الشيخ سلامة حجازي رائد المسرح الغنائي

. أعلام الموسيقى العربية

تربع الشيخ سلامة حجازي على عرش التمثيل زهاء ثلاثين عاما امتدت حتى مطلع القرن العشرين . وضع سلامة حجازي اللبنات  الأولى لتطوير الموسيقى في مجال المسرح الغنائي العربي. ومعه أصبحت الأغنية جزءا من الرواية أو المسرحية متأثرة بأحداث المسرحية .. وليست دخيلة عليها .. كما ارتقى بالمستوى الفني للمسرح في مختلف نواحيه (التأليف والاخراج والديكور) .. حتى بدأ المسرح يتخذ الصورة الحقيقية التي يستحقها كفن نام .

ويعتبر الشيخ سلامة حجازى بحق أبو المسرح الغنائي في مصر. وكان صوته قويا رخيما .. كان من إعجاب الإيطاليين بفنه وبصوته، أن أقيم له تمثال في مدينة نابولى .

ولد الشيخ سلامة حجازي في الرابع من فبراير عام 1852 في حي رأس التين بالاسكندرية. وكان أبوه مركبيا في مدينة رشيد، نزح منها ليستقر في الاسكندرية.

وتزوج من "سلومة" ابنة أحد مشايخ القبائل وأنجب منها ولدا سماه سلامة تيمنا باسم صديقه "سلامة الراس".  وعندما توفي الاب تزوجت الوالدة من رجل بدد اموالها فكفل الطفل سلامة الشيخ سلامة الراس، والحقه صباحا بالكتاب  ليتعلم تلاوة القرآن الكريم .. وفي المساء ألحقه بالعمل بدكان حلاق يأخذ عنه الصنعة.

وعندما بلغ سلامة السادسة من عمره حفظ القرآن الكريم .. وبدأ يشارك المقرئين والمنشدين في الأذكار .. وتعلم أثناء ذلك العزف على " السلامية ". (وهي آلة نفخ تشبه الناي .. يستخدمها المنشدون فى حلقات الذكر) .

 تعلم الشيخ سلامة حجازي قواعد الغناء وضروب الانشاد على يد الشيخ " أحمد الياسرجي" الذي كان حجة المنشدين وكبيرهم بالاسكندرية .. ومن بعده على يد الشيخ "خليل محرم" الذي حفظ عنه الكثير من القصائد والألحان . 

وكان للشيخ سلامة حجازي مدرسة غنائية جديدة، استطاع فيها نقل الأغنية من التخت إلى المسرح، وأصبحت جزءا من الرواية أو المسرحية، متأثرة بأحداث التمثيلية، لا دخيلة عليها. كما ارتقى بالمسرح الغنائي في مختلف نواحيه من تمثيل ومناظر واخراج .

اهتم الشيخ سلامة حجازي أيضا بالقصيدة، فصبغها بطابع جديد أثار المشتغلين بالموسيقى، فلم يستسيغوا أسلوبه، واعترضوا عليه، ووجهوا إليه النقد .. إلا أنه لم يأبه لذلك.  وكان من المساندين لأسلوبه الجديد المطرب الكبير عبده الحامولي الذي أعجب بطريقة التلحين الجديدة، وبارك هذا الاتجاه. وكانت هذه الوقفة من زميل له مكانته الفنية فى الغناء، أكبر الأثر في استمرار الشيخ سلامة حجازي لأدائه الجديد للقصيدة .

وفي عام 1882 قامت الثورة العرابية فرحل الشيخ سلامة حجازي وأسرته إلى رشيد (بلدة أبيه) حيث عمل مؤذنا بجامع زغلول. وبعد صلاة العشاء كان يقوم بإحياء الليالى في القرى المجاورة، وذلك بغناء الموشحات وأدوار الشيخ عبد الرحيم المسلوب وعبده الحامولي ومحمد عثمان .

وفى عام 1883 وبعد انتهاء الثورة، عاد الشيخ سلامة إلى الإسكندرية مسقط رأسه بعد أن ذاع صيته . . وبعد أن استحدث أسلوبا جديدا فى الغناء والأداء. أعاد تكوينفرقته الموسيقية، وأخذ يغنى مع التواشيح أدوارا جديدة من ألحانه ... كما ظهرت له بعض القصائد من أشهرها :

سلوا حمرة الخدين عن مهجة الصب              مقام سيكاه

سفر اللثام على دياجي الحندس                     مقام بياتي على الحسيني

سمحت بإرسال الدموع محاجري                  مقام عراق

شكوتي في الحب عنوان الرشاد                    مقام بياتي

إن كان يوسف للجمال دعاكموا                     مقام بياتي 

 واهتم الشيخ سلامة حجازي بالدور والموشحات.  ولكنه لا يعتبر مجددا فى فن الدور بعد محمد عثمان، فقد اكتفى بأداء الأدوار بنفس الأسلوب الذي اتبعه الحامولى والمسلوب ومحمد عثمان في الغناء ..!!

عمل الشيخ سلامة حجازى بفرقة إسكندر فرح قرابة خمسة عشر عاما. وعندما رأى إقبال الجمهور على المسرح للاستماع إلى صوته وأغانيه، فكر في افتتاح مسرح خاص به، واختار مسرح "صالة سانتي" في حديقة الأزبكية. وكان ذلك عام 1905. وفيه قدم عدة روايات، منها المؤلفة والمترجمة.

ومن الروايات التى قدمها سلامة حجازي في مسرحه: "صلاح الدين الأيوبي" و "اليتيمتين " و "شهداء الغرام " و "البرج الهائل" و" المظلومة" و "اللص الشريف " و " أجاممنون ".  وكان يؤدي دور البطولة فيها، يشاركه صفوة من الممثلين الكبار  من بينهم :

محمد بهجت ـ أحمد غنيم ـ محمود رحمي ـ محمد وصفي ـ عبد المجيد شكري ـ منسي فهمي ـ وعبد العزيز خليل .

ومن الممثلات :

مانيللي ـ مريم سماط ـ وردة ميلان ـ وألمظ استاني .

وكان أحيانا يقدم في مسرحه روايات وطنية، فتثور الحكومة، وتوقف عرضها. ومن هذه الروايات " شهداء الغرام ".

ظهر الشيخ سلامة حجازي لأول مرة ممثلا ومغنيا في رواية "مي وهوارس " . واشترك بعد ذلك في  روايات "عايدة" و "جنفياف" و "هارون الرشيد" و "المظلوم" وغيرها.  وكان هوالذي يصوغ جميع ألحانه .

وعندما وجد الشيخ سلامة أن صالة "سانتي" لا تتسع للعدد الهائل من رواده، انتقل إلى صالة "فردي" بشارع الباب البحري، وأطلق على مسرحه اسم "دار التمثيل العربي" .  وكان ذلك عام 1906 . وانضم إلى فرقته أولاد عكاشة .

قدمت الفرقة الجديدة بعض الروايات المصرية من نوع "الميلادراما" منها :

بائعة الخبز ـ نتيجة الرسائل ـ هناء المحبين ـ مطامع النساء ـ الجرم الخفي ـ حسن العواقب ـ اللص الشريف ـ سارقة الأطفال ـ صدق الإخاء ـ صاحبة الشرف ـ القضية المشهورة ـ وعواطف النبيه ..

وفى نهاية العام، رحل الشيخ سلامة حجازى وفرقته إلى الشام، وفيها قدم بعض رواياته التى نالت كلها الإعجاب .

وفى عام 1909 أصيب الشيخ سلامة بمرض الفالج . إلا أنه استمر يمارس نشاطه الغنائي

وظل الشيخ سلامة حجازى يغني حتى آخر يوم من حياته. وفي الرابع من أكتوبر عام 1917، وافته المنية فى الإسكندرية، بعد أن ترك للموسقى العربية تراثا ضخما من المسرحيات الغنائية، وألوانا من الأغانى .