خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

وديع الصافي مطرب المطربين العرب

. أعلام الموسيقى العربية

اليـاس سحّاب

آخر لقاء شخصي جمعني بالفنان الأسطوري وديع الصافي، كان ليلة الثاني والعشرين من شهر حزيران - يونيو، في مسرح قصر الأونيسكو، الذي حضرت فيه قبل نصف قرن ونيف، أول حفلة حية لأم كلثوم. لكني كنت في هذه الليلة لحضور أمسية طرب رائعة للفنانة المغربية كريمة الصقلي، التي كان يشرفها بالحضور، وبالجلوس في المقعد الرئيسي في الصف الأمامي المطرب الاستثنائي وديع الصافي، الذي كان قد قارب التسعين من عمره.

كان أعمق ما أثر في نفسي في هذه الأمسية، تلك اللحظة التي دخل فيها وديع الصافي إلى القاعة وتوجه لاحتلال مقعده في المقدمة. فقد انفجر الحضور الذين كانوا يملأون القاعة بشلال من التصفيق الحاد والحار، الذي لم يقابلوا به أياً من رجال السياسة الذين حضروا تلك الأمسية. فقلت في نفسي إن تصرفاً كهذا يقوم به الجمهور عفوياً، هو دليل على أن قيم الثقافة العربية الرفيعة والحضارة العربية ما زالت بخير، رغم حالة التراجع السائدة. وبعد الحفلة الممتعة في تلك الأمسية، لم أجد عندما عانقت وديع الصافي محيياً ما أقوله له سوى أنه حيث يوجد هو، لا بد من أن يحضر الطرب الأصيل، لمجرد وجوده، حتى لو لم يغن هو.


عادت بي الذاكرة طبعاً إلى مطلع خمسينيات القرن المنصرم، حين بدأت متابعتي اليومية لأحداث النهضة الموسيقية - الغنائية التي عمت لبنان، وامتدت منه إلى سائر أرجاء الوطن العربي، في الربع الثالث من القرن العشرين، وقامت على أكتاف موسيقيين عباقرة، وأصوات عبقرية مثل وديع الصافي وصباح وفيروز وسعاد محمد ونجاح سلام ونصري شمس الدين، وسواهم وسواهن.


علمت فيما بعد، وأنا أتابع أخبار بدايات كل هؤلاء المبدعين، أنه باستثناء فيروز ونصري شمس الدين، فإن جميع أصحاب تلك الأصوات التاريخية، قد جربوا حظهم في القاهرة عاصمة الفن العربي، قبل أن ينتشروا في لبنان(،) ؛ منهم طبعاً من قضى في القاهرة ردحاً طويلاً مثل صباح ونور الهدى وسعاد محمد ونجاح سلام، لكن وديع الصافي ــ وكانت تلك بداية غريبة ــ لم يستطع أن يسجل في القاهرة نجاحاً يذكر، يتيح له الاستمرار والاستقرار.


وقد أخبرني الفنان الكبير فيما بعد أن معشوقه في القاهرة في ذلك الوقت كان الموسيقار والمطرب محمد عبد الوهاب، وأانه حظى بمقابلة مباشرة معه، استمع فيها بدهشة لهذا الصوت القادم من لبنان. وكان ذلك في منتصف الأربعينيات. ويقول وديع الصافي إنه أنشد لعبد الوهاب يومها أغنيته الرائعة «أنشودة الفن» (الدنيا ليل والنجوم طالعة تنورها). وكان عبد الوهاب يومها قد سجلها أولاً للإذاعة المصرية، في تسجيل إذاعي مطول استمع له وديع الصافي وحفظه. ويقول المطرب اللبناني الكبير، إن إعجاب عبد الوهاب بأدائه بلغ حداً جعله يعجب بتصرف في أداء عبارة «الدنيا ليل»، استخدمه عبد الوهاب عندما أعاد تسجيل «أنشودة الفن» على أسطوانة.

كانت السينما الغنائية المزدهرة في القاهرة يومها، تخطف بأضوائها أيضاً الفنانين والمستمعين في الوطن العربي بأسره، ولأن وديع الصافي كانت مواهبه الكبيرة في حنجرته، وليس في أدائه التمثيلي، فهو لم يستطع أن يحظى بالنجاح الذي حازه الفنان اللبناني محمد سلمان(زوج نجاح سلام بعد ذلك)، الذي حظي بدور سينمائي في فيلم ليلى مراد الشهير "قلبي دليلي".
لكن فشل وديع الصافي السينمائي في القاهرة، لعب بعد ذلك دوراً كبيراً في فتح أبواب النجاح، (التي فتحت) أمام حنجرة وديع الصافي كمطرب عز نظيره بين مطربي القرن العشرين العرب. وعندما عاد الصافي من رحلة القاهرة غير الموفقة، لم تكن النهضة الموسيقية - اللبنانية الغنائية قد انطلقت بعد، في أواخر الأربعينيات، فاضطر، لكسب العيش، إلى رحلة فنية لدى مغتربات المهاجرين اللبنانيين والعرب، في بلاد أميركا اللاتينية، حيث بدأت شهرته الحقيقية الأولى (هناك).
عندما عاد وديع الصافي من المهجر، في مطلع الخمسينيات، لاحظ انتشاراً شعبياً هائلاً لأغنية فريد الأطرش «ما قالي وقلتله». فذهل لهذه الظاهرة، ولا سيما بعد مرحلة أغنيات عبد الوهاب المطولة مثل الجندول والكرنك وكليوباترة. فقال في نفسه: ما دام ذوق الجمهور قد وصل إلى هذا الحد، فسأقدم لهم طقطوقة خفيفة ذات روح شعبية فكانت أغنية عاللوما، التي تعدت شهرتها حدود لبنان وتجاوزتها إلى بقية الأقطار العربية. غير أن شهرة وديع الصافي في أيامها الأولى لم تكن مقتصرة على مثل هذه الطقاطيق الشعبية، بل تجاوزتها إلى أغنياته العاطفية التي كان يوجهها للمغتربين اللبنانيين، مناشداً إياهم العودة إلى الوطن الأم. ولم تكن روعة أزجال أسعد السبعلي، هي مصدر القوة الوحيدة لأغنيات البدايات هذه، لكن وديع الصافي وضع فيها ــ تلحيناً وغناء ــ كل ما كان يختزنه من أصول وجذور الغناء الفولكلوري، الذي اكتسبه في قريته نيحا الشوف على يدي جده صاحب الصوت الجميل "أبو بشارة".
لا شك بأن من الصدف التاريخية الجميلة في بدايات وديع الصافي، لقاءه بالمسؤول الموسيقي الأول في الإذاعة اللبنانية في ذلك الوقت الموسيقار والمطرب حليم الرومي، الذي دهش لعذوبة صوته ونصحه بالتوجه إلى اللون اللبناني والتخصص به، لأنه الأكثر ملاءَمة لطبيعة حنجرته، كما اقترح عليه تبديل اسمه فنياً من وديع فرنسيس، إلى وديع الصافي. كنا قد وصلنا في ذلك الوقت إلى منتصف الخمسينيات، فانطلق عصر المهرجانات الفولكلورية اللبنانية من مهرجانات بعلبك أولاً، ثم سائر المهرجانات بعد ذلك.


ومع أن وديع الصافي قد غنى مع فيروز، واحداً من أهم الأعمال اللبنانية «سهرة الحب»(ألحان الأخوين رحباني)، فقد ظل (وديع الصافي،) يعترف في السر وفي العلن، أن طبيعة صوته وأدائه، ترتاح بالدرجة الأولى أمام صوت المطربة اللبنانية الكبيرة صباح، التي كان له معها صولات وجولات، كما كان له في بداياته الأولى تسجيل بديع مع المطربة الكبيرة نجاح سلام:  " طل القمر و رفيقتي طلّت معه ".
لم يلبث تميز وتفرد حنجرة وديع الصافي وأدائه المعجز، أن تخطى حدود لبنان، حتى بألوانه اللبنانية الخالصة، حتى إن إحدى الليالي الفنية الخالدة في القاهرة كانت ليلة حضرها الرئيس جمال عبد الناصر والموسيقار محمد عبد الوهاب، لعرض مهرجان «حكاية لبنان» لفرقة الأنوار الشهيرة، حيث شاهد الحاضرون عبد الوهاب يتمايل طرباً ويصفق بلا أدنى حرج ؛ وقد أدت هذه الحفلة التاريخية إلى لفت نظر وسمع شيخ النقاد العرب الراحل الأستاذ كمال النجمي، فكتب أكثر من مقال إشادة بالخصوصيات المذهلة والاستثنائية لحنجرة وديع الصافي ولأدائه الغنائي، وكان عنوان أشهر هذه المقالات اللقب الذي أطلقه النجمي على صوت وديع الصافي «جاجارين الأصوات الغنائية»، وجاجارين هو أول إنسان استقل مركبة فضائية وارتفع بها إلى أعلى الطبقات في تلك الأيام.


ولم يبدأ عقد الستينيات، حتى كان كبار المطرين والموسيقيين العرب، قد أجمعوا على أن وديع الصافي هو صاحب حنجرة لا مثيل لها بين المطربين، حتى إن كبار هؤلاء كانوا عندما يحبون الوصول إلى ذروة الانسجام في الاستماع للغناء، يهرعون إلى عقد جلسة خاصة مع وديع الصافي. وأشهر تلك الجلسات كانت سهرة في منزل عاصي رحباني وفيروز، انطلق فيها وديع الصافي يدندن موال «ولو» من ألحانه على مقام النهاوند الشجي، وكان بين الحضور الموسيقار محمد عبد الوهاب، والمطرب عبد الحليم حافظ.


ولما استبد الطرب بهذا الأخير جلس أرضاً بين قدمي وديع الصافي، ولما طلب إليه الحضور بعد أن يغني بدوره قال لهم بصراحة شديدة: «بعد أن غنى الأستاذ وديع، أنا رايح أبيع ترمس». وكان هذا تعبيراً عن إعجاب لا حدود له، بتواضع لا حدود له. وقد حدث أن قام عبد الحليم حافظ في القاهرة، بتسجيل موال «ولو» كما حفظه من وديع الصافي، لحساب شركته «صوت الفن»، التي طبعته على أشرطة وأسطوانات بعد رحيل العندليب الأسمر، الذي لم يقم في حياته بإعادة أغنية لمطرب آخر سوى مرتين: «لست أدري» لعبد الوهاب، و«ولو» لوديع الصافي.


كذلك، من المعروف أن المطرب والموسيقار فريد الأطرش، عندما أهدى حنجرة وديع الصافي لحنه الرائع «على الله تعود»، وحضر التسجيل شخصياً، حيث شارك بالعزف على آلة العود، خرج من استوديو التسجيل، وعبّر عن دهشته قائلاً: "لو كان وراء صوت وديع الصافي، إدارة فنية جيدة، لأجلسنا كلنا في بيوتنا".


هذه شذرات ذكريات عن صاحب الصوت الاستثنائي، الذي غادرنا مؤخرا. إنه مطرب المطربين العرب في القرن العشرين، كما لقبه الموسيقار محمد عبد الوهاب

المصدر : مجلة دبي الثقافية/العدد:

75