خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

رياض البندك مكتشف فايزة احمد وصاحب " يا عيني عالصبر "

. أعلام الموسيقى العربية

رياض البندك موسيقي ملحن فلسطيني .. ترك لنا مذكرات ضمت ذكريات كثيرة  فيها  الحلاوة والمرارة .. فيها الشهرة والعذاب ..

تنقل رياض البندك  في حياته منذ طفولته بين بيت لحم، مرورا بدمشق وبيروت والقاهرة، حيث الانتشار والأضواء . كما ضمت مذكراته قصصا وروايات وحكايات  وتجارب  مع فنانين وفنانات .. منهم من لمع في عالم الشهرة والمجد، ومنهم من توارى بين طيات النسيان .. ومنهم من عصفت بهم يد القدر ..

 

تكلم رياض بعفوية في مذكراته .. عكس أحلامه وبكائياته .. فتعايشنا معه، مختتما كلامه بجملته التي جاءت منها أغنيته الشهيرة   ..  يا عيني ع الصبر !!

 

عن طفولته قال :

" بدأت حياتي الفنية عندما كنت في مدرسة بيت لحم الابتدائية، حيث كان مدير المدرسة الأستاذ فاضل النمر (من رام الله) الذي كان يعشق الموسيقى، كما كان يعزف علي الكمان.

أراد المدير انشاء كورال في مدرسته من التلاميذ المحبين للموسيقى، وكنت أنا واحداً منهم ..  فاختارني المدير وهو يعلم جيدا أنني كنت صغيرا لم أتجاوز بعد 11 سنة .

وتشاء الصدف أنني كنت الوحيد الذي يحفظ كل ما علمنا اياه المدير . فكان يطلب إليّ أن أغني يوميا نشيدا في طابور الصباح .. قبل دخول التلاميذ فصولهم .." 

 

أرسلت طلبا للاذاعة الفلسطينية وكان مدير البرامج في ذلك الوقت "يحيى اللبابيدي" أحد رواد الموسيقى المعروفين في ذلك الوقت، وملحن الأغنية الشهيرة "يا ريتنى طير لأطير حواليك" التي تغنى بها فريد الأطرش، وفتحت له طريق الشهرة إذ كانت سببا في دخوله الإذاعة.

وجاءني رد الإذاعة .. حددوا لي يوما للامتحان . وأذكر أنني ألفت كلاما ولحنته مطلعه "مسكين الطير غنى" . وذهبت الى الاذاعة في الموعد المحدد، ودخلت الاستوديو حيث وجدت فرقة موسيقية كبيرة بقيادة الفنان الكبير "جميل عويس" وهو شخصية موسيقية شهيرة من مدينة حلب .. وكان ذات يوم رئيسا لفرقة الموسيقار محمد عبد الوهاب.

ولفت نظر الموسيقيين أنني دخلت الاستوديو دون خوف أو ارتباك .. وبمنتهى الجرأة وقفت أمام اللجنة أغني مطلع أغنيتي . أعجب الموسيقي الكبير اللبابيدي بلحني .. وطلب إلي أن أحضر خلال الأيام المقبلة الى الاستوديو لتدريب الفرقة على لحني، حتى تستمع اللجنة للعمل بأكمله غناءا وعزفا .

وكانت هذه الخطوة  مفاجأة لعائلتي .. وعليه قام والدي بالاتصال  باللبابيدي وهدده بهذه الكلمات :

 ـ لو أدخلت ابني طريق الفن فسأكسر لك رجلك التانية . (فاللبابيدي كان أعرج) .

ولن أنسى اليوم التالي عندما توجهت الى الاذاعة .. وفوجئت بالحراس يمنعونني من الدخول بأوامر المدير .. وبالطبع كانت هي أوامر والدي . فرجعت مكتئبا الى بيت لحم .. لأكمل نشاطي الموسيقي في السهرات والأعراس والحفلات ـ أغني ـ إلى أن حدثت المعجزة. وكان ذلك في شهر آب – اغسطس - سنة 1938 .. عندما طوق الجيش البريطانى مدينة بيت لحم، واعتقلوا والدي ونفوه الى اليونان . . لن أنسى هذا اليوم  ..حيث كانت البلدة تعيش في ثورة اعتقال زعيمها .. بينما كان هذا أسعد يوم في حياتي .. !!

 

وفي غياب والدي بدأ نشاطي في الاذاعة الفلسطينية، وأصبحت أحد فنانيها المرموقين. وبعد الحرب العالمية الثانية أفرج عن والدي وعاد الى بيت لحم سنة 1947 حيث عين رئيسا للجنة القومية لمنطقة بيت لحم .. وكان مسؤولا عن كل العمليات التي يقوم بها المقاتلون في تلك المنطقة ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية.

وصدر قرار التقسيم ، وبدأت الحرب، وفوجئت بوالدي يأمرني  بالاشتراك في التدريبات العسكرية مع الشباب، خاصة وأن شقيقيّ يوسف ومازن .. كانا من بين المقاتلين ..

فقررت الهرب وذهبت الى دمشق. وعند وصولي إلى الإذاعة السورية  في شارع بغداد، فوجئت باسمي يتردد بين العاملين في الإذاعة، لأن إذاعة القدس كانت تسمع في دمشق ليلا ونهارا .

وأول حفلة قدمتها في سوريا كانت في مدينة دمشق، حيث غنيت أغنية "آه من عينيك".

 

وهنا حدثت المعجزة الثانية، فبعد أن انتهيت من حفلتي أخبروني بأن هناك سيدة تريد أن تتحدث معي بالتليفون ..!!

عجبت ! فأنا لا أعرف من السيدات أحدا في سوريا. وكانت السيدة هى مطربة سورية واسمها "ماري جبران" وكانوا يطلقون عليها اسم "أم كلثوم سوريا".

دعتني المطربة إلى منزلها، وهناك فوجئت بعدد من الشعراء والأدباء والفنانين ..   فرحت وأنا الفنان الهاوي أن أجد من يهتم بشخصي، ويدعوني إلى العشاء مع صحبة من الشخصيات الفنية الهامة.

وبعد فترة قصيرة ناولتني المطربة عودا وطلبت إليّ  أداء الأغنية التي تغنيت بها في الحفل .. بحجة أنها تريد ان تحفظها لتغنيها في حفلاتها الغنائية. وطوال الليلة والمطربة تردد معي اللحن، حتى حفظته. وأصبح هذا اللحن فيما بعد من أشهر الأغاني التي غنتها هذه المطربة الكبيرة.

 

انطلقت في أسفاري بين دمشق وبيروت أقدم ألحاني .. وكان مدير الاذاعة السورية في ذلك الوقت فؤاد الشايب، الذي ألح على أن أبقى في دمشق لأعاونه في خلق نهضة فنية. وافقت بالطبع فحتى هذه الفترة لم أكن قد استقريت في الحياة والعمل في مكان ثابت.

وفوجئت بالمطربة ماري جبران تنوي السفر الى بيروت في رحلة فنية .. والمعروف عن هذه السيدة قوة شخصيتها ونفوذها، كان رجال الدولة كبيرهم وصغيرهم ينفذون لها ما تريد.. وأصرت المطربة ماري اصطحابي معها في رحلتها .. وأخذتني الى مكتب مدير الاذاعة السورية، لتعلمه أنني سأذهب معها الى بيروت .. ليس في صيغة استئذان، وانما أمر مفروغ منه ..ّّ

وفي بيروت .. وفي منطقة البرج تحديداً كانت توجد صالة غناء تعرف باسم "صالة عويس" وكانت أكبر صالة في ذلك الوقت. ولدى وصولي إلى بيروت فوجئت باعلانات كبيرة معلقة في الشوارع  كتب عليها :

      

       المفاجأة الفنية الكبرى .. المطربة الكبيرة ماري جبران مع ألحان رياض البندك .          

 

ولاقت أغنيتي  في أول حفل للمطربة الكبيرة ماري جبران نجاحا كبيرا .

صعدت الى المسرح لتهنئتها على نجاح حفلها واذ بالفنان الكبير فريد الأطرش يقف الى جانبها بين كواليس المسرح، جاء أيضا لتقديم تهانيه لهذه الفنانة الكبيرة، وكان فريد من أقرب الأصدقاء لماري جبران. وكانت هذه هي المرة الأولى التي التقي فيها مع فريد الأطرش.

وفي اليوم التالى جاء فريد الى المسرح وحجز طاولة كبيرة له ولأصدقائه احتفاء بنا. وكتبت الصحف اللبنانية تمتدح الأغنية. ودعانا مدير الاذاعة اللبنانية الشيخ "فريد مكاري" لتسجيل الأغنية في الإذاعة. وفي أثناء البروفات حضر المدير للاستماع إلى الأغنية، وكنت أنا أقوم بقيادة الفرقة الموسيقية. ولاحظت أنه كان يتابع اشاراتي باهتمام كبير ..!!

وبعد البروفة، استدعاني المدير الى مكتبه وقال لي :

ـ لن ندعك تسافر .. أريدك أن تنظم وتشرف على قسم الموسيقى في الإذاعة اللبنانية ..

وفعلا أصدر قرارا بتعييني رئيسا لقسم الموسيقى في الإذاعة اللبنانية، ولم أعد الى دمشق الا بعد سنتين حيث عينت فيما بعد مراقبا للموسيقى في الاذاعة السورية.

 

البندك يروي قصته مع فايزة أحمد

وذات يوم أخبرني عازف الايقاع بفرقة الاذاعة "محمد العاقل" أنه سمع في مسرح سوريا صوت فتاة يعتبره هو  من أجمل ما سمع من أصوات ..

وكان هذا المسرح من مسارح  الدرجة العاشرة، تؤمه طبقات شعبية. وذهبت في احدى الليالي لأستمع لهذا الصوت .. قدمها ليلتها مذيع الحفل باسم "فايزة أحمد" ..

وكانت فايزة فتاة نحيلة .. شعرها (منكوش) يسيطر الأٍٍسى على وجهها. شعرت عند لقائي بها أن وجهها يشوبه الحزن .. كما لاحظت أن الناس كانوا ينظرون اليها بازدراء.

غنت فايزة أغنية أم كلثوم "ظلموني الناس" وشعرت منذ الوهلة الأولى أنني أقف أمام  مطربة ممتازة .. وتأكدت أنه من الممكن أن تصبح يوما ما أعظم المطربات .. !!

وبعد الانتهاء من غنائها أرسلت في طلبها .. فجاءت مسرعة، واتفقت معها أن تنتظرني صباح اليوم التالي عند باب الاذاعة .. (أخبرتني فايزة فيما بعد أنها لم تنم ليلتها من فرحتها) ..

وفي العاشرة من صباح اليوم التالي وجدتها تنتظرني أمام باب الاذاعة . دخلنا معا مكتب المدير العام "أحمد عسة" . ومجرد أن رآها المدير غمزني .. وفهمت أن شكلها لم يعجبه .. فخرجت من المكتب وأجلستها في الصالون، وعدت إلى المدير الذي سألني :

ـ من هذه ؟ .. ان شكلها مخيف !!

قلت له وأنا أجلس أمامه في ثبات:

ـ لا تحكم على شكلها الا بعد أن تستمع لصوتها .. هذا الصوت من أعظم الأصوات التى استمعت له في حياتي .. !!

فكان رده :

ـ الناس اذا رأوا منظرها سيخافون منها ..

 

وأخذت على نفسي عهدا بأن أتولى العناية بمظهرها، والأخذ بيدها. حيث كانت حالتها المادية سيئة للغاية .. كانت تسكن في غرفة باحدى الفنادق الرخيصة .. وكانت في الثامنة عشرة من عمرها ..

واستطعت أن أنقل هذا الصوت والشكل من انسانة فقيرة الى فنانة قديرة. اخترت لها موشحا أندلسيا من شعر ابن الهاني الأندلسي وقمت بتلحينه ومطلعه :

 

                 امسحوا عن ناظري كحل السهاد       

                                         وانفضوا من مضجعي شوك  القتاد

                وخذوا مني ما أعطيتموا

                                         لا أحب الجسم مسلوب الفؤاد

 

وفوجئت وأنا أقوم بتحفيظها للموشح .. بأن فايزة أمية لا تقرأ  ولا تكتب .. مما زاد في تصميمي على تبنيها . فبقيت معها حوالي شهر كامل حتى حفظت كلمات الشعر .. وسامحني الله كم أنبتها وقسوت عليها .. حتى حفظت هذه الأبيات. وعندما أدت اللحن تأكدت أنها ستكون يوما ما من أعظم مطربات العصر. وذهبنا للاستوديو لاجراء البروفات قبل التسجيل .. وكان لفايزة شرط واحد :

ـ أرجوك لا أريد أن أرى المدير لأنه يخيفني ..!!

وعندما استمعت الفرقة الموسيقية لصوت فايزة .. ذهلوا من جماله وأدائها .. وفجأة دخل المدير العام "أحمد عسة"، واستمع لمدة ثلاث دقائق فقط .. ثم خرج . وعندما عاد الى الاستوديو اصطحب معه بعض موظفي الاذاعة  .. وظهر ارتياح فايزة بعد أن كان وجهها يتصبب عرقا ..فالابتسامة كانت تملأ وجوههم .. وفهمت فايزة بذكائها أن هناك شيئاً من الإعجاب ..

وسجلنا الموشح وأذيع .. وبدأت المكالمات الهاتفية تنهال على فايزة من جميع أنحاء سوريا.

وبعد نجاح لحني الأول لها، قمت بتلحين موشح أخر لها مطلعه:

             

                    أنت طيف أحسه في الأماني 

                                      يا بعيدا وأنت في وجداني

 

وهو من نظم الشاعر الفلسطيني حسن البحيري . وجاءتني اتصالات من عمان وبغداد وبيروت يطلبون إليّ تسجيل الموشحين في اذاعاتهم ..

 

البندك في القاهرة

وتلقى رياض البندك عام 1953 بعد قيام ثورة 23يوليو بعام واحد دعوة من القاهرة للسفر اليها والاشتراك في تأسيس اذاعة "صوت العرب" . فتقدم باستقالته من الاذاعة السورية التي رفضت قبولها .. فتسلل الى بيروت .. ومنها سافر الى القاهرة حيث بدأ العمل بها بأن سجل نشيدين :

                

   هلموا هلموا شباب العرب

                                         الى المجد والمجد للأقوياء

    اذا ما اتحدنا بلغنا الارب

                                         وعند السماء رفعنا اللواء

(وهو من شعر حسين طنطاوى)

 

أما النشيد الثاني فهو من كلمات الدكتور عبد السلام العجيلي ومطلعه :

               

                    السهول والربا رددت ندانا

                                      حين جردنا الظبى نفتدى حمانا

 

ولم تنقطع صلة رياض البندك  بجوهرته التي  اكتشفها "فايزة أحمد" .

وجاء في احدى روايات البندك: أنه بينما كان يقوم بتسجيل احدى أغنياته جاءته مكالمة تليفونية .. كانت فايزة التي قالت له:

ـ التلميذة لحقت بأستاذها .. !!

وأعطتني فايزة أحمد عنوانها في فندق العتبة الخضراء .. وهو من أرخص وأردأ الفنادق . فوعدتها بالزيارة . وعلى الفور تحدثت مع الأستاذ أحمد سعيد مدير اذاعة صوت العرب عن هذه الفنانة .. وعن صوتها .. فرحب بها في صوت العرب التي كان من أهدافه الأولى تقديم الفنانين العرب. وهنا ساعدت فايزة على أن تشق حياتها الفنية .. بأن أحضرت لها أقوى فرقة موسيقية "الفرقة الماسية" قيادة أحمد فؤاد حسن .. وبدأنا البروفات في حجرة من حجرات معهد الموسيقى العربية (النادى الشرقي) بشارع رمسيس .. ولكننا بعد يوم واحد اضطررنا الانتقال الى مكان آخر من كثرة الاقبال على المكان، الكل جاء ليستمع لغناء فايزة أحمد  ..

وبالفعل انتقلنا الى مكان آخر ، الا أننا كنا نفاجأ  أثناء البروفة بضربات على الباب .. وفجأة وجدنا أمامنا كمال الطويل وبليغ حمدي .. جاءا ليستمعا لصوت فايزة .

وفي يوم من الأيام تقابلت مع الموسيقار رياض السنباطي الذي بادرني بحديثه عن فايزة:

ـ دا صوت الواحد يتمنى يلحن له .. !!

وبدأت فايزة تتنقل بصوتها بين كبار الملحنين .. وبدورها بدأت تهتم بمظهرها وملابسها .. وعندما لاحظت اعجابي بمظهرها الجديد قالت لي :

ـ هذا شغل ربك .. !!

وفي القاهرة بدأ نشاط رياض البندك الفني .. وبدأ تعاونه مع أكبر المطربين والمطربات من بينهم: شهرزاد، كارم محمود، محمد قنديل، فايدة كامل، ونور الهدى وغيرهم ..

 

عودة البندك الى سوريا

وفي عام 1957 عندما بدأت الجهود لاقامة الوحدة بين مصر وسوريا عاد رياض البندك الى دمشق بدافع من واجبه القومي. لكن الفرحة لم تدم طويلا فقد حدث الانفصال سنة 1961 .. فعاد الى بيروت للاقامة بها والعمل في اذاعتها. وكان مدير برامجها آنذاك نبيل خوري (رئيس تحرير مجلة المستقبل سابقا) . الذى قام عام 1962 بتعيين رياض البندك  قائدا  لأوركسترا الاذاعة اللبنانية في بيروت.

وفي عام 1967 وبعدما حدثت النكسة، أصيب البندك بضربة قاتلة .. وقرر ترك العمل في بيروت واللجوء الى مصر مرة أخرى .. واستعاد نشاطه من جديد في صوت العرب والاذاعة المصرية.

وعند وصول  الفنان اللبناني وديع الصافي إلى القاهرة قام البندك بتلحين أغنيته الشهيرة  "يا عينى ع الصبر" .. التي جاءت تحفة فنية .. واستمرت ألحان رياض البندك تتناولها بالغناء حناجر المطربين والمطربات ..وامتلأت الاذاعات العربية بها .