خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

شعوبي إبراهيم عازف الجوزة البغدادية وأول مدرس للمقام العراقي بطريقة منهجية وعلمية

. أعلام الموسيقى العربية

فاطمة الظاهر

في الربع الأول من القرن العشرين وتحديداً في عام 1925 م وفي مدينة الأعظمية محلة الشيوخ في بيت قديم من تلك البيوتات البغدادية البسيطة الواقعة في زقاق ضيق ولد شعيب بن الحاج إبراهيم بن خليل بن إسماعيل العبيدي الذي اشتهر باسم (شعوبي إبراهيم ) ذلك الطفل الممتلئ بالحيوية والنشاط إذ كان أبوه الحاج إبراهيم خليل يعمل بالعطارة يكدح طوال حياته في هذه المهنة التي يكتسب منها معاشاً لأهله.

نشأ الطفل شعوبي بين إخوته الأربعة يلعب ويلهو معهم وبين اقرأنه الذين عرفوا عنه الذكاء الشديد وميله إلى الأدب والفن ، ونشأته في مدينة الأعظمية حيث إنها مدينة مقامية تتنفس المقام وتتذوقه وتحافظ عليه ، كان في صباه يحرص على حضور المناقب النبوية ( المواليد ) والاستماع لقراء المقام العراقي والأشغال التي يترنم بها( الردادة ) ، وشغف شعوبي بحضور حلقات الذكر القادري ( التهليلة) ومنذ صباه، كان يرعاه ويشجعه على ذلك السيد جواد السيد قطب ، كان يستمع للتمجيد ليلة الجمعة وضحاها ولتلاوة القرآن الكريم في جامع الإمام الأعظم ولقراءات الحافظ مهدي العزاوي والحاج محمود عبد الوهاب وهما من أكبر قراء التلاوة القرآنية في ذلك الوقت ، فكانت لبيئة (مدينته الأعظمية) الأثر البالغ والكبير في رسم معالم هذا الطفل وحبه لتراثه الأصيل بما تختزنه هذه المدينة من أنغام تنتشر بين مآذنها في الأذان والتمجيد والابتهالات والتكبير والتكايا التي تنبض وتشدو بحب الرسول وآل بيته وأصحابه في المدائح والأذكار والمواليد.

          أكمل شعوبي دراسته الابتدائية في مدرسة الأعظمية الأولى ثم أكمل الدراسة المتوسطة فيها أيضاً وأكمل دراسته الإعدادية في ثانوية بيوت الأمة المسائية الأهلية في مدينة الكاظمية ثم  دخل معهد الفنون الجميلة المسائي وتخرج منه في العام 1952 على آلة الكمان ثم انضم ثانية لمعهد الفنون الجميلة ولكن هذه المرة في القسم النهاري حيث درس على يد الأساتذه غانم حداد ومنير الحكيم حتى تخرج في العام 1956م على آلة العود وعلى يد الأستاذ جميل سليم.

          عمل مراقباً في أمانة العاصمة ، كذلك عمل موظفاً في الزراعة مدة قصيرة بعدها عين معلماً في مدرسة الكميت الابتدائية عام 1956 في مدينة الكاظمية لمادة النشيد والموسيقى، بعدها عين مشرفاً على الأناشيد المدرسية في وزارة التربية ثم مدرساً لمادة المقام العراقي وآلة الجوزة في معهد الفنون الجميلة وأخيرا انتقل في منتصف سبعينيات القرن العشرين إلى معهد الدراسات النغمية لتدريس المقام وآلة الجوزة.

          دخل الفنان شعوبي إبراهيم الإذاعة عام 1948 عازفاً على آلة الرق مع الفرقة الموسيقية وأسس مع الحاج هاشم الرجب فرقة الجالغي البغدادي عام 1951م ، كان كثير الاستماع لقراء المقام عن طريق الاسطوانات والأشرطة فأصبح صديقاً لجميع قراء مدينته يوم ذاك وفطنوا إلى موهبته في حبه وحفظه لهذا الفن وتفوقه عليهم بمعرفة أسراره وقواعده وأصوله حتى صار خبيراً في ذلك ، ساعده على ذلك دراسته لآلة الجوزة على يد أستاذها الأول صالح شميل في فترة الأربعينيات ، إضافة إلى دراسته النظريات الموسيقية في معهد الفنون الجميلة.

       يعدّ الفنان الراحل شعوبي إبراهيم أديباً ومدرساً وأحد أعلام الموسيقى في العراق في مجالات العزف والتراث والتدريس ، فهو فنان متعدد المواهب ، وعازف بارع وأصيل على آلة الجوزة التي بقيت علامة مميزة من علامات عطائه الخالد ، حتى قال عنه الموسيقار الراحل ( روحي الخماش) في أربعينية الفنان في قاعة الرباط عام 1991 م إنّ الفنان شعوبي حجة في المقام العراقي.

       إن المقام العراقي فن رائع وعظيم ، عشقه الفنان شعوبي إبراهيم منذ صباه وولع به ، ونذر جل عمره في البحث عن خفاياه ، مما جعل هذا الفنان رائداً فيه يشار له بالبنان ، لقد نذر نفسه لنشره وتدريسه بين طلابه ومحبيه ، مما مكنه أن يضع منهجاً علمياً بطريقة مبتكرة لتدريسه في المعاهد والمؤسسات الفنية.

      شعوبي إبراهيم أديب موهوب بالفطرة وشاعر مطبوع ذو خيال واسع ، كتب الكثير من الموالات والاشعار لكبار قراء المقام أمثال الراحل يوسف عمر وعبد الرحمن خضر وجميل الأعظمي وحمزة السعداوي وغيرهم ... وهو من وضع التخميس للقصيدة المشهورة " قل للمليحة في الخمار الأسود"للشاعر مسكين الدارمي والتي لحنها الفنان أحمد الخليل ، كذلك هو من وضع كلمات أغنية ( داري ) من نغم البنجكاه.

       داري داري أنـا أنـا                     انـا داري بلـي بلـي

       بهوى الاسمر انـا أنـا                     ولهــــــان

          يعدّ تأسيس معهد الدراسات الموسيقية( النغمية سابقاً) منعطفاً تاريخياً فنياً عندما ابتدأ في تدريس مادة المقام العراقي ، فكان شعوبي إبراهيم أول مدرّس له وبالطرق العلمية والمنهجية وذلك في العام 1971 ، كذلك فهو أشهر عازف لآلة الجوزة البغدادية حيث شارك كبار قراء المقام العراقي من خلال مرافقتهم لحفلاتهم وعروضهم الموسيقية في العزف على آلة الجوزة.

      تكمن أهمية الفنان شعوبي إبراهيم في مجال التدريس لمادة المقام العراقي في المعاهد المتخصصة بمجال الموسيقى ، وما قدمه من تجربة رائدة في إغناء هذا الفن خدمة للمصلحة العامة وللمعاهد والمؤسسات الفنية في العراق. لقد نذر الفنان جل حياته في خدمة تراث العراق وكل ما يتعلق بالمقام العراقي ، والسعي لإيجاد منهجية حديثة في تدريس المقام من خلال طريقة مبتكرة وجديدة ، خلص بها من خلال تجربته الفريدة طوال أكثر من أربعين عاماً في هذا المجال إلى وضع منهج علمي لهذا الفن الأصيل يدرّس لمدة ست سنوات دراسية في معهد الدراسات النغمية ، فوضع كتابه الموسوم ( دليل الأنغام لطلاب المقام ) والتي صدرت الطبعة الأولى منه عام 1982 ، اما الطبعة الثانية فقد صدرت في العام 1985 ، وتضمن تعريفاً بالمقام وأقسامه مقرونة بستة أشرطة ( كاسيت ) بصوته لتعليم المقام وتدريسه والتدريب على قراءته ، مع شرح مفصل لخبايا هذا الفن ، جعلت من درس المقام درساً حيوياً لطلبة (معهد الدراسات النغمية) ومحبباً لهم، ورأوا فيه سهولة في تعلم خفايا هذا الفن الذي سهلت هذه الطريقة عملية نشره وتعليمه في المعاهد والمؤسسات الفنية والتراثية حتى أصبح في ما بعد مرجعاً لكل من درّس هذه المادة من بعده وكذلك لطلابه ومحبيه، وأصبح هذا الكتاب منهجاً معتمداً حتى يومنا هذا في تدريس مادة المقام العراقي التي ابتكرها شعوبي إبراهيم حرصاً منه للحفاظ عليه من الانقطاع والاندثار ، وبهذا يكون للفنان الراحل الدور الأساس في وضع منهج علمي لفن المقام العراقي، فأصبح واحداً من مؤسسي هذا الصرح التراثي العريق.

          لقد أوكلت إدارة المعهد تدريس المقام إلى الفنان شعوبي إبراهيم ، فكانت تجربته رائدة وجديرة بالتقدير في تدريس هذه المادة الحيوية واستطاع أن ينقل خبرته الطويلة إلى طلابه خلال ساعات الدرس بسلاسة ودون تعقيد ، كذلك هو أول من درّس مادة المقام على شكل مجاميع ، وطبقها على طلاب المعهد ، ثم نقل تجربته هذه إلى فرقة الإنشاد العراقية في مطلع سبعينيات القرن العشرين.

       لقد كان شعوبي إبراهيم ملماً بجميع المقامات العراقية والقطع والوصلات عزفاً وغناء وعلماً ،  ومطلعاً على مدارس فن المقام العراقي وروادها ومؤسسيها من خلال استماعه لتسجيلاتهم ومرافقته لكثير من قرائه المبدعين المعاصرين له.

     يعتبركتابه ( دليل الأنغام لطلاب المقام ) كتاباً منهجياً وعلمياً لتدريس هذه المادة التراثية للحفاظ عليه ، يتطرق للمقامات العراقية بطريقة سهلة وحديثة مقرونة بستة أشرطة ( كاسيت ) تحتوي على جميع المقامات ليتسنى للطالب سماعها وأداءها ودراسة تحليلها المشروح بدقة في هذا الكتاب ، وقد سجل جميع هذه المقامات بصوته وعزفه على آلة الجوزة واختار لكل مقام طبقة صوتية ملائمة ليتمكن كل طالب من مرافقة التسجيل بصوته لكي لا يجد صعوبة في ذلك ، أما تحليله للمقامات فجعله على درجات صوتية مبسطة ، لأن جميع المقامات تغنى على درجات مصورة ، ولو حللنا كل مقام على درجته المصورة لصعب على المبتدئ ذلك ، وعلى سبيل المثال فإن مقام الرست الذي يغنى على درجة الرست (دو ) نرى أغلب قراء المقام لا يتمكنون من الوصول للميانات ( الجوابات ) فتراهم يغنون هذا المقام على درجة أو درجتين أقل من درجته الأصلية وبهذه الطريقة المصورة يكون التحليل صعباً على المبتدئ في هذا الفن.

أول كتاب ألفة الفنان شعوبي إبراهيم كان بعنوان ( المقامات ) صدر سنة 1963 ، حيث جمع فيه ألواناً من فنون الجد والهزل والدعابة والفكاهة وفنون الغناء والأبوذية والعتابة ، إضافة إلى تنظيمة ( أرجوزات تعليمية ) شملت تعريفاً للمقامات العراقية ، كتبه بأسلوب السجع البسيط غير المتكلف القريب من أسلوب مقامات الهمذاني ومقامات الحريري وناصيف اليازجي .. كان هدفه من هذا الأسلوب ، إبعاد الملل عن القارئ ، والمساهمة في إحياء أسلوب عربي قديم كان حلية الأدباء وزينة الكتاب في أبهى عصور الأدب العربي ، فكان هذا الكتاب باكورة أعماله الأدبية والذي تضمن عشرين مقامة نثرية ومنها ( المقامة البنائية ، المقامة العثمانية ، والمقامة الموصلية -حيث تضمن أسماء المقامات الرئيسة والفرعية في المقامة الموصلية - والمقامة البغدادية ، المقامة الشعرية ، المقامة الموسيقية ، المقامة الغزلية ، والمقامة البصرية.. وغيرها )  لتفسير وتوضيح المقام العراقي بأقسامه الفرعية والرئيسة وفصوله وقرائه وكل ما يمت بصلة إليه.