خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

بليغ حمدي عاشق مصر الحزين

. أعلام الموسيقى العربية


بليغ حمدي عاشق مصر الحزين

كانت مصر التي أحبها بليغ ظالمة معه ..

يقول البعض   : وما ذنب مصر ..؟

مصرظلمته  عندما بخلت عليه بجائزة الدولة التقديرية ..

مصر خذلته عندما كرمت فناني حرب أكتوبر ، ولم تكرمه ..

بليغ الذي غنت له مصر " بسم الله " و " أنا على الربابة باغني " و " يا حبيبتي يا مصر " ..

بليغ الذي اقتحم مبنى الاذاعة عند بدء الحرب هو والأبنودي، ولحن أغاني اكتوبر الحقيقية .. لا يكرم ؟

سافر بليغ الى باريس للعلاج ولم تفكر الدولة في التطوع لدفع تكاليف علاجه .. ورفض بليغ أن يطلب ذلك من الدولة .. ودفع آخر ما كان عنده في العلاج ..

عاش بليغ على رأس ماله بعيدا عن مصر حبه الكبيرخمس سنوات  .. كان يبكي للعودة ويرفض العروض العديدة التي جاءته من كثير من الدول العربية ترحب به ، وتدعوه للاقامة فيها .. الا أنه كان يرفض قائلا : سأزور الدول العربية ولكن بعد عودتي الى مصر.

هكذا ظلم بليغ في حياته وبعد وفاته ..  

وزاد المرض على بليغ وسافر الى باريس ويدأ علاجا قاسيا  ، وتدخل القدر ومات بليغ لأن قلبه وكبده لم يستطيعا مفاومة الغربة والفراق .         .

وسافر الى باريس وبدأ علاجا قاسيا .. وتدخل القدر ورحل بليغ ولكن موسيقاه وأغانيه استمرت تنبض معنا ..   

أحب بليغ مصر .. أحب كل شبر من أرضها .. أحب هواءها .. عاش احداثها .. حزن لأحزانها .. وفرح لفرحها .. ترجم كل هذه الأحاسيس والمشاعر الى نغمات تغنت بها حناجرالمطربين والمطربات : نجاة الصغيرة ، عفاف راضي، صباح ، شادية ، محمد رشدي ، وردة ، عبد الحليم حافظ ، وأم كلثوم .

نشأ بليغ في أسرة مترابطة .. شعارها الحب . الأب عالم على درجة عالية من الثقافة.. والأم تكتب الشعر وعضوة عاملة من سيدات حزب الوفد .

اسمه الكامل محمد بليغ عبد الحميد حمدي سعد الدين . ولد في  7 تشربن الاول - أكنوبر عام 1929 في حي شبرا بالقاهرة .. في منزل كان يعرف باسم "بيت الشركة "  المجاور للمنزل الذي ولد فيه صلاح جاهين .

كان للوالد سياسة خاصة في تربية أولاده .. كان يترك لهم الحرية في اطار المقومات الخلقية والتقاليد ، لم يمل على أحد منهم رأيا ، أو يجبر أحدهم على عمل شىء لا يريده .. ترك لأولاده القرار الأخير .

وكان بليغ يحلم وهو في طفولته أن يصبح " مزيكاتي " أهداه والده عودا يمارس عليه هوايته ، كما أسند الى صديق له ليعلم ولده العزف على العود هو " عبد الحميد همام " الذي كان يعمل مهندسا .. الى جانب اجادته العزف على العود وقراءة النوتة الموسيقية .

كان منزل الأسرة يستقبل الفنانين أمثال محمد القصبجي ، وزكريا أحمد ، والشيخ درويش الحريري . وجاء في رواية لشادية ، أنها كانت عندما تأتي لزيارة شقيقتها كانت ترى فتى في التاسعة من عمره يحتضن عوده الذي اشتراه له والده .. يعزف عليه بعض الألحان . أطلقوا عليه في المدرسة "المزيكاتي الكبير". فبليغ كان يحب الغناء ..

أعجب بليغ بصوت شادية ولحن لها الأغنية الفولكلورية " آه يا اسمرانى اللون" ثم " قولو لعين الشمس ، ثم " وخلاص مسافر "

وشارك بليغ بألحانه في أفلام شادية الأخيرة .. كذلك في المسلسلات الاذاعية التي قامت شادية ببطولتها .

قرر بليغ أن يوفق بين رغبة والده ورغبته .. فالتحق بكلية الحقوق التي استمر بالدراسة بالسنة الثالثة فيها سبع سنوات. وكانت معه في نفس الدراسة بالكلية الفنانة فايدة كامل التي قضت بدورها سنوات طويلة داخل الكلية . كان كل الطلبة يذهبون للجامعة بكشكول المحاضرات ، وبليغ يذهب بالعود . أما فايدة كامل فكانت تقسم وقتها بين بعض المحاضرات وألحان بليغ . وأسفرت هذه العلاقة الجامعية عن لحن تغنوا به معا " ليه فايتنى ليه " نالا عليه الجائزة الأولى في برنامج ما يطلبه المستمعون بالاذاعة المصرية.

والى جانب دراسة بليغ بالجامعة التحق بالدراسة بالمعهد العالى للموسيقى المسرحية .   

لم تزعج الأسرة اهتمامات بليغ بالموسيقى ، فقد لمس الوالد في ولده منذ طفولته هذه الميول الفنية .. وأخذ يشجعه على تلقى دروسه في الموسيقى .

وصف بليغ موسيقاه بقوله :

" أنا ملحن مصري .. بسيط في جملي الموسيقية ، أحرص على استغلال الايقاع المنتظم في ألحاني. استمعت الى الكثير من الحان عبد الوهاب في بداية حياتي الفنية . .. الا أنه من الغريب أننى كنت أعشق صوت كارم محمود ومحمد قنديل بألحان محمود الشريف وأحمد صدقي . . ولا اقصد بحديثى هذا أن اقلل من قيمة موسيقى عبد الوهاب ، وانما لم تكن موسيقاه تهزني في بداية تكويني الشخصي والفني ، بقدر تأثرى بمدرسة القصبجي. ومن بعده محمود الشريف".

تقدم بليغ للامتحان بالاذاعة .. ونصحته اللجنة بالغناء والابتعاد عن التلحين الذي سيصبح ضياعا لوقته . الا أن بليغ تمرد على الغناء وقرر البدء في التلحين ، خاصة بعد أن رأى المطربين من حوله يتساقطون واحدا بعد الآخر بعد ظهور المطرب الشاب محمد عبد الوهاب .

وكان الشاعر كامل الشناوى من أكثر الناس اعجابا بألحان بليغ . وكان بليغ يتخذه أبا روحيا له ، يسمعه ألحانه قبل أن يسمعها لجمهوره .. كان كامل الشناوى الصدر الحنون الذي يرتاح له بليغ .

وكان الشاعر الغنائى عبد الوهاب محمد رفيق مشوار بليغ حمدي . وعن هذه العلاقة قال عبد الوهاب :

تلازمنا سويا .. بل وأصبحنا كيانا واحدا .. نفكر معا بصوت عال ، ونبحث عن الجديد لنقدم الحديث المستخلص من تراثنا القيم . تعرفنا معا على صوت جديد هو صوت المطربة " فايزة أحمد " قدمنا لها أغنية " ما تحبنيش بالشكل ده " واستمعت اليها أم كلثوم وأخذت تبحث عنا . والتقينا بها سويا ، وأثمر هذا اللقاء أغنية " حب ايه " التي غنتها على مسرح سينما أوبرا في بداية موسم1970 .. وتواصل اللقاء بيننا على صوت أم كلثوم للموسم التالي .. فغنت لنا " أنا وانت ظلمنا الحب " كما غنت لنا في آخر حياتها أغنية " حكم علينا الهوى " التي لم يشأ القدر لها أن تذاع في حفل عام .. وسجلت فقط ، وهو التسجيل الوحيد الموجود لدى صوت القاهرة .

كان بليغ يتطلع دائما الى شىء أكبر من الأغنية الفردية ، فاهتم بتثقيف نفسه موسيقيا ليدخل بفنه الى المسرح الغنائي. ولبليغ محاولات في هذا المجال . قدم على مسرح البالون أوبريت " يا حبيبتي يا مصر " وقدم لمسرح الفنانين المتحدين رواية قام ببطولتها هدى سلطان وأمين الهنيدى .. كما قدم معي مسرحية " ريا وسكينة " بطولة شادية وسهير البابلي .. ولبليغ مسرحيات أخرى مع شعراء آخرين  منها أوبريت " تمر حنة " بطولة وردة وعزت العلايلي .. وغيرها ..

عاش بليغ عمره القصير في عطاء مستمر من النغمات والألحان . أبدع بليغ آلاف الألحان ومئات الأغنيات .. كل لحن منها ثروة قومية .

وكان بليغ طفلا بسيطا حزينا غير مستمتع بنجاحاته ولا بأمواله التي كان يكسبها نتيجة لهذا النجاح .  

  وكان كلما ابتعد بليغ عن مصر يشتد حنينه الى أيام زمان .. الى مصر الى ذكرياته . ومن الألحان التي كتبها بليغ في منفاه لحن " بودعك " شدت به وردة وسجلته بعد عودة بليغ لأرض الوطن .   

وردة حب بليغ الأول والأخير

بليغ ووردة ثنائي قدم للفن الكثير من علامات الأغنية العربية . كان بليغ يردد دائما بأن وردة هي حبيبته قبل أن تكون زوجته .. وتوأم روحه ، قبل أن تكون شريكة حياته .

جاءت وردة من الجزائر برفقة المخرج حلمي رفلة الذي أخرج لها فيلم " ألمظ وعبده الحامولي " وعهد للملحن الشاب بليغ حمدي بتلحين أغنيتين لوردة في الفيلم " بحبك فوق ما تتصور " و " يا نخلتين في العلالي " .

ولكن الملحن بليغ أعجب بالصوت وصاحبة الصوت . وتطورهذا الاعجاب على طريقة أحمد شوقي أمير الشعراء : نظرة فكلام فموعد فلقاء .. فلقاءات عديدة , وعرف صديقاه الشاعر كامل الشناوى وعبد الحليم حافظ بأسرار هذا الحب . . وانزعج حليم من هذه العلاقة .. وخاف أن تلهيه هذه العلاقة عن التلحين .. وفي احدى الليالى صارح حليم صديقه بليغ بأنه يشك في استمرار هذا الحب .. وغضب بليغ من حديث حليم وأعلن ليلتها أنه سيتزوج وردة . واتهم بليغ عبد الحليم بأنه يريده أن يكون ملحنه الملاكي .. !!

واشتهرت خلال هذه الفترة ألحان بليغ لصوت محمد رشدي، وشادية ، التي أعادها بليغ للغناء بعد أربع سنوات من التوقف عن الغناء بأغنية "بلاش تسافر".

كانت شادية من أحب الأصوات الى قلب بليغ.. قدم لها أغان عديدة مثل "مكسوفة " وأغانى فولكلورية .. كما تطور معها الى الغناء التطريبي ، فلحن لها " أحلى ليلة " " الله يا زمن " ومن الأغانى الوطنية " يا أم الصابرين " و"يا حبيبتى يا مصر " و" غاليه بلادى السمرة " وغيرها .

وكان للمطربة نجاة الصغيرة نصيب الأسد بالنسبة لألحان بليغ . قدم لها ما يقرب من 30 أغنية من بينها " كل شىء راح " ـ " أنا باستناك " ـ " الطير المسافر " ـ " حبك حياتي " ـ " في وسط الطريق " ـ " يا حبيبي انده على " ـ " ليلة من االيالي " وغيرها.

وفجأة اختفت وردة ، وبعد سنوات اتصلت به السفارة الجزائرية ، وطلبت منه اعداد لحن بمناسبة الاحتفال بمرور 10 سنوات على استقلال الجزائر ، وكانت المؤدية للحن هي وردة .. فما كان من بليغ الا أن دعاها الى مصر للمشاركة في احتفال صوت العرب بعيد ميلادها ، لتغني له لحنين " والله يا مصر زمان .. زمان " و " قد العيون السود " . ومنحتها مصر الجنسية المصرية ..

وفي عام 1973 عقد بليغ قرانه على وردة . وهو الزواج الثانى لبليغ . كانت زوجته الأولى آمال مخيمر التي تزوجها بليغ عام 1963 ..وطلقها بعد شهرين . أما حب بليغ ووردة فوصفه الأصدقاء بأنه حب روميو وجولييت ..  الا أن هذا الزواج لم يدم وانتهى بعد ستة سنوات بالطلاق . وجاء حليم معلقا لبليغ :

ـ مش قلت لك يا حبيبى .. جوازك منها ما ينفعش ؟ ويقال أن وردة وصلتها الكلمة .. واتخذت موقفا عدائيا ضدعبد الحليم حافظ لفترة ما .  

بليغ وعبد الحليم حافظ

كان بليغ يرى أن حليم هو طريقه للعالمية .. ولهذا أدخل كثيرا من التعديلات على أغانيه .. فمثلا أدخل الموسيقى الالكترونية في " موعود " واستخدم آلة الساكس في " زي الهوا " . ومن أشهر ألحان بليغ لصوت عبد الحليم  أغاني : سواح ، التوبة ، جانا الهوى ، وموعود ..

كانت العلاقة بين بليغ وحليم علاقة تأثير وتأثر ، فكان لكل منهما دوره في حياة الآخر

كانت بداية بليغ مع الصحفي الكبير كامل الشناوى . وفي احدى ليالى الصيف .. وكان مكان الشناوى  المفضل " تراس " فندق سميراميس القديم على النيل. كان كامل الشناوى يلتقى وكوكبة من اللامعين من أهل العلم والصحافة والشعر والأدب والكلام .. وفجأة وفي ثلث الليلة الأخير وفد على المجلس شاب ليس وسيما .. ولكن فيه جاذبية غامضة . متوسط الطول شكله يدل على أن فيه صعلكة . وكانت بصحبته فتاة جميلة .. هى أمنية عرفها بأنها خطيبته .

لم يكمل كامل الشناوي حديثه واتجه الى الشاب قائلا :

ـ هذا الشاب هو أمل مصر في الموسيقى .. وتعجبت الشلة .. فالكلمة كبيرة .. أمل مصر ، وأين الفصبجي والسنباطى وزكريا وعبد الوهاب . . أين هذا الشاب من كل هؤلاء . ان شهادة كامل الشناوي لهذا الشاب تعنى الكثير .. وكان كامل الشناوى بالاضافة الى أنه شاعر كبير وأعظم ظرفاء عصره مشهورا بأن لديه حاسة تكشف الموهبة . وتراها قادمة .. وشهادة كامل الشناوي لهذا الشاب المجهول ستصبح حقيقة مؤكدة .. لأن السوابق تؤكد ذلك . فالشناوي كان قد تنبأ لعبد الحليم حافظ وشهد له .. وكان ما كان من أمر عبد الحليم حافظ .

وأكمل كامل الشناوى تعريف المجموعة بهذا الشاب قائلا :

ـ انه الفن بذاته .. ولا شيء سوى ذلك .

اهتم بليغ بالغناء الصوفي. فلحن للشيخ النقشبندى .. هذا الصوت الذي لن بجود الزمان بمثله في عصرنا . بلغ بليغ بألحانه للشيخ سيد النقشبندى . قمة الألحان.

قصة أغنية حب ايه

لحنها بليغ في عشرة أيام ، ودخل بها تاريخ الغناء .

جاء في رواية لبليغ :

" كان الفنان محمد فوزى من أعز أصدقائي . أنشأ شركة تسجيلات واسطوانات باسم " مصرفون " . وفيه تعاقد مع عدد من المطربين والمطربات لتسجيل انتاجهم على أسطوانات .. وفي مقدمتهم السيدة أم كلثوم .

وبالرغم من الصداقة التي كانت تربط بيني وبين محمد فوزي الا أنه لم يبلغني بهذا التعاقد .

وفي الوقت نفسه كان صديقى الشاعر عبد الوهاب محمد يعمل مهندسا في شركة "شل" .أسمعنى عبد الوهاب محمد كلمات أغنية ألفها هى " حب ايه اللي انت جاي تقول عليه " أعجبنى كلامها جدا ، وفي الحال قمت بتلحين مطلعها . وأخذت أردد هذا الجزء في المجالس التي تضمني مع عدد من الزملاء الفنانين . وتصادف في تلك الأيام أن جاءنى الصديق محمد فوزي ودعاني الى سهرة حلوة في بيت الدكتور زكي سويدان .. وقال لي أن السيدة أم كلثوم ستكون في الحفلة .

وبالطبع ذهبت الى السهرة ، وعرفت فيما بعد أن الحكاية كانت مهيأة سلفا .. وأن السيدة أم كلثوم كانت قد سمعت بعض ألحاني التي وضعتها لعبد الحليم حافظ ، وشادية ، وصباح ، ونجاة وفايزة أحمد .. وأرادت من باب  الفضول التعرف علي . وهكذا تم ترتيب السهرة . وضمت الحفلة أيضا عازف الكمان أنور منسي ، والمطرب عبد الغني السيد والشاعر مأمون الشناوي ومحمد فوزي طبعا .

وأذكر أن الكلفة ارتفعت بينى وبين المطربة العظيمة من أول لحظة . وأحسست وكأنني أعرفها من زمن بعيد .

طلب أحد الساهرين من أم كلثوم أن تسمعنا شيئا .. فالتفتت الى أنور منسي ودعته الى العزف على كمانه .. ثم طلبت عودا وأعطته لي وقالت : تفضل وأسمعنا شيئا من ألحانك !!

وأسرع محمد فوزي يطلب مني أن أسمعهم مطلع أغنية " حب ايه " . وكان أنورمنسي قد حفظ اللحن جيدا مني في سهراتنا الخاصة . ولم أتردد .. غنيت .. واستعادت أم كلثوم اللحن مرة ومرتين.. وثلاثة .. وطربت له . وسألتني لماذا لم أكمل لحن الأغنية .. فأجبتها بأنني لم أجد سببا للاستعجال .. وهنا قالت "أفوت عليها بكرة " .

ذهبت الى بيتها وليس في ذهني الا تصور واحد .. وهو أن سيدة الغناء العربي تريدني ان أقوم بتلحين بعض الأغاني لابن شقيقها ابراهيم خالد ، الذي كان يفكر في احتراف الغناء آنذاك . .

وبالفعل أول ما وصلت الى منزلها قابلتنى بالترحاب وتكلمنا بشأن ابراهيم خالد .. واتفقنا على أن أعمل له لحنا .. وبعد ذلك التفتت الى قائلة :

ـ تعالى نتسلطن شوية !!

وأتت بالعود وأعطته لي وهي تقول :

ـ  سمعني لحن امبارح

وبعد أن أسمعتها مطلع أغنية " حب ايه " قالت :

ـ كلام مين ده ؟

ـ شاعر صديقى يعمل بشركة " شل " ..

ـ انت حافظ بقية الكلام ؟

ـ لا ! نكلم عبد الوهاب محمد .. ونهضت من مكاني وطلبت عبد الوهاب في التليفون وقلت له :

ـ ألو .. يا عبد الوهاب تعالى حالا لبيت السيدة أم كلثوم ..!!

ـ يا أخي بلاش هزار ع الصبح !!

أخذت السيدة أم كلثوم سماعة التليفون مني وقالت له :

ـ اسمع يا عبد الوهاب .. أنا أم كلثوم .. انت عندك سيارة ؟ طب خد تاكسي وتعالى حالا .

وبعد نصف ساعة كان عبد الوهاب محمد يقرأ لأم كلثوم  بقية الكلام .. وكانت هي تصغي اليه بكل اعجاب .. وبعدها قالت :

ـ اسمع يا بليغ .. من غير زيطة ولا حد يعرف .. اشتغل في الأغنية دي .. فقاطعتها متسائلا :

ـ هو حضرتك حاتغنيها ؟

ـ أيوه .. لكن ما تحملش همي .. اشتغل في اللحن على راحتك ..

ونزلنا من بيت أم كلثوم ونحن في دهشة شديدة .. وقررنا أن ننهي العمل بأسرع ما يمكن . وهكذا انتهينا من الأغنية في عشرة أيام فقط . .

وخلال البروفات التي كانت تجري في بيت أم كلثوم بالزمالك حدثت حكاية ظريفة رواها بليغ نفسه حيث قال :

" أعضاء فرقة السيدة أم كلثوم ظنوا أنني جئت مع عبد الغني السيد في زيارة تقليدية ، أو ربما للتعرف . ولكن ما أن دخلت السيدة أم كلثوم وطلبت منهم أن يعطوني العود حتى سار الصمت لحظة .. بعدها نهض الجميع لتهنئتى .. وكان محمد فوزي الذي جاء خصيصا ليحضر البروفة الأولى في طليعة المهنئين .. وبالمناسبة كانت هذه الشخصية تحمل الحب لكل فنان ".

 

 

بليغ حمدي وفلكلورياته

برع بليغ الى جانب ألحانه الوجدانية في ألحانه الشعبية المستوحاة من الفلكلور المصري بما قدمه من أغاني لعبد الحليم حافظ ومحمد رشدى وشادية . قدم بليغ لعبد الحليم " أنا كل ما اقول التوبة " ، و" على حسب وداد قلبي " ، و" آه يا ليل يا قمر" ..

ولحن بليغ لمحمد رشدي من الأغاني الشعبية : عدوية ـ ميتى أشوفك ـ وسع للنور ـ مغرم صبابة ـ بلديات ـ ع الرملة ـ آه يا ليل يا قمر ـ طاير يا هوى .. وغيرها من الروائع الغنائية الشعبية .

وكان لشادية النصيب الأكبر من هذه الألحان الفلكلورية منها : آه يا اسمراني اللون ( وهو أول لقاء فولكلوري بين شادية وبليغ سنة 1966) .. وهذا اللحن يعود الى الفولكلور الشامي الذي تردد كثيرا في مصر . كما غنت شادية "زفة البرتقال سنة 1968 .. ولحن " الحنة الحنة يا قطر الندى".

وفي بداية السبعينيات من القرن الماضي غنت شادية قولوا لعين الشمس ما تحماش (من كلمات مجدى نجيب) استوحاها بليغ من الأغانى الفلكلورية التي انتشرت في مصر بعد خلع الانجليز للخديوي عباس حلمي الثاني، وحرموا عليه دخول مصر . وكان هذا الخديوي من رموز المقاومة ضد الانجليز في ذلك العهد ( سنة 1914 ) . وغنت شادية أيضا من ألحان بليغ " خدني معاك ياللي انت مسافر .. خدني معاك " وهي من الفلكلور الصعيدي . وأغنية " ناويين خلاص ع السفر " ( محمد حمزة ) .

وكانت عفاف راضي من اكتشاف بليغ حيث تبنى موهبتها الفنية لسنوات .. وكان أول لحن غنته عفاف لبليغ " ردوا السلام " . ومن بعده " تساهيل " ، و"لما بيهل المساء " ـ " وحدي " ، " حاسب وانت ماشي " ، " عطاشا "  و"لمين يا قمر "..

وفي مستشفى جوستاف في باريس ، رقد بليغ حمدي ليعالجه الاطباء المتخصصون من آثار صراع طويل مع المرض منذ اضطر الى الهجرة من مصر. متنقلا في غربة طويلة ثقيلة بينالشرق والغرب وقد فتحت الغربة عليه باب المرض حتى استوطن في جسده واستفحل .. وكان لا بد أخيرا من دخوله ذلك المستشفى التخصصي في علاج الأمراض الدقيقة ..ثم ودع الحياة بعيدا عن الجميع .