خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

المطربة السّوريّة مها الجابري: حياتها وأعمالها

. أعلام الموسيقى العربية

                                                  للمؤلّف الباحث "إلياس بودن[1]" من تونس

          تعتبر "مها الجابري"، مطربة سوريّة من زمن الفنّ الجميل والطّرب العربي الأصيل، ذات خلق طيّب وتواضع. ظهرت في أواخر الخمسينات من القرن العشرينوتملك صوتاً جميلا دافئاً وقويّا مكّنها من أداء أصعبقوالب الغناء العربي مثل الدّور والقصيدة،  يعود إلىزمن الأصوات القويّة الأصيلة ولحّن لها كبار الملحّنين السّوريينواللّبنانيين وأردني وفلسطيني وعراقي وكويتي، وهي المطربة السّوريّة الوحيدة التي لحّنلها كبار الملحّنين المصريين ولها عدد كبير من الأغاني التي تحتفظ بها إذاعة دمشق وإذاعة حلب السّوريتين.

          ولدت المطربة السّوريّة الكبيرة "مها الجابري" سنة 1932 في مدينة حلب الشّهباء بشمال سوريا، واسمهاالحقيقي ميسر الجابري. تعلّمت العزف على آلة العود وحفظت الكثير من الشّعر العربي القديم وأجادت فنّ غناء الموشّحات والأدوار والقدود الحلبيّة والقصائد الغنائيّة الطّربيّة على يدي شيوخ الطّرب بحلب حتّى برعت فيها.         

          غنّت مها الجابري في صباها لأمّ كلثوم وأسمهان وماري جبران ويعود الفضل في اكتشاف موهبتها إلى الفنان السّوري الرّاحل شاكر بريخان وبتشجيع كبير من الفنانين السّوريين إبراهيم جودت وعزيز غنام وممدوح الجابري. وعلى الرّغم من جمال صوتها وعزفها البديع على العود،إلا أنَّها لم تفكّر في احتراف الغناء، بل كانت تمارسه على سبيل الهواية فيالسهرات العائلية ومع الصديقات. حتّى جاء عام 1956، فقد كان الفنان شاكربريخان يعمل في الإخراج الإذاعي في إذاعة حلب، وكان يخرج برنامج "سهرةالميكرفون"، يقدّم من خلاله المواهب الغنائيّة، وكان يشرف على الجانبالموسيقي في البرنامج كلّ من عزيز غنّام وإبراهيم جودت، ووصل إلى مسامعهمالثلاثة (بريخان وغنام وجودت) جمال وصوت ميسر الجابري، فزارها الثّلاثة فيمنزلها وأقنعوها بالمشاركة في البرنامج، وبالفعل شاركت وكانت منه انطلاقتهاالفنية، بعد أن أطلقوا عليها اسمها الفنّي مها الجابري[2].

          بدأت مهاالجابري نشاطها في إذاعة حلب، فقدّمت بعض الأغنيات من تلحين الموسيقيينالحلبيين، ومع بدء التلفزيون السّوري إرساله عام 1960، انتقلت إلى دمشق لتقدّمغنائها عبر الإذاعة والتّلفزيون، وكان أوّل لقاء لها مع الملحّن سليم سروة الذي كان أوّل من تعاون معها لتقف كمطربة مرموقة وتتقدّم إلى الصّفوف الأولى في عالم الطّرب السّوري إلى جانب المطرب صباح فخري ومحمّد خيري وصحر ومصطفى ماهر لتشدو بصوتها السّاحر أعذب الأغنيات والموشّحات والقصائد والقدود الحلبيّة.

 

          توالى الملحّنون على صوتها، فلحّن لها معظم كبار الملحّنين السّوريين، منهم سليم سروة وإبراهيم جودت وأمين الخيّاط وسهيل عرفة وزكي محمّد وشاكر بريخان وعبد الفتّاح سكّر وسعيد قطب وسمير حلمي وزهير عيساوي وعزيز غنّام وفؤاد محفوظ ونزار مورهلي وياسر المالح وياسين العاشق وعدنان أبوالشّامات ومحمّد محسن وغيرهم، فغنّتمن ألحان إبراهيم جودت: أغنية "شو بيصعب عليّ" التي حقّقت بها نجاحا كبيرا وشهرة واسعة وقد كتب كلماتها نظمي عبد العزيز وقصيدة "أساء فزادته الإساءة حظوة" من شعر أبي فراس الحمداني. كما قدّم لها الملحّن نجيبالسّرّاج مجموعة من الأغنيات من أشهرها "فينا ننسى الدّنيافينا" من كلمات فوزي المغربي، وغنّتمن كلمات ولحن ياسر المالح أغنيتين وهما "أمّي" سجّلت سنة 1964 و"عندما كنت صغيرة" سجّلت سنة 1965، كما غنّت من كلمات ولحن الفنّان شاكر بريخان أغنيتين "كلّنا منحبّ العيد"و"رصّوا الصّفوف" للشّاعر فوزي المغربي وقصيدة "آذار الثّورة" للشّاعر صابر فلحوط. كما غنّت من ألحان أمين الخيّاط أغنيتين من كلمات شاكر بريخان: تتمثّل الأولى في محاورة غنائيّة بعنوان "كلّما تخطر على بالي"وغنّتها مع الملحّن السّوري سمير حلمي والأغنية الثّانية "بلد العزّ يا بلدي". كما لحّن محمّدمحسن للمطربة مها الجابري العديد من الأغنيات منها قصيدة "أبداً تحنّ إليكم الأرواح" للشّاعر العبّاسي شهاب الدّين السّهروردي وأغنية "بالله يا دار" من الشّعر القديم. من ألحان سليم سروة غنّت مها الجابري 32 لحنا منها قصيدة "شكونا إلى أحبابنا" وصلت فيها إلى ذروة الإبداع وهي من كلمات عبد الله الأحوص وقصيدة "أنت يا حبيبي" المسجّلة بتاريخ 22/5/1965 وهي منكلمات عدنان قيفاز وأغنية "يا عاشقي يا ساكب العبرات" سجّلت سنة 1973 من كلمات ياسر المالح. غنّت لأمير البزق محمّد عبد الكريم أغنية "يللي قلبي ما نساك" المسجّلة بتاريخ 8/1/1972 وهي من كلمات محمّد علي حمادة. كما قدّم لها الملحّن عزيز غنّام من نظم الشّاعر مصطفى البدوي أغنيتين وطنيّتين "قنيطرة العرب" و"غادرة". من أغانيها السّوريّة الطّربيه المميّزة كذلك أغنيتين من كلمات وألحان الموسيقار السّوري زهير عيساوي"كتيرعلينا لو حبّينا"و"الحبايب" وأغنية "رجعتليالي الهنا" من كلمات رفعت العاقل وتلحينالملحّن السّوري سعيد قطب وقصيدة زهديّة "زدني بفرط الحب" للشّاعر الصّوفي عمر ابن الفارض[3].

 

          غنّت المطربة مها الجابري العديد من الموشّحات منها ثلاث موشّحات مجهولة الوشّاح لحّنها لها محمّد محسن وهي "شابة البدر" و"رماه ساحر القد" و"ألا أيها البيت"، لتغنّيها ضمن مسلسل تلفزيوني، لكنّ رحيلها حال دون ذلك. كما غنّت مها الجابري عدّة موشّحات أخرى نذكر منها ستّ موشّحات من نظم الشّاعر حامد حسن ومن تلحين الملحّن عدنان أبو الشّامات[4] وهي موشّح "إنّ في جنباي قلبا متعبا" و"داعب العود وغنّى" و"صاحب الوجه المليح" و"الورد بخدّك والخجل" و"طالما أسهرت عيني" و"هلّلي للنّور يا روابينا" وموشّح "يا عريبا" للملحّن الشّيخ عمر البطش نظمه قديم وموشّحات قديمة مجهولة الشّاعر والملحّن مثل "البلبل ناغى" و"أسعد القلب" وغيرها. كما غنّت العديد من الأناشيد الوطنيّة نذكر منها نشيد "جيش التّحرير" من كلمات صلاح الدين الحسيني وتلحين نجيبالسّرّاج ونشيد "الجزائر" من كلمات مفدي زكريّا وتلحين محمّد فوزي و"ذكرى ميسلون" من كلمات عمر أبو ريشة وتلحين نجيبحنكش.

 

          لحّن لمهاالجابري كذلك عدد من الملحنين اللّبنانيين منهم شفيق أبو شقرا لحّن لها أغنية "فرشوا لي الطريقأزهار"، كما لحّن لها مصطفى كريديّة أغنية "في شرع الله" وهاتين الأغنيتين من كلمات أمير الأغنية اللّبنانية والشّاعر الغنائي الزجّال عبد الجليل وهبي. أمّا عفيف رضوان فقد لحّن لها أغنيتين "لا نصحني" من كلمات علياء دالاتي و"مشيتوا وماطلعتوا" من كلمات أسعد سابا.

 

           وتعتبر مها الجابري المطربة السّوريّة الوحيدة التي لحّنلها كبار الملحّنين المصريين، دون أن تتخلّى عن هويّتها الفنّية السّوريّة، فجاءتألحانهم إعجاباً بصوتها، ويقف سيّد مكّاوي في مقدمة الملحّنين المصريين الذينلحّنوا لها، إذ غنّت قصيدتين من تلحينه من نظم الشّاعر السّوري بدوي الجبل، وهي قصيدتي "مواطن النّجوم" التي كان تاريخ تسجيلها خلال إحدى زيارات مها إلىالقاهرةيوم 20/1/1977ّ و"سقى الله عند اللاّذقيّة"، ولحّنلها بليغ حمدي أغنية "ارحمني يا قلبي" من كلمات الشّاعر المصري مأمون الشّنّاوي، أما محمّدالموجي فلحّن لها أغنية "صعبان عليك" من كلمات الشّاعر المصري فوزي المغربي، والملحّن عبد العظيم محمّدأكثر الملحّنين المصريين تلحيناً لمها الجابري، إذ لحّن لها ثلاث أغنيات وهي"الوحدة" من كلمات محمّد حلاوة عن وحدة سورية ومصر، وأغنيتي "أخدوه وفاتوه" و"من جنتي خدوك" من كلمات الشّاعر المصري عبدالوهاب محمّد[5].

         

          كما لحّن للمطربة مها الجابري أيضا ملحّنا أردنيّا وفلسطينيّا وعراقيّا وكويتيّا: الملحّن الأردنيجميل العاص لحّن لها أغنية "سوف نثأر" من كلمات الشّاعر السّوري خضر الحمصي، كما لحّن لها الملحّن الفلسطيني رياض البندك أغنية "الحلم الغريب" التي نظمها الشّاعر والأديب المصري مصطفى محمود. هذا وقد لحّن لها الملحّن العراقي علاء كامل (علي عبد الرّزاق الحسن) أغنية "بلادي" من كلمات الشّاعر السّعودي طاهر زمخشري، كما لحّن لها أيضا الملحّنالكويتي محمود الكويتي أغنية خليجيّة كويتيّة "باز في نهر" من كلمات الشّاعر الكويتي خالد العيّاف.  
         

          غنَّت مها الجابري كذلك عدد منالأغنيات لغيرها من المطربين والمطربات، فأدَّتْ باقتدار قصيدة "أفديه إنحفظ الهوى أو ضيَّعه" من كلمات كمال الدّين ابن النّبي ولحّنها الشّيخ أبو العلا محمّد الذي غنّاها بصوته في العشرينات من القرن العشرين، قبل أن تغنّيهاأمّ كلثوم بعد ذلك وغيرها من المطربات وأداء مها الجابري للقصيدة لا يقلّ روعة واتقانا عن أدائهنّ فسجّلتها مها بتاريخ 15/11/1961، وقلّدت في الحفلات الخاصّة أهمّ أغاني سيّدة الغناء العربي أمّ كلثوم مثل: ثلاث قصائد لحّنها رياض السّنباطي وهي قصيدة "أراكعصيّ الدّمع" من كلمات أبو فراس الحمداني و"رباعيات الخيّام" للشّاعر الفارسي عمر الخيّام وترجمها للعربيّة أحمد رامي وقصيدة "ذكريات" (قصّة حبّي) من كلمات أحمد رامي وأغنية "حبيبي يسعد أوقاتو" من كلمات محمود بيرم التّونسي ولحّنها الشّيخ زكريّا أحمد. كما غنّت أيضا قصيدة "يا جارة الوادي" من كلمات أمير الشّعراء أحمد شوقي ولحّنها وغنّاها الموسيقار محمّد عبد الوهاب. وأدّت مها الجابري دورين هما "يا بديع الحسن" قديم ودور "يا ما أنت وحشني" من كلمات محمّد الدّرويش"وتلحين الشّيخ محمّد عثمان، كما أدّت أغنية "ح أفضل وفي" التي كان رفيق شكري قدلحّنها لفايزة أحمد منذ الخمسينيات من القرن العشرين، وأغنية "وين قولي"التي لحّنها عبد الغني الشّيخ لفايزة أحمد، كما قدّمت مها الجابري أغنية "ليشبتستحي منّي" للشّاعر المصري توفيق بركات والتي كان الملحّن اللّبناني مصطفى كريديّة قد لحّنها للمطربة نازك. كما اشتهرت أغانيها الخفيفة على كلّ لسان ومنها "أسمر خمري" و"طوّل بالك"، و"حبّك في قلبي". كما غنّت كذلك عدّة أغان مجهولة الشّاعر والملحّن مثل "الزّمن بعدني" و"لا تدّعي بالحب يا أسمر" و"والله ما بنساك والله" و"ظامئ والشوق" و"لا تسلني عن حبيب" و"يا زين" و"أعمل ليه لعبتو والدنيا دنيتو"، ... وسنورد قائمة لكلّ هذه الأعمال التي غنّتها المطربة مها الجابري في آخر المقال مع ذكر مؤلّفيها وملحّنيها، والتي كانت تذاع بشكل شبه يومي في إذاعتي دمشق وحلب وإذاعةبيروت والشرق الأدنى وإذاعة لندن القسم العربي، كانت صعبةالأداء لكنّ المطربة مها الجابري حلّقت فيها أجود تحليق، وسنورد قائمة بهذه الأعمال في آخر هذا المقال مع ذكر مؤلّفيها وملحّنيها [6]. هذا وقد قامتالهيئة العامّة لدار الأسد للثّقافة والفنون فيدمشق بإصدار اسطوانة لها مؤخّرا ضمن سلسلة أعلام الموسيقى والغناء فيسوريا وذلك تكريما لها وتحتوي الاسطوانة على معظم أغاني الهامّة.

          كما تربّعت المطربة القديرة مها الجابري على قمّة الأغنيات النّسائيّة في سوريا، ومن ألقابها لقب "أمّ كلثوم سوريا" و"سلطانة الطّرب".

          شاركت المطربة مها الجابري في العديد من المهرجانات ومثلت سوريا في المهرجانات الغنائية العربية والعالمية فنالت النجاح والإعجاب وشهادات التقديرتقديرا لفنّها الرّاقي لما قدّمته للحركة الفنّيّة في سوريا من عطاء وجهد متميّزين.

          وتعتبر مها الجابري مطربة سورية كبيرة عظيمةذات خلق طيّب وتواضع. قال فيها النّقّاد إنّها من أبرز الأصوات النّسائيّة السّوريّة التي حافظت على طابع الأغنية السّوريّة الأصيلة فهي صاحبة صوت جميل قويّ شجيّ قدير صادح "سوبرانو" متميّز بالعذوبة والصّفاء ومكّنها من البراعة في أداء أصعب قوالب الغناء العربي باقتدار وبشكلخاصّ الدّور والقصيدة والموشّح والقدود الحلبية ونافست في عصرها ملكات الطّرب العربي الأصيل.

          من ميزات مها الجابري أنّها كانت ترفض غناء الألحان المبتذلة والتّجاريّة كما كانت ترفض دائما الغناء في الملاهي اللّيليّة الرّخيصة، صادقة مع نفسها حريصة على فنّها الرّفيع المستوى ومسيرتها الرّاقية[7].

          أمضت مها الجابريالسّنوات الأخيرة من حياتها وحيدة في منزلها مع آلة التّسجيل، بعد الإهمالالذي تعرّضت له، ورحلت في السّابع عشر من آب عام 1982 عن خمسين عاماً تاركة أجمل أعذب الأغنيات وأجمل الذكريات ومازال أعبق أعمالها يتردّد صداه في أرشيف المكتبة الغنائيّة السّورية والعربيّة.

         

 


1- إلياس بودن، طالب بالدّكتوراة في الموسيقى والعلوم الموسيقيّة بالمعهد العالي للموسيقى بتونس.

2- مبيّض، (عامر رشيد)، مئة أوائل من حلب، أعلام، معالم أثريّة، صور وثائقيّة، حلب، دار القلم العربي، 2004، "مها الجابري"، ص 1783.

3- بن ذريل (عدنان)، الموسيقى في سورية، دمشق، دار طلاس للنّشر، ط 2، 1987، ص 67.

4- أبو الشّامات (عدنان)، ديوان الموشّحات وألحان عدنان أبو الشّامات، دمشق، دار الأنغام للتّراث، 2000، ص 157- 173.

5- الجمل (أحمد بوبس)، مقال "مها الجابري المطربة القديرة (1932-1982)"، دمشق، جريدة "شرفات الشّام" ثقافيّة فنيّة نصف شهريّة تصدر عن وزارة الثّقافة السّوريّة في الإنترنت: http://www.shorufat.com/read.php?sid=1796&id=13

6- البوّاب، (سليمان سليم)، موسوعة أعلام سورية في القرن العشرين، دمشق، دار المنارة، 2000، ص 157- 173.

7- جبران (أسعد)، الموسيقى السّورية عبر التّاريخ، دمشق، دار العلم للملايين، 1990، ص 150.