خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الفنان اليمني المرشدي: فنان الفلكلور الغنائي اليمني بكل تلاوينه وإيقاعاته

. أعلام الموسيقى العربية

يمثل المرشدي اسما كبيرا في تاريخ الأغنية اليمنية برز من خلال تجربته الفنية الكبيرة التي تمتد إلى أكثر من ستة عقود، نسيج لوحده، أسهم بدور ريادي في إثراء وتطوير الأغنية اليمنية، وساهم بدور مهم في إحياء ونشر التراث الغنائي اليمني الغزير والمتنوع على مستوى اليمن والجزيرة العربية، وهو مؤرخ موسيقي، وملحن، ومطرب، تفرد بأداء خاص ومتميز في أغانيه، فضلا عن توثيقه للتراث الغنائي اليمني الغزير والمتنوع بعدد من الإصدارات والمؤلفات القيمة من بينها “أغنيات شعبية” و”الغناء اليمني ومشاهيره” و”صفحات من الذكريات” و “أغنيات وحكايات”.

 

ويعد واحداً من أبرز الفنانين اليمنيين، ‏ولعب دوراً مهماَ في إحياء التراث الغنائي اليمني ونشره ‏ليس على مستوى اليمن فحسب بل على مستوى الجزيرة ‏العربية والخليج.


قدّم المرشدي ‏أول أغنية له عام 1951، اسمها “هي وقفة”، كلمات ‏الشاعر الكبير محمد سعيد جرادة. وقدّم خلال مشواره الفني الحافل بالعطاء ‏طيفاً واسعاً من ألوان الغناء اليمني اللحجي والعدني ‏والصنعاني وغيرها.  وتفرد بأداء خاص ومتميّز في ‏أغانيه، وأدى بتفوّق جميع ألوان الأغنية اليمنية.  ويعتبره بعض النقاد أكبر مساهم ‏في إخراج الأغنية الصنعانية من نطاقها الضيّق، وأول ‏من غنّى الأغنية التهامية.

 

ساهمت إذاعة عدن التي ‏تأسست عام 1954 في تقديمه للجمهور، ومع منتصف ‏ستينيات القرن الماضي تجاوز انتشاره اليمن من خلال مشاركاته ‏الفنية في عدد من دول الخليج العربية. وتعاون مع كثر ‏من الفنانين الخليجيين وغنّى له الكثير من الفنانين، ومن ‏أبرزهم: الفنان السعودي الكبير محمد عبده والسوري فهد بلان.


وشغل ‏عدة مواقع، منها: عضوية البرلمان طوال ثمانينيات ‏القرن الماضي، ورئاسة اتحاد الفنانين اليمنيين.  وبعد ‏قيام الوحدة اليمنية عام 1990 أصبح مستشاراً لوزير ‏الثقافة، وانتخب عام 1997 عضواً في مجلس النواب ‏حتى 2003.


نال العديد من الجوائز والأوسمة، منها وسام الفنون من ‏الدرجة الأولى من الرئيس السابق علي عبد الله صالح عام ‏‏1982، ووسام 30 نوفمبر عام 1997، وكرمته وزارة التراث والثقافة في سلطنة عُمان عام 2001 كما كرمته مملكة البحرين كواحد من رواد الأغنية ‏العربية في العام نفسه.  ونال جائزة الأغنية المتكاملة في ـمهرجان ‏‏”أبها” في المملكة العربية السعودية عام 2002، وكذلك تكريم ‏المعهد العربي في باريس عام 2003، وتكريم درع اتحاد ‏الأدباء والكُتاب اليمنيين، وجائزة عمر الجاوي للإبداع ‏عام 2004، وتكريم وزارة الثقافة بمناسبة صنعاء عاصمة ‏الثقافة العربية 2004 تقديرا لدوره الريادي المتميّز في ‏الحفاظ على الموروث الغنائي الأصيل ووحدة تماسكه ‏وإسهاماته التجديدية الرائعة في النّغمة التراثية والأدب ‏الغنائي اليمني والقضايا الوطنية، وتكريم منتدى يحيى ‏عمر للدور الفاعل في الحفاظ على الأغنية اليمنية ‏الأصيلة، واللون “اليافعي” خاصة.  وتكريم مهرجان ‏وملتقى الرواد والمبدعين العرب في دورته الثالثة التي ‏عقدت في العاصمة السورية دمشق في كانون الأول/ديسمبر 2008 ‏تقديراً وعرفاناً بدوره الرائد في تطوير الأغنية اليمنية ‏والعربية على مدى مشواره الفني الحافل والطويل الذي ‏امتد يومها لأكثر من نصف قرن من الزمان.  ومُنح الكثير من ‏الشهادات التقديرية من مختلف الاتحادات الأدبية ‏والجامعية والشعبية داخل الوطن وخارجه.


ولد محمد مرشد ناجي في السادس من ‏نوفمبر عام 1929م،في مدينة الشيخ عثمان بعدن، وتلقى تعليمه في الكتَّاب، وذلك على يد الفقيه أحمد الجبلي. وكان هذا الكتّاب في حافة القحم في مدينة الشيخ عثمان.

ختم القرآن الكريم في سن مبكرة مما جعل والده يحتفي به ويقيم له الحفلات احتفاءً بذلك.


دخل المدرسة الابتدائية الحكومية في مدينة الشيخ عثمان واستمر فيها إلى أن أنهى الصف السابع؛ وقد كان خلالها قد تعرف على الكثير من زملاء الدراسة والمدرسين.  وتعتبر هذه الفترة من أجمل الأيام التي قضاها في عمره، فقد كانت أمه تغمره بحنانها وتلبي له جميع المتطلبات الحياتية والمدرسية، وكان هذا الحنان هو المصباح الذي أنار له الطريق في تلك الفترة.

 

في أحد الأيام وعند عودته من المدرسة الابتدائية فوجئ بخبر نزل عليه كالصاعقه. انه خبر وفاة أمه التي كانت تعاني من آلام في ساقها، فقد كانت تصارع المرض إلى أن لاقت ربها. فعندما سمع بالخبر اسودت الدنيا في وجهه ومضى مغشيا عليه فاقداً للوعي. لقد لازمه حزنه على وفاة أمه فترة طويلة.

بعد إتمام المرحلة الابتدائية بتفوق لم يتمكن من الالتحاق بالمدرسة المتوسطة بكريتر، وكانت هذه المدرسة تسمى (ريسدنسي) وتستقبل الطلاب الأوائل من أربع مدن هي كريتر، الشيخ عثمان، المعلا، التواهي، بحجة كبر سنه قليلا ولعدم توافر الوساطة  المناسبة.  وخيم الحزن عليه نتيجة تعذر قبوله رغم تفوقه الدراسي في المرحلة الابتدائية.  لكنه أصر على مواصلة تعليمه، فدخل المدرسة التبشيرية في الشيخ عثمان، وكانت هذه المدرسة تستقبل الطلبة الفقراء والطلبة المطرودين من المدارس الحكومية.  ولم تدم فرحته طويلا إذ أعلنت المدرسة إفلاسها، وكان على الطلاب مغادرتها.  

 

وكانت أمنيته أن يصبح كاتبا في أي إدارة حكومية حيث أن وظيفة الكاتب في تلك الفترة من الزمن كانت تعني الشيء الكثير، فترك تلك المدرسة وبدأ يبحث عن مدرسة أخرى يلتحق بها مجدداً.  فالتحق بالمدرسة التبشيرية في كريتر والمعروفة باسم (مدرسة البادري) وفي أثناء الدراسة كان يهتم كثيرا بالرياضة حتى إن لقب المرشدي حصل عليه من رياضة الكرة؛ وظل كذلك إلا أن جاء يوم وأُنهكت قواه من الذهاب والمجيء، فترك مدرسة البادري.


واتجه إلى الكتاتيب مرة أخرى فألتحق بكتّاب السيد صالح حسن تركي لتعليم اللغة الإنجليزية، وكان هذا الرجل مؤلف أغان ومغنيا وعازفا على آلة الكمان. وفي أثناء الدراسة تناقل بينهم خبر مفاده إن مستشفى الجيش الهندي بحاجة إلى ممرضين من مواليد عدن، وسوف تقام دورات تدريبية للمقبولين. فقبل في المستشفى وعين مترجماَ بين الطبيب والمريض.

 

كانت بدايته الغنائية من البيت حيث كان والده يجيد الغناء لأنه يتمتع بصوت جميل. وقد كان يمارس الغناء بصفة يومية، لهذا وجد نفسه مشدوداً إلى أبيه ويتعلم منه حتى تأثر به كثيرا وأصبحت ألحان والده واضحة في ألحانة التي تحمل النغمة الحجريَّة، إضافة إلى ذلك فقد كان أخوه أحمد عازفا على آلة السمسمية.

كان فنانا يمارس الغناء من المرحلة الابتدائية، وقوبل بالتشجيع من مدرسيه وبعض أصدقائه ومن ضمنهم الأستاذ أحمد حسن عبد اللطيف، وكان يغني في حفلات الأعراس حيث كان يعزف له المطرب وهو يغني لأنه لا يجيد العزف على العود؛ ولكن اهتمامه بالغناء جعله يفكر بالعزف على آلة العود، وبدأ يتعلم العزف على العود حتى أصبح مشهورا في الوسط الفني آنذاك. وقد عرض عليه أحد أصدقائه وهو الشاعر المعروف إدريس حنبله الانضمام إلى الندوة الموسيقية العدنية، وهذه الندوة تهتم بالهاوين للأغنية العدنية، فرحب بالفكرة وانضم إلى تلك الندوة التي كان مقرها كريتر واحد أعمدتها الفنان خليل محمد خليل، ذهب إلى الندوة وغنى من محفوظاته من الأغاني المحلية والمصرية وقوبل بالترحيب من أعضاء الندوة وتوطدت علاقته بجميع من فيها. وفي ذات يوم زار الندوة الشاعر المرحوم محمد سعيد جرادة وبدأ المرشدي يغني، فوجئ الشاعر جرادة بصوته الشجي، فقال له: لم لا تقوم بالتلحين. فكتب له قصيدة بعنوان (وقفة) فأخذها المرشدي منه واعتبرها كتشجيع من الشاعر له.  وصاغ لحناً لهذه القصيدة اعتبره من أجمل ما لحن وكانت باكورة أغانيه ومن أنجحها.

يعد الفنان الكبير محمد مرشد ناجي واحدا من أهم دعائم وركائز “الغناء التجديدي الحديث”، بالإضافة إلى دوره البارز والهام والمؤثر بتقديم الموروث والفلكلور الغنائي اليمني بكل تلاوينه وإيقاعاته المختلفة والمتعددة بأسلوب رائع أخّإذ ومقدرة فائقة أعادت إليه الروح والحياة بعد حالة الإهمال والنسيان.
ولعل “المرشدي” من الفنانين القلائل الذين تمكنوا ببراعة من تقديم عطاءات ونتاجات إبداعية استندت إلى محاكاة التراث اليمني برؤيته المستقلة وبمنظوره ومنهاجه ومدرسته المتميزة، معتمدا بذلك على جمال صوته الذهبي وعذوبته ورقته، وسلاسة وسلامة مخارج الألفاظ، والقدرة الهائلة على التغيير والتنويع بابتكار جمل موسيقية ومقامات لحنية وإيقاعات يمنية مصحوبة بثراء في العاطفة والشجن المتدفق المرتبط بجذور وأصول التربة اليمنية المعطاء.

نجح الفنان محمد مرشد ناجي بشكل لافت مبهر في تحقيق كل تلك القيم والمفاهيم التي تحمل بمضامينها ماهية الفن ووظيفته ودور الفنان المثقف الملتزم باشتغالاته الغنائية والموسيقية المبتكرة الحديثة، واستطاع في الوقت نفسه أن يتعامل ويتعاطى مع التراث والفلكلور اليمني ليجعله محتفظا بأصالته وهويته ومحببا لأذن المستمع والمتلقي في داخل الوطن وخارجه، فتمكن من خلال أحاسيسه ومشاعره الصادقة من أن يمر على كل جبال اليمن وهضابها وسهولها ووديانها، بكل تضاريسها ومناخاتها الساحرة الخلابة، وجعلنا أيضا نطوف ونحلق مع أعماله الرائعة التي قدمها والتي أعاد صياغتها غنائيا وموسيقيا بصوته المخملي الدافئ والحنون الممتلئ بالخيالات المتوهجة المعبرة.

قدم المرشدي إضافات غنائية تميز بها عن غيره من زملائه، وحسبت له في مسار تطور الأغنية اليمنية الحديثة، فللمرشدي وثبات فنية مبتكرة ذات أبعاد جمالية ورؤى فنية مدعمة باشتغالات إبداعية بالغة التميّز والخصوصية، تتمحور في تراكيب وصياغات بناء الجملة اللحنية النغمية والموسيقية بطريقته وبأسلوبه ومنهاجه الذي يعتمد على “شقين”: الجملة الموسيقية التي تستند إلى الثبات والركوز في صياغة القوالب اللحنية والجمل الموسيقية، وبالتالي يرتكز قوامها ويستقيم على رصانة ووضوح مخارج الألفاظ وسلامة المفردات ومعاني الكلمات، بالإضافة إلى حالة التدفق النغمي الوجداني والروحي الممزوج مع القصيدة بشكل لافت وقوي يضيف ويضفي على القصيدة والنص الشعري الذي يتعاطاه كثيرا من الصور والدلالات والرؤى الفنية الموسيقية والنغمية، بالإضافة إلى الأعمال الجميلة والمتفردة التي تؤكد عبقريته وإسهاماته المهمة في تطوير الأغنية اليمنية، بالإضافة الى تجربته في “فن التلحين وطرائقه المختلفة”، فهو يعتمد على الجملة الموسيقية القصيرة التي تستند إلى الحركة والإيقاع، ويمكننا أن نطلق عليها أسلوب “السهل الممتنع”.