان عبده الحامولي وألمظ في عهد الخديوي إسماعيل، حتى اعتُبِرا المطربين الرسميين للقصر، إلا أنه بعد زواج ألمظ وعبده الحامولي وقعت العديد المشكلات، نظرًا لحب عبده الشديد لألمظ وغيرته الشديدة عليها، ومن أجل ذلك منعها من الغناء أو الخروج لأيّ حفلات.

غضب الخديوي إسماعيل وأمر بإحضار ألمظ لتغني له أغنية “والنبى لأهشّه دا العصفور.. وأنكش له عشّه دا العصفور”، ولأن غضب الخديوي يمكن أن يهدر دم “سي عبده”، فقد ذهب الحامولي إلى الشيخ علي الليثي، شاعر الخديوي، ليوسّطه لديه في إعفاء ألمظ من الغناء، فلم يجرؤ على الحديث مع الخديوي في ذلك.

أرسل الخديوى ضباط وجنود حكمدارية القاهرة لإحضار “سي عبده” حيًّا أو ميّتًا لمنعه “ألمظ” من الغناء، ولولا وساطة إسماعيل باشا صدّيق، شقيق الخديوي في الرضاعة، للقي عبده الحامولي مصرعه، وفي النهاية اضطر الحامولي إلى إعادة ألمظ إلى الغناء في القصر.

مشواره الفنى

اعتمد الحامولي في تجديده الموسيقى على استخدام مقامات موسيقية لم تكن معروفة في مصر، كالحجاز كار والنهاوند والكرد والعجم، وعرف عنه رقيّه في اختيار الكلمات، ويكفي أنه – وعلى عكس مطربي زمانه – تعاون مع كبار رجال الدولة الذين يكتبون الشعر، أمثال: محمود سامي البارودي، إسماعيل صبري باشا، الشيخ عبد الرحمن قراعة، مفتي مصر في ذلك الوقت، وعائشة التيمورية.

كما طلب الحامولي إلى بعض الشعراء والمثقفين ترجمة مجموعة من الأغانى التركية إلى اللغة العربية، وهو من أوائل من لحنوا القصيدة التقليدية، مثل قصيدة “أراك عصي الدمع” لأبي فراس الحمداني.

اشترك بالغناء في فرقة أبو خليل القباني المسرحية، ومن أشهر أغانيه: “الله يصون دولة حسنك”، “كادني الهوى”، “متّع حياتك بالأحباب”، “أنت فريد في الحسن”، “كنت فين والحب فين”، ورغم أن تراثه الغنائي ينتمي إلى القرن التاسع عشر، إلا أن تأثيره كان قويًّا على كل مطربي العقدين الأولين من القرن العشرين، أمثال: صالح عبد الحي ويوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي وسلامة حجازي وأبو العلا محمد.

المصدر : جريدة اليوم السابع المصرية