خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

عبد الوهاب ومراحله الفنية

. أعلام الموسيقى العربية

لقد تنوع إنتاج محمد عبد الوهاب ليشمل مختلف أشكال الموسيقى تلحيناًوغناءً، وساعده ميله وسعيه الدائم للتجديد والعصرية على الإنتاج أكثر وعلى إطالة عمره الفني، فكان يتفوق على كل من جاء بعده على الساحة ويثبت أنه يستحق قمة الفن.

مراحل محمد عبد الوهاب الفنية

المرحلة الأولى - بمن تأثر عبد الوهاب

لم يخرج محمد عبد الوهاب عن الخط الأساسي الذي أفرز قائمة الفنانين المشايخ رواد الفن في أوائل القرن العشرين في أن مدرستهم الأولى كانت حفظ القرآن وتلاوته، وهذه المدرسة بعينها هي التي لها الفضل من الناحية اللغوية في إجادة اللغة العربية وتذوقها وفتح الباب لتذوق الشعر العربي، ومن الناحية الفنية في أنها قدمت لهم تراثا في التلاوة احتوى على عديد من المقامات وأساليب استخدامها، إذ أن القراءة الصحيحة لابد لها من مقامات سليمة، ولا يوجد مقرئ جيد دون إجادة للمقامات، ويكتمل التراث الفني الديني كأداة تعليمية بالتواشيح الدينية التي تتمتع بالحرية في اختيار مقامات أكثر وصياغة ألحانها على مختلف الضروب والأوزان التى تخلو منها التلاوة.

عبد الوهاب والمدرسة القديمة

بدأ عبد الوهاب طريقه في الفن مطربا، وكان يغني لفناني القرن الماضي عبده الحامولي ومحمد عثمان وسلامة حجازي، وعندما نستمع لقصائده الأولى نجد آثار هذا التراث واضحة في أعمال مثل "يا جارة الوادي"، "خدعوها بقولهم حسناء"، "أيها الراقدون"، "ردت الروح".

المرحلة الثانية – في خطى سيد درويش

لهذه المرحلة أهميتها في فن محمد عبد الوهاب، إذ أن تأثره بفن سيد درويش كان مهما لا بل ضروريا، لقد كان عبد الوهاب نفسه من الحريصين على امتداد مدرسة سيد درويش، وكان يرى أنه من الاعتراف بفن الرجل أن يسير على نهجه في التجديد، وإذا أثبت أن فنه هو وليد فن سيد درويش فإن هذا وحده يعتبر نجاحا لذلك الفنان الرائد الذي وجد من يكمل طريقه، ولنفسه أيضا، وعلى هذا المبدأ، وحبا بسيد درويش وانبهارا بفنه، مضى عبد الوهاب يحمل على كتفيه المهمة الثقيلة، مات سيد درويش لكن فنه لا يموت، ويحاول عبد الوهاب قدر استطاعته إحياء ذلك الفن، وإن كان على طريقته هو.

ويمكن تتبع آثار سيد درويش في ألحان عبد الوهاب بسهولة حيث أن عبد الوهاب لم يكتف بتقمص روح الشيخ سيد وإنما كان يحفظ ألحانه عن ظهر قلب ويحس بقيمتها في أعماقه لدرجة أن بعض الجمل المميزة كانت تخرج في ألحانه وربما كان ذلك دون أن يدري أو يقصد، لكن الخلاصة أنه وجد في فن سيد درويش كنزا يعتمد عليه كمادة غنية يمكن أن تمده بأساس جيد لارتياد آفاق جديدة.

المرحلة الثالثة – مرحلة الإبداع المبكر

وفى تلك المرحلة أطلق عبد الوهاب أحلى أغانيه على الإطلاق ، وكان في كل عمل من هذه الأعمال شيئا جديدا وإضافة ذات قيمة، ورغم احتفاظه بالخط الشرقي الأصيل، ورغم تلبسه لروح سيد درويش فقد استدار أكثر فأكثر ناحية الغرب فنهل من الموسيقى الغربية وفنونها ما استطاع، وقد غذى اتجاهه هذا تعطش المجتمع للتحديث بعد طول جمود وتقوقع، لكنه لم يبعد تماما عن التراث الشعبى الموسيقى، وظل مخلصا للمقامات الشرقية ونغماتها في معظم أعماله، وقد ساعد عبد الوهاب على الإنتاج أكثر صوته الأخاذ فكان يلحن لنفسه بالدرجة الأولى.

المرحلة الرابعة – مرحلة الأعمال الكبرى (القصائد الطويلة – الأغانى المتطورة – التأليف الموسيقي)

شهدت هذه المرحلة تطورا كبيرا فى الموسيقى العربية ويرجع الفضل في بعض ذلك إلى محمد عبد الوهاب.  وتكونت المرحلة إياها من عدة عناصر أخذت شكل القصائد الطويلة والأغاني المتطورة والموسيقى الآلية.

القصائد الطويلة

أجاد محمد عبد الوهاب اللغة العربية وفهم أسرارها بفضل ملازمته لأمير الشعراء أحمد شوقي فاتجه إلى تلحين مجموعة من القصائد التي اختار موضوعاتها بدقة وأجاد في تصويرها مما جعلها على كل لسان حتى انتشرت وأصبحت جزءا لا يتجزأ من ثقافة المنطقة العربية.

ولم تقتصر قصائد عبد الوهاب على شعر شوقي فقد لحن لنخبة من أفضل الشعراء أهمهم علي محمود طه ومحمود حسن اسماعيل ومن هذه القصائد: الجندول، الكرنك، كليوباترا، دعاء الشرق، فلسطين، همسة حائرة، النهر الخالد، الروابي الخضر.

التأليف الموسيقى

بدأ محمد هبد الوهاب مرحلة جديدة تماما فى تاريخ الموسيقى العربية حيث أخذ يؤلف مقطوعات موسيقية آلية لا يصاحبها الغناء، وهي ليست على أي من قوالب الموسيقى الشرقية التركية الأصل كالسماعي والبشرف واللونجا، وإنما أخذت شكلاً جديداً فيه الكثير من الحرية في التأليف.

وقد أضاف عبد الوهاب كماً محترما من هذه المقطوعات الموسيقية الآلية على مدى أربعة عقود، وقد صار هذا الاتجاه تقليدا محبوبا فيما بعد عشقه الموسيقيون الجدد وحاولوا بدورهم تأليف مقطوعات موسيقية جديدة، ومنهم من اكتفى بهذا دون الاتجاه للتلحين.

المرحلة الخامسة – الأغاني الوطنية والتلحين للجيل الجديد والموسيقى المتطورة

امتدت هذه المرحلة عبر الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين وكان عبد الوهاب ما زال يغني، لكنه أخذ يعد نفسه للتفرغ للتلحين بعد اعتزال الغناء.

الألحان الوطنية

وفي حماس بالغ لثورة يوليو يطلق عبد الوهاب سلسلة من الأعمال الوطنية التي غناها بنفسه أو شارك فيها غيره كمجموعة مطربين يصاحبها أصوات كورس متميز وعلى مستوى عال من التدريب منها في الخمسينيات: يا نسمة الحرية، الدنيا بقت حرية، زود جيش أوطانك، أنشودة الجلاء ( قولوا لمصر تغني).  ومنها في الستينيات: بطل الثورة، ناصر، الجيل الصاعد، صوت الجماهير، وطني الأكبر، والله وعرفنا الحب، يا حبايب بالسلامة.

ونلاحظ فى عديد من أناشيد المجموعة الستينية استخدام عبد الوهاب للأوركسترا الغربي الكامل والأساليب الغربية في التوزيع الموسيقي أي الهارموني والكونترابوينت ، وهي بلا شك ألحان فاخرة التأليف والإخراج وتعبر عن نضج موسيقي ولم يعبها غير شيء واحد هو ارتباط موضوعاتها ارتباطا وثيقا بالنظام السياسى بكل رموزه وشعاراته مما جعلها عرضة للحظر السياسي بتغير النظام ، وهو ما حدث فعلا بعد انتهاء الستينيات.

ألحانه للجيل الجديد

لم يبخل عبد الوهاب على الجيل الجديد بإبداعاته إذ لحن لكثيرين غيره ولكن سنذكر هنا أهم علامات ألحانه لغيره، ونشير إلى لحنين من ألحانه لعبد الحليم حافظ وهما "أنا لك على طول" و"أهـــواك" في الخمسينيات ولحنا "فاتت جنبنا" و"نبتدى منين الحكاية" في السبعينيات.

الموسيقى المتطورة

زاد عبد الوهاب من اهتمامه بالموسيقى كعنصر مستقل عن الألحان الغنائية، وأضاف عددا من المقطوعات الجديدة مثل: حياتي ، الخيام ، هدية العيد التي استخدم فيها موسيقى القرب الاسكتلندية.

وأكثر تلك المقطوعات تطورا على الإطلاق موسيقى حياتي وموسيقى الخيام، وقد استخدم فيهما عبد الوهاب الأوركسترا الكامل بتوزيع فائق الجودة، وكان الموزع أندريا رايدر وراء نجاح هذين العملين اللذين خرجا في أبهى صورة ، وبهما طرق عبد الوهاب آفاقا جديدة في الموسيقى ولامس الموسيقى الغربية مع الاحتفاظ بالطابع الشرقي.

المرحلة السابعة - عبد الوهاب وأم كلثوم

في هذه المرحلة واجه عبد الوهاب عدة تحديات مثلت عقبات فى طريق الفن والإبداع.  التحدى الأول كان صوت أم كلثوم المتألق ولم يسبق له التلحين لها قبل إنت عمري عام 1964.  والتحدي الثاني كان تقدمه في السن فقد بلغ عند بدايتها الستين من عمره.  أما التحدي الثالث فكان سيطرة رياض السنباطي على صوت أم كلثوم وجمهورها بألحانه.  وكان التحدي الرابع ظهور مجموعة من الملحنين الجدد الذين لحنوا لأم كلثوم بكفاءة.  ويتلخص التحدي الخامس بقدوم جيل جديد من الجمهور له ذوقه الخاص.  والتحدي السادس أجواء النكسة بعد حرب 67 والتحدي السابع انتشار الموسيقى الغربية.  وباختصار نستطيع القول إن محمد عبد الوهاب قد تغلب عليها جميعاً، وحقق نجاحا هائلا فى تلك المرحلة التي استمرت حوالي عشر سنوات.

أما أسباب نجاحه فتكمن في شئ واحد يتلخص بمقدرته الفائقة على التجديد والابتكار، فقد كانت الساحة مليئة بالفن الجيد والفنانين المتمرسين، ولم يكن في وسع أي أحد التفوق على الباقين إلا بهذه الميزة الفريدة.

ومن أهم ما ميز ألحان عبد الوهاب لأم كلثوم جعل المقدمات الموسيقية لأغانيها جزءاً أساسياً من العمل، وقد استعمل فيها كل ما أوتي من موهبة لتكون تحفاً موسيقية وليس فقط تمهيدا للغناء، ولا شك أن تلك المقدمات كانت من أسباب نجاح سلسلة ألحانه لأم كلثوم، وصارت تعزف آلياً من جميع الفرق الموسيقية كمقطوعات مستقلة بذاتها.

وهناك خاصية أخرى تميزت بها تلك المجموعة من الأغاني، وهى خاصية من أعجب ما يكون في الموسيقى العربية، ذلك أن استعمال عبد الوهاب فيها للمقامات الشرقية كان متميزا بحيث لم يلجأ إلى الجمل التقليدية التي مل الناس سماعها من كثرة التداول ، لكنه أدخل جملا جديدة جعلتها تبدو أبعد ما يكون عن التقليدي.

المصدر : موقع الموسيقى العربية الالكترونية