خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

فريد غصن مبدع مجدد في عالم الموسيقى العربية

. أعلام الموسيقى العربية

كما ارتجفت ريشة عود تلامذته أمام إبداعه، هكذا ارتجف القلم، حين بدأت أخطّ سيرة مبدع عملاق جديد من لبنان، باتت منسيّة في أدراج الزمن، يتآكلها غبار الفن الحديث، الذي ضرب المبادئ والأصول الفنية عرض الحائط.

لقّب بملك آلة العود ومهندسها، وقال فيه الموسيقار محمد عبد الوهاب إنه “أضاف الأسلوب الاسباني على عزف العود”، كما قال فيه مدير إذاعة القاهرة في حينه مدحت قاسم “إنه نابغة العود، الذي يضمن لهذه الآلة مرتبة رفيعة في الفرقة الموسيقية".

انه المبدع اللبناني فريد غصن، أحد أعمدة الموسيقى العربية إبان العصر الذهبي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. ملأت ألحانه معظم الأفلام السينمائية في مصر. وهو أول من لحّن باللغة العربية ألحاناً موزّعة لأربعة أصوات (سوبرانو، آلتو، تينور، باص).

له مقالات موسيقية عديدة نشرت في الصحافة المصرية، وهو من طور المناهج الحديثة لآلة العود في لبنان.

على مدى خمسين عاماً، أنار الشموع في طريق الكثيرين من الفنانين المصريين واللبنانيين أوصلتهم إلى الشهرة. كما حمل همومهم وهموم الفن ومعاناته ابتداءاً من مصر ومروراً بتونس وانتهاءً بلبنان.

محطات مشرقة

ولد الياس نعمة الله شلالا، الذي اشتهر باسم فريد غصن، في العام 1912 في بلدة حياطة ­ قضاء كسروان (لبنان). ولكن عائلته هاجرت إلى الأرجنتين، ومن ثم إلى مصر.  كانت أمنية والده (عازف عود) أن يصبح طبيباً، ولكنه تأثر فيه وبجاره الموسيقي اليوناني العجوز، الذي عرف بالحدس، أن الصغير يختزن موهبة نادرة. فتولى الأخير تعليمه المبادئ الموسيقية إبتداءًا من قراءة النوتة ومروراً بتوزيع الألحان حتى التلحين.  ومن هنا بدأت الموهبة تبرز في أعمال صغيرة ملفتة لأنظار الكبار.

بدأ حياته العملية في الفن، عازفاً على العود في فرقة أمير الكمان سامي الشوّا، ثم في فرقة الشيخ أمين حنين.  وانتقل بعد ذلك إلى فرقة منيرة المهدية التي صحبته معها في رحلات خارجية كان أبرزها إلى تونس الخضراء. وكان في تلك الفترة يعمل نهاراً في مطبعة.

امتلك ثقافة موسيقية عالية، ودرس أصولها بفرعيها الشرقي والغربي.  وكان ملمّاً بعدة لغات أجنبية، كالإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية وهو الذي أمضى في أميركا الجنوبية عشر سنوات متواصلة.

تزوج من السيدة مارسيل أنستاسيو، وأنجبا ثلاثة أولاد هم: نعمة الله ونادر وعايدة.

اعتبر النقاد فريد غصن من أمهر العازفين، كما اشتهر بجودة ألحانه وجمال سبكها في مصر. وصنّفوه مع طبقة محمد القصبجي ورياض السنباطي ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش.

عمل في العام 1932 ولمدة خمسة عشر عاماً، رئيساً لفرقة بديعة مصابني (اللبنانية الأصل) كملحن لاستعراضاتها الغنائية وكعازف. والجدير ذكره هنا أن لمسرح بديعة مصابني في أربعينيات القرن الماضي الفضل على العديد من المطربين والمطربات والملحنين آنذاك، أمثال: محمد عبد المطلب، وإبراهيم حموده، وعبدالغني السيد وغيرهم،.

شكَّل فريد غصن مع جورج ميشال وفريد الأطرش ثلاثياً جمع  أمهر عازفي العود، ولقبوا بـ "الفرسان الثلاثة"، وكانت لهم صولات وجولات في العزف على العود، متبارين في عرض مهاراتهم الفائقة، التي كان لها تأثيرها وصداها الفني العميق.

وكما هو معروف، فقد كانت القاهرة آنذاك مركز الفن الموسيقي الغنائي، تتجه إليها أنظار الفنانين العرب في كل مكان.  وكان فريد غصن من بين هؤلاء الفنانين العرب، وقد شارك بوضع أغانٍ لأفلام عديدة، إلى جانب أقطاب التلحين أمثال: محمد القصبجي، ورياض السنباطي، والشيخ زكريا أحمد. وتميّز فريد غصن بكتابة الموسيقى التصويرية للعديد من الأفلام إلى جانب الأغاني، وكان يوصف بالملحن المجدد، إذ حاء بالعديد من القوالب والأشكال الحديثة وأدخلها الموسيقى العربية.

ألحان خالدة

صقل فريد غصن إلى جانب القصبجي والسنباطي صوت الكسندرا بدران بألحانهم وأهّلوها لاحتلال المكانة اللائقة في عالم الغناء.  والكسندرا بدران التي لمعت في سوريا ولبنان قبل انتقالها إلى مصر كصوت قوي له مكانته وقيمته هي نور الهدى، التي اختار لها هذا الاسم الفني عميد المسرح العربي يوسف وهبه بعد فيلم “جوهرة”.

لحّن فريد غصن لنور الهدى “يانا يا وعدي”. وذات يوم سمع القصبجي آمال الأطرش التي اشتهرت باسم أسمهان، تردّد شيئاً من الليالي والآهات، فأعجب بصوتها. ولكي يتأكد مما سمع جاء بمحمود صبح وطلب إليها أن تغني أمامه، فغنّت أغنية أم كلثوم المعروفة “سكت والدمع اتكلم” من كلمات أحمد رامي وألحان محمد القصبجي، فلم يصدقا ما سمعاه.  غير أن القصبجي وهو المولع بالأصوات الجميلة، لم يكتفِ بمحمود صبح بل جمع فريد غصن وداوود حسني وزكريا أحمد الذين أعجبوا بها بدورهم وأجمعوا على إنفرادها بصوت نادر لا مثيل له.  بعد هذا تقرر مستقبل آمال فتبرّع داوود حسني بتعليمها العزف على العود، وزكريا أحمد بتلقينها أصول الأداء الغنائي والإلقاء، ومحمد القصبجي بالمقامات وطريقة الانتقال في ما بينها، وترك أمر تحفيظ التراث وتثقيفها موسيقياً لفريد غصن، الذي لحّن لها أغنية “اسمع البلبل".

تتلمذ العديد على يد فريد غصن في مصر، أمثال فريد الأطرش الذي اكتسب منه قوة في عزفه وخصوصاً باستخدام اليد اليمنى (الريشة)، وكان فريد الأطرش يردّد دائماً: “فريد غصن دا صاحب نعمتي".

ولحن فريد غصن لكوكب الشرق أم كلثوم مونولوج “وقفت أودع حبيبي” من كلمات الشاعر أحمد رامي.  وأذيع هذا المونولوج على الهواء سنة 1943 في حفلة لأم كلثوم على مسرح الأزبكية ولكنه لم يسجّل أبداً، ويعتبر من المفقودات الموسيقية. لكن أحد تلامذة فريد غصن وهو الموسيقي جوزيف البدوي يؤكد أنه يملك نسخة عن هذه الأغنية في مكتبته الموسيقية.  ولهذا المونولوج على ما يبدو قصة، فقد أتى به الشاعر أحمد رامي إلى أم كلثوم التي أوكلت مهمة تلحينه إلى رياض السنباطي وفريد غصن في الوقت عينه، واختارت في النتيجة لحن الأخير.

ويقال إن محمد القصبجي أخّر إذاعة أغنيته الخالدة لأم كلثوم “رق الحبيب” ستة أشهر، إكراماً لصديقه فريد غصن، مفسحاً المجال أمام انطلاقة أغنيته “وقفت أودع حبيبي".

رعى فريد غصن كل المطربات اللبنانيات اللواتي كنّ يقصدن القاهرة في ذلك الحين، فلحّن لنور الهدى كما ذكرنا سابقاً أجمل أغنياتها على الإطلاق، وللمطربة صباح “ايه معنى الحب”، “لبنان زانو من الربيع وشاح”، و”صباح الخير على لبنان". كما لحن للمطربة لور دكاش أغنيتها الشهيرة “آمنت بالله” التي ما زالت تؤدى إلى يومنا هذا، وأعطى لحناً أيضاً لنادرة حمل العنوان “قصيدة الليل"،  ولحّن قصيدة جبران خليل جبران “سكن الليل” التي غنتها المطربة شهرزاد، وكذلك لحن أغنية “كل دقة في قلبي بتسلّم عليك” للمطربة نازك.  ولحّن لعبد الغني السيد أغنية “العِشرة صعبانة عليّ”، ولنادرة الشامية أغنية “بين الزهور والميا” ولمحمد قنديل وابراهيم حمودة وهدى سلطان ونجاة الصغيرة ومحمد مرعي وغيرهم...

 

ملك العود

لقّب فريد غصن بملك العود دون منازع، فعندما كانت أنامله تداعب أوتار العود، كان النغم يتلاعب بأوتار القلوب.  واعتبر من بين العازفين الأربعة الأوائل في مصر إلى جانب محمد القصبجي الذي عرف بالعازف الماهر، ورياض السنباطي الذي كان له أسلوبه الخاص المتميّز بشرقيته وحلاوته، وأمين المهدي الذي يميل إلى الهواية أكثر منه إلى الإحتراف.  وجمع أسلوب فريد غصن بين التقنية العالية والنظافة في التعبير والانفتاح على مدارس العزف بشكل عام، والإسبانية بشكل خاص.

كان يلحن الاسكتشات بالموسيقى التي تناسبها (اسبانية أو فرنسية أو مغربية أو تونسية أو سورية أو سودانية أو من أي نوع من مختلف موسيقات العالم).  

وكان لوتر “الكردان”، الوتر العالي في آلة العود، الدور المهم عند فريد غصن في وقت كانت كل المساحات الصوتية المنتشرة على هذا الوتر مهملة من قبل العازفين والملحنين نظراً لصعوبتها. 

لم يؤمن فريد غصن بأن الموسيقى سلعة فشجع على بلورة الأفكار حولها.  وفي هذا الإطار، كتب العديد من المقالات والأبحاث التي نشرت في الصحافة المصرية.  وبرأيه فإن فكرة نجاح عمل موسيقي ما لا تمت إلى حجم العمل الناجح نفسه ومحتواه إلا بنسبة ضعيفة.  وهذا ما جعله يقاوم دائماً وصف العمل بناجح دون تمحيص.  وكان يؤمن بوجود أنماط كثيرة ومتباينة من النجاح وكان يجد أنها بقدر تعدد وتباين طرق تناول الموسيقى.  ومن أقواله في هذا السياق: “الموسيقى أداة فكرية لمساعدة الناس لإقامة علاقات بين الأشياء، حتى ولو كان هذا يحصل بطريقة مجردة. وأهم دور تقوم به الموسيقى في المجتمع هو تعليم الناس كيفية العثور على علاقات بين الأشياء، بل واختراع هذه العلاقات".

فريد غصن الأمين والمخلص في كل ما كان يفعله، كان مخلصاً أيضاً لتراث الماضي وأميناً في تناوله الحاضر. وكان قادراً أن يكسب جميع العواطف في الفن، ويضمن تأثيره على المستمع حتى ولو كان هذا المستمع جاهلاً بالجوانب الفنية.  وكان يعتبر أن عدم ارتباط الموسيقى العربية بالأسس الدرامية هو السبب الأهم الذي يعيق تطورها.  ولطالما ردد: “لا بأس من الاستفادة من تجارب العالم مع الاحتفاظ بطابعنا. ولا يوجد ما يمنع من الاستعانة بمناهج الموسيقى الغربية ومدارسها ومذاهبها بشرط ألا نسجن أنفسنا فيها أو في قوالبها بالمعنى الحرفي". 

ووجد فريد غصن لنزعة الارتجال، العميقة الجذور في الموسيقى العربية، مجالات ومتنفسّات أخرى في الظروف والملابسات الراهنة للحياة الموسيقية العربية، وعلى مستوى فني يختلف عما كانت عليه في الماضي.

 

أول ملحن عربي ينضم إلى جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى

أثناء رحلاته الفنية إلى تونس، التقى فريد غصن بوكلاء تابعين لجمعية دولية مقرها باريس، وتسمى جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى. وكان الوكلاء يقومون بتحصيل رسوم بنسبة سبعة في المائة من دخل حفلات المسارح والملاهي بحكم قانون الملكية الأدبية والفنية، لتوزّع على المؤلفين والملحنين، شرط أن يكونوا أعضاء منتسبين للجمعية المذكورة.

اهتم فريد غصن بهذا الأمر فسافر إلى فرنسا وانضم إلى الجمعية.  وحين رجع، راح يقنع الفنانين بفكرة إقامة فرعٍ للجمعية في مصر.  ولقيت دعوته تجاوباً، إذ تألفت هيئة تحضيرية برئاسة محمد عبد الوهاب كما تناولت الصحف المصرية الموضوع بباهتمام.  وشكلت الجمعية (فرع مصر) لاحقاً من: محمد عبد الوهاب رئيساً، فريد غصن وكيلاً له، والأعضاء بديع خيري، ويوسف وهبي، وصالح جودت، ونجيب الربحاني، وبثينة إبراهيم خيري، وأبو السعود الأبياري، وسليمان نجيب ويوسف جوهر وغيرهم

كانت المبالغ الأولى التي حصلت عليها الجمعية من المركز الرئيسي في باريس تقارب ثلاثين ألف جينه مصري، وزعت على المستحقين، واستمرت الجمعية تعمل بجدية وتحصل على حقوق المؤلفين والملحنين بانتظام، وتوزعها على أصحابها.

وشجع هذا الأمر فريد لأن يرسل شقيقه إميل (عازف الكمان المعروف) إلى بيروت ليتصل بزملائه الفنانين، ويمهّد لهم سبل الوصول إلى حقوقهم أسوة بالفنان المصري. وبالفعل نجح إميل وتألفت جمعية مماثلة في لبنان من: توفيق الباشا ووديع الصافي وعفيف رضوان والأخوين الرحباني وأسعد سابا وأسعد السبعلي وزيادة عواد وعبد الجليل وهبي وشفيق أبو شقرا وفلمون وهبة وغيرهم.

 

العودة إلى الوطن الأم

حبه للبنان دفعه للعودة إلى ربوعه في العام 1957، فعمل في الإذاعة اللبنانية ملحناً وفي المعهد الموسيقي الوطني مدرساً للغناء والعزف على آلة العود معتمداً وكما أسلفنا المناهج الحديثة في تدريس هذه الآلة.  ومن تلامذته: مرسيل خليفة، جورج تابت، سمير يزبك، وجورج روفايل وآخرين غيرهم.  وكان بعزفه المنفرد على عوده المميّز يحيي الحفلات الموسيقية على مسرح “وست هول” في الجامعة الأميركية في بيروت. 

في العام 1970، أصيب الموسيقار فريد غصن بـ “الفالج”  الذي أقعده نحو 15 عاماً وأعاق عمله الفني وتركه منسياً في منزله في منطقة جل الديب القريبة من العاصمة اللبنانية بيروت. 

وحين عرض على الإذاعة اللبنانية مقاطع من العزف على العود لقاء أتعاب رمزية اعتذرت منه الإذاعة، ما اضطره في نهاية الأمر لبيعها إلى إحدى شركات الأسطوانات في باريس.

غيّبه الموت في الأول من أيلول عام 1985 فرحل بصمت وحيداً وبعيداً عن الأضواء، وهو الفنان الذي كتب بالوتر والنغم سجلاً حافلاً وعاش من أجل الموسيقى ومات مهملاً منسياً. وصدق بقوله: “الفنان العبقري هو محسن إلى الإنسانية قبل إحسانه إلى الفن الذي يزاوله.  وهو في نظر التاريخ مصلح اجتماعي من حيث اتصال الفن بصميم الحياة الاجتماعية والفكرية. وعلينا حماية الفنان بحماية ثمار فكره، واعتبار إنتاجه الفني ثروة ينبغي أن يسعد من ورائها الفنان وأبناؤه وأحفاده، إذ ليست “حرفية” الثروة هي المال فقط ولكنها العمل أيضاً".  هذا هو فريد غصن، فنان مبدع لم يحب الظهور ولم يسعَ إلى الأضواء، حسبه عشقه لرسالته وتأديتها على أكمل وجه!

 

مؤلفات وأوسمة

وضع فريد غصن ثلاثة كتب موسيقية هي: علم التأليف الموسيقي، علم التلحين العربي، منهاج لعزف العود الحديث.

ونظراً لعطاءاته الفنية، منحه باي تونس الوسام التونسي من رتبة فارس.  كم كرّم ذكراه المجمع العربي للموسيقى (جامعة الدول العربية) في المؤتمر الخامس عشر الذي عقده في جامعة الروح القدس - الكسليك في أيار عام 1999. 

 

المصدر : موقع الحق والحقيقة الالكتروني