خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

سامي الشّوّا، حلو الكمانجة العربيّة

. أعلام الموسيقى العربية

بقلم أسعَد مخّول

        فنّان طفح الطّرب من كيله، وارتبط قوس كمانجته بطرابيش المستمعين، تميل بها يمنة ويسرة عند كلّ خلجة، ولا تدعها تهدأ إلّا حين يعيد العازف السّاحر عدّته إلى الحقيبة، ويقفل عائدًا من علياء السّلطنة والإبداع. إنّها خصوصيّة رافقت عصره، لا بل بعض عصره، ومن رموزها كثيرون: أمين بوزري (ناي)، عبد الحميد القضّابي (قانون)، محيي الدّين بعيون(طنبور)...

لكن ما السّر في حلاوة هذا العازف المطرب؟ إنّ الموهبة المتّفتحة، والتّمرين المتواصل، والدّراسة المستمرّة والاطلّاع الواسع... أمور يتّحتم توافرها لدى كلّ موسيقيّ محترف وموهوب، لا جدال في ذلك، ولا غرابة. الاستفسار هو حول الأسلوب العزفي، وحول اللّهجة الموسيقيّة وما يرافقها من إحكام في القفلات ووفرة في التّنهّدات والخلجات. نحن إذا ما استمعنا إلى عدد من المتكلّمين العلماء في مجلس ما، يرسلون الأفكار المتنّورة، ويطرحون المواضيع المعرفيّة المهمّة، والحجج المقنعة، والمعلومات الفيّاضة، سوف نكون مشدودين إلى بعضهم من دون البعض الآخر وفق طريقة التّعبير، وهنا تكمن الملكة الفنّيّة. وكما يقال في التّفسيرات الشّعبيّة العامّة بأنّ الماء، ماء الشّرب، هو الّذي يحدّد اللّهجات اللّسانيّة، فقد يكون الشّعر هو الذي يفعل ذلك على صعيد اللّهجات الموسيقيّة، وعبر زمان طويل، وهذا ما تثبته القصائد العصماء الّتي غالبت النّسيان بفعل نبض مقاطعها ورونق كلماتها وحروفها، واستمرّت عبر العصور وأدركت أيّامنا، مع أنّ المعاني الّتي عالجتها قد تبدلّت "وانقضى زمانها". وصحيح أنّ هناك تقاربًا بين الموسيقات الشّرقيّة، خصوصًا بين العربيّة والفارسيّة والتّركيّة واليونانيّة... إلّا أنّ نشوة التّلقّي تختلف بين حضارة وأخرى، وهذا عائد إلى اختلاف اللّغات. ومسألة الطّرب في الغناء والعزف العربييّن، في رأي الكثيرين، تعود إلى الشّعر في مبناه الأصيل، إيمانًا بما للتّقطيع الشّعري، وللوقع والنّبض اللّذين يواكبانه، من تأثير نغمي ومن شجن وانفطار، بحيث يكون مسك الختام في ذلك كلّه للقافية الّتي هي بمنزلة القفلة الموسيقيّة، خصوصًا في اللّيالي (المواويل) وفي التّقاسيم. ويحدّثنا الباحثون عن أنّ من كان يلقي الشّعر في الماضي البعيد، كان كمنْ يغنّي، لأن العصر كان عصرًا صوتيًّا ترتفع فيه قيمة الكلمات والحروف، وصولاً إلى حركات الحروف نفسها من فتحة وكسرة وضمّة، بخلاف العصر الحاضر الّذي يتقدّم فيه المضمون على الشّكل، والمعنى يسود على المبنى، والجملة تغلُب على الكلمة المفردة. ألم يعلن عبد الوهّاب، في مرحلته الحديثة، أنّه ميّال إلى تلحين الجملة الشّعريّة كاملة، ومُعرض عن تلحين الكلمة كما كان يحصل في الماضي، وقد أورد مثالاً على ذلك بتلحينه لمطلع قصيدة علي محمود طه: الجندول. فهو لم ينشد "أيْنَ" ويتوقّف. "مِنْ" ويتوقّف. "عَيْنَيَّ" ويتوقف... بل أنشد في مرّة واحدة: "أين من عينيّ هاتيك المجالي".

وفي الاعتقاد أنّ الطّرب قد بلغ أصابع الشّوّا وعقله بشكل تلقائي من خلال الآباء والأجداد، الّذين تلقّوه بأدوارهم عن الذين سبقوهم وأتوا قبلهم: إنّ الكمانجة في بيتنا ميراث في الدم عن أبي وجدي وأسلافهما (مجلّة الإذاعة اللّبنانيّة-11 آب 1946). هذا من دون أن ننكر أنّ الموسيقى العربيّة فيما مضى، لم تكن بمستوى النّهضة الّتي بلغتها فيما بعد، خصوصًا في القرنين التاسع عشر والعشرين، إلّا أنّ الطّرب كان متوافرًا، لا بل أشّد وفرة، فالشّعر، بأوزانه وتفعيلاته، كان أوفر نبضًا وأشدّ وقعًا وتأثيرًا.

وسامي الشّوّا نفسه رأى أنّ الطّرب قد تراجع، إذ قال: لقد تغيّرت أذواق النّاس، وابتعدت كثيرًا عن الموسيقى الشّرقيّة السّليمة (مجلّة الرّاديو المصري - أغسطس 1946). والشّعر كان يحوم حول سامي بأيّ حال، وبعضه كان موجّهًا إليه مناديًا له، مثنيًا عليه، متغنيًا بالسّحر القائم بين أصابعه، والموهبة المنبعثة من عقله وقلبه: من أحمد شوقي، إلى حافظ إبراهيم، إلى خليل مطران، إلى إيليّا أبو ماضي، إلى معروف الرّصافي... إلّا أنّه ليس هناك ما يشير إلى غوصه في تأثيرات ذلك الشّعر، وفي التّمييز بين أنواعه، ولا إلى حاجته إليه في خلال بناء عمارته العزفيّة، فهو يكتفي بإطلاعنا على جلسة شعريّة موسيقيّة في المطريّة في مصر، تبادل فيها شوقي المقاطع الشّعريّة مع مطران، وكان الشّوّا ينتظر ختامها حتى يبدأ إرساله الموسيقي. هل كان الأمر مجرّد انتظار، أم أنّ الحوار الشّعري فعَل فعله في نفسه فأبدع وأجاد؟ إلّا أنّ هذا التساؤل لا ينفي تأثير الكلمة في نفسه، إنّها مضمرة مستمرّة عميقة في سمعه، من هنا ما غنّاه بكمانجته منفردة عن الصّوت البشري والصّوت الآلاتي على السّواء (دور كادني الهوى...)، وفي حالة أخرى أبت تلك الكمانجة إلاّ أن تساهم في الغناء والإنشاد على طريقتها (قصيدة يا نسيم الصّبا، مع الشّيخ علي محمود...).

وسامي الشّوّا المنتمي قلبًا وقالبًا إلى الطّرب الموسيقي العربي، خاض غمار العزف التّركي أيضًا، ليس فقط في المقطوعات ولكن أيضا في التّقاسيم: "كنت في اسطنبول مع عبد الحي حلمي، في قصر والدة أفندينا، حضرت المطربة نصيب من قاعة الحريم، وسألتني بالتّركية: ورنهوند بشرف عثمان بك، أي هل تعرف بشرف نهوند عثمان.بك؟ ولمّا أجبتها بالإيجاب طلبت منّي أن أصاحبها، وأخذت تعزف على العود وتغنّي، وقد جلجل صوتها فأسكر الحاضرين، حتّى أنّ عبد الحي حلمي نسي نفسه وشرب حتّى الثّمالة، وغنّى بعد ذلك: "قم في دجى اللّيل..." (مذكّرات سامي الشّوّا، الجزء الأوّل - إعداد فؤاد قصّاص، يناير 1966).

ولا شكّ في أنّ الشّوّا كان يعرف المدى الّذي بلغه في خصوصيّة أدائه، وحلاوة عزفه، وفي فرط إطرابه ومحاكاته لمشاعر المتلقّين، من هنا اكتفاؤه بالتّقاسيم، وهي الأكثر تأثيرًا في الأسماع الشّرقيّة، لا بل العربيّة على وجه التّحديد: لقد ارتكبت خطأ كبيرًا ضدّ نفسي لأنّني لم أشتغل بالتّلحين، والسّبب هو أنّني كنت أخاف من أنّ يشغلني ذلك عن العزف (مجلّة الرّاديو المصري). أمّا المقطوعات الّتي وضعها، أو الّتي سجّلها وأطلق عليها العناوين، فهي إلى حدٍّ ما أنواع من التّقاسيم: أعرابي في الصحراء، تغريد العصافير، تهنين الولد، رقص الفرفورة، رقص الهوانم، طلوع الفجر... هذا من دون أنّ ننسى بعض البشارف وهي قليلة: بشرف رست (ورد تدوينه في كتاب تراثنا الموسيقي لمحمود عجّان، دمشق 1990. وفي التّفتيش عن تسجيل لهذا البشرف بكمانجة الشّوّا، لم أصادف إلّا بشرف رست عاصم بك، وبشرف رست طاتيوس أفندي). سماعي بياتي (تسجيله متوافر). بشرف سماعي سازكار الّذي قال الشّوّا إنّه درّب إبراهيم العريان القانونجي على أدائه كي يكون استهلاليّة لوصلة غنائيّة كان سيّد درويش ينوي أداءها في بداية حياته الفنيّة (المذكّرات). وقد مال الشّوّا إلى سيّد درويش ووقف إلى جانبه مشجّعًا، مع أنّ الفرق واضح بين اتّجاه كلّ منهما، فالأوّل متمسّك بالتّراث وحلاوته، والثّاني ميّال إلى التّغيير والتّطوير، طامح إلى الاطّلاع على الموسيقى الغربيّة، وإلى الدّراسة في الغرب، بينما نهى الشّوّا الأب ابنه عن فعل ذلك: يا سامي نحن عرب والموسيقى الإفرنجيّة لا تمثّل حياتنا ولا بيئتنا (المذكرات). والجدير بالذّكر أنّ أنطون الشّوّا الأب عزف على كمانجته مع محمّد عثمان وعبده الحامولي وسليمان أبو داوود ومحمّد سالم... ولا شكّ في أنّ الطّرب كان وفيرًا في عزفه وهذه هي حالة العائلة بأكملها. أمّا عن الجمع بين كلمتي بشرف وسماعي في تسمية بشرف سماعي سازكار، فيرجّح الّعلامة مصطفى سعيد أن تكون التّسمية سماعي سازكار، لانّ كلمة بشرف كانت ترفق ببعض عناوين المقطوعات الموسقيّة في الماضي، كائنًا ما كان طرازها.

في موجز القول، إنّ ما قصدت التّلميح إليه، هو أنّ الطّرب مسألة لا يمكن للعلم الموسيقي أن يؤدّي إليها بمفرده، وأنّ الأساس الأكبر في بنائه، هو الشّعر، الشّعر القديم ، وهذا لم يتمّ ويحصل ويفعل عبر جيل أو جيلين أو ثلاثة، إنّما عبر أجيال، وزواله بالمقابل، لن يحلّ إلّا عبر أجيال أيضًا، وهذه الأجيال هي المقلب الآخر من الجبل، جبل الحضارة الشّاهق.