خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

نجاة الصغيرة: صاحبة الصوت الحالم والصوت النافذ إلى القلب المتحدث بآهاته

. أعلام الموسيقى العربية

عندما احترفت نجاة الصغيرة الغناء لم يكن الطريق مفروشا أمامها بالورد وظلت سنوات طويلة تبحث عمن يساعدها في الكلمات والألحان التي تمكنها من منافسة كبار مطربات ومطربي عصرها الذين اخذوا طريقهم نحو الشهرة، فكانت هناك نجاة علي وأم كلثوم وليلى مراد وشادية وصباح وفايزة أحمد، ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الأطرش.. ساحة مليئة بالحركة والغناء وثرية بالنجوم، لذا كان الطريق صعبا أمامها إذ لم يتوافر المال الكافي الذي يسمح لها بشراء أغنية أو لحن أو الوصول إلى المستوى الذي يجعل شاعراً وملحنا لا يتردد في التعاون معها.  في هذا الجو التنافسي كان من الصعب على نجاة أن تغني أي كلمة أو لحن، ولاسيما أن الجمهور نظر إليها من البداية كخليفة لأم كلثوم التي كانت تمتطي أعلى قمة في الغناء العربي، وكان هذا الإحساس الذي يحركها هو حصن الأمان الذي يحميها من انتقاء عشوائي أو الوقوع في غياهب الرغبة في الانتشار

ولدت نجاة الصغير في قلب القاهرة، في منزل متواضع في حي عابدين، وكان والدها محمد حسني البابا خطاطا بارعا، نال شهرة واسعة، غير أنه كان رقيق الحال وكانت أمها مغلوبة على أمرها، والجو العائلي مشحون بالمشاكل. تم طلاق والدتها وهي في سن الرابعة من عمرها، عاشت مع والدها منزوية معظم الوقت خوفا من تسلطه، وكانت سلوتها الوحيدة الغناء، فكانت تغرد مثل عصفور محبوس في قفص، تقلد عبد الوهاب وأم كلثوم في صوت طفولي عذب، وعندما وصل صوتها إلى والدها أسرع بها إلى المسارح ومتعهدي حفلات الغناء لاستغلالها، فلم تذهب إلى المدرسة مثل أقرانها، ومن حفلة إلى أخرى انطلقت وراء والدها لتقلد أم كلثوم التي حفظت أغانيها عن ظهر قلب، وقلدتها في حركاتها وخلجاتها وانتزعت تصفيق الجمهور وإعجابه

وفي العام 1944 نجح والدها في أن يدرجها في حفلة وزارة المعارف الذي كان من المفترض أن تحييها أم كلثوم واعتذرت عنه في آخر لحظة لتكون نجاة هي البديل المنقذ لمنظمي الحفلة.  واعتمدت موهبتها وزادت حفلاتها وقدمت وصلات غنائية في مسرح بديعة مصابني كما مثلت دورا صغيرا في فيلم “هدية”، إخراج محمود ذو الفقار

ظلت الفتاة الصغيرة النحيلة مغلوبة على أمرها راضية صابرة على والدها الذي يدفعها إلى الغناء في الملاهي في ظل ظروف قاسية. وهذا الأمر دفع محمد التابعي وفكري أباظة ومحمد عبد الوهاب لمطالبة الهيئات الفنية بإنقاذ الطفلة وحماية صوتها من الاستغلال، واعتبارها موهبة تستحق الرعاية والاهتمام، وعندما ازداد استغلال والدها لها الذي أرهقها في الحفلات كانت تلجأ إلى محمد عبد الوهاب الذي تعرفت عليه في الإسكندرية وكان يهدئ من روعها ويحثها على الصبر.

في العام 1955 تزوجت نجاة من كمال منسي صديق شقيقها، وبعد أن خلعت ثوب الزفاف خلعت أيضا ثوب أم كلثوم الذي ارتدته لتنطلق بثوب فني جديد يحمل بصمتها. وساعدها زوجها فكان يحضر لها من المؤلفين والملحنين أغاني تليق بها وبصوتها العذب، لتنطلق كالسهم المضيء وتنجح في سد الفراغ الذي تركته ليلى مراد باعتكافها، وشادية باتجاهها للتمثيل، واختفاء أسمهان وفتحية أحمد ونجاة علي التي اضطرت نجاة إلى تسمية نفسها بـ “نجاة الصغيرة” بسببها.

بدأ الجمهور يتذوق أغانيها ويصفق لموهبتها الأصيلة، وذاقت نجاة طعم النجاح لأول مرة في حياتها وشعرت بأن الناس يحبونها لصوتها وموهبتها وليس لتقليدها أم كلثوم.

وفي غمار فرحتها بالزواج وسعادتها بثمرته، ابنها وليد.  وجدت في زوجها كمال منسي الحبيب والسند فقد كان مساعدها الأول الذي يقتنص لها الألحان والكلمات ويوفرها لها وأصبح مستشارها الأول الذي تأخذ برأيه في معظم الأوقات.  وبعد أربع سنوات تحول العش الهادئ إلى جحيم لا يطاق وعواصف تقتلع الحب الكبير، فقد تحول الزوج إلى إنسان آخر كرهت معه تدخلاته السافرة في حياتها وفنها وسعت إلى تجاوز الأزمة بمحاولة الطلاق الودي.

ولأنها موعودة بالعذاب والمتاعب تخرج من الأزمة بتناسيها مؤقتا لتلحق بقطار المنافسة الذي يسير بسرعة كبيرة. أرادت أن تلحق بعبد الحليم حافظ وفايزة أحمد.  والأخيرة استطاعت في فترة قصيرة تخطيها، وأصبحت المطربة المفضلة لدى الموسيقار محمد عبد الوهاب بعد أن استغلت خلافه مع نجاة بسبب رفضها العمل في فيلم من إنتاجه، وأخذت منه خمسة ألحان رائعة فيصعد نجمها.  فزعت نجاة وقدمت أغنية “سامحني تبت خلاص”.  وبعد نجاحها انهالت عليها تعاقدات العديد من الشركات، غير أنها في عز تألقها تعود إلى الاكتئاب والاختفاء من جديد، فقد ذهبت أغنية “أروح لمين” لأم كلثوم بعد أن حفظتها هي مع السنباطي، إضافة إلى أن المحكمة رفضت طلب طلاقها، غير أنها حصلت عليه بعد ستة أشهر.

ظلت نجاة تتطلع إلى نجاح أكيد بعد أن صنعتها أغنية “أسهر وانشغل أنا” التي قدمتها عام 57 وجعلت الناس ينشغلون بها ويسهرون على أغانيها، وقد شجعت هذه الأغنية محمد عبد الوهاب الذي طلب إلى مأمون الشناوي أن يكتب لها أغنية قام هو بتلحينها “كل ده كان ليه” وبعد أن سجلتها صدمت بأن عبد الوهاب قدمها بصوته و”شربت هي المقلب الساخن” ولكنها قدمت أغنية “أمّا غريبة” التي رفعت أسهمها وبدأت في جولة غنائية عربية رائعة وغنت من ألحان عبد الوهاب “العوازل ياما قالوا” وبعدها أغنية “خايفة” من ألحان شقيقها عز الدين حسني.

وتتوالى نجاحات نجاة “تليفونك ليه مشغول” كلمات عبد الوهاب محمد وألحان بليغ حمدي، “ساكن قصادي وبحبه” كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب، “قدرت تنام” لمأمون الشناوي ومحمد الموجي، ثم أغنية “أيظن” التي أهداها لها الشاعر نزار قباني ولحنها محمد عبد الوهاب ولاقت نجاحا كبيرا.  وكعادة عبد الوهاب،  سجل الأغنية بصوته وحدثت مشكلة مع نجاة لم يحسمها إلا نزار قباني نفسه الذي قال: إن الأغنية مهداة لنجاة وليس من حق عبد الوهاب أن يسند كلماتها لنفسه أو لأي مطربة أخرى غيرها، فقد كان يحلو لعبد الوهاب أن يعيد بصوته تسجيل بعض الأغاني التي يلحنها للآخرين ما عدا أغاني أم كلثوم التي اشترطت عليه عدم تسجيل الأغاني التي يلحنها لها بصوته.

ورغم أن نجاة غنت كثيرا للحب وعذابه وللرومانسية، إلا أنها لم تذق طعم الحب والاستقرار في حياتها، وربما عاشته فقط على الشاشة من خلال السينما. فقد كانت نجاة مولعة بالسينما منذ صغرها وإن كان ولعها بالغناء أشد فكانت تحب الأفلام وتحرص على مشاهدتها، وكانت تذهب إليها نادرا بسبب صرامة والدها.  وعندما احترفت الغناء كان حلم السينما يراودها، ولم يكن حلم صاحبة الصوت العذب مجرد الظهور على الشاشة أمام ممثل مشهور، بل كانت تنظر إليها على أنها نافذة أخرى لنقل إحساسها ومشاعرها وصوتها إلى دائرة أوسع وأرض جديدة.

وفي أولى خطواتها نحو السينما بدأت بالأدوار الاجتماعية الرومانسية التي تناسب طبيعتها وصوتها الرقيق، ولم يكن ذلك بحكم اختيارها بل برؤية المخرجين الذين يعرفون جيداً أنها مطربة في المقام الأول

وكان أول أدوارها دور صغير لطفلة في فيلم “هدية”، وعندما اشتد عودها وقفت أمام المطربة “نجاة علي” لتمثيل دور ثانوي في فيلم “الكل يغني” وفي هذا الفيلم أطلق عليها الجمهور اسم “نجاة الصغيرة” للتفرقة بينها وبين نجاة الكبيرة بطلة الفيلم التي كانت تتمتع بشهرة واسعة.

وواصلت مشوارها مع الأفلام، فتمكنت من القيام بدور البطولة في فيلم “غريبة” الذي يعتبر البداية الحقيقية لها في السينما. ففيه أثبتت قدرة على التمثيل والغناء معا أمام نجوم كبار مثل عماد حمدي وأحمد رمزي وعقيلة راتب، ليتفق معها المخرج حلمي حليم على فيلم “العيد الكبير” أمام أحمد رمزي وعبد السلام النابلسي لتغني فيه أربع أغنيات من تأليف مرسي جميل عزيز وألحان كمال الطويل ومحمد الموجي.  وقامت نجاة بعد ذلك ببطولة فيلم “أسير الظلام” وغنت فيه من ألحان محمد عبد الوهاب.  واستطاع المخرج عز الدين ذو الفقار تفجير ما بداخلها من قدرات تمثيلية في فيلمه الرائع “الشموع السوداء” مع صالح سليم وبعده انطلقت شائعات وقوعه في غرامها. ثم قدمت أربع أغان من ألحان محمد عبد الوهاب ومحمد الموجي وبليغ حمدي في فيلم “ابنتي العزيزة” أمام رشدي أباظة وعمر خورشيد من إخراج حلمي رفلة.

وعندما اكتملت أنوثتها التقطها المخرج حسام الدين مصطفى ليوظف قدراتها الغنائية في فيلم “شاطئ المرح” وينجح الفيلم نجاحا كبيراً ويتزوجها حسام الدين مصطفى، غير أنه زواج لم يدم وسرعان ما انتهى بعد فترة.

ويزداد إصرارها على مواصلة المشوار السينمائي لتقدم فيلم “سبعة أيام في الجنة” ويبقى فيلمها الأخير “جفت الدموع” مع محمود ياسين الأكثر تأثيرا في حياتها السينمائية لتعتزل السينما قبل أن تعتزل الغناء برصيد سبعة أفلام.

وبعد مشوار حافل بمئات الأغاني الجميلة التي تعاملت فيها مع كبار الملحنين والمؤلفين، امتلكت نجاة الصغيرة كمّاً من الشجاعة الفنية وإعادة تقديم نفسها للأجيال الجديدة قبل أن تعلن انسحابها بشكل نهائي من الحياة الفنية تاركة خلفها إرثاً لا ينضب.

في حياة هذه الفنانة الكثير من محطات التكريم، حيث سبق أن كُرّمت في تونس مرتين إحداهما من الرئيس الحبيب بورقيبة، والثانية من الرئيس زين العابدين بن علي.  وفي الأردن أهداها الملك الحسين عام 1985 وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، كما حصلت على وسام من الرئيس المصري جمال عبد الناصر في ستينيات القرن الماضي.  وفاجأت نجاة محبيها في عام 2003 بإعلانها قرار الاعتزال رغبة منها في الحفاظ على تاريخها الفني، رافضة كل محاولات إثنائها عن ذلك القرار وكانت آخر أغنياتها بعنوان «اطمئن» التي لحنها لها الفنان صلاح الشرنوبي.

 

المصدر : موقع شباب اليوم الالكتروني