كيف تحافظ الدول العربية المضطربة على تراثها الموسيقي

. قضية موسيقية

الموسيقي هي الفن القديم، الذي عرفته الشعوب على مر عصور التاريخ وتحولت إلى جزء هام من مستلزمات الحياة الفردية والجماعية.  ومثلما تثير في النفوس البهجة والنشوة والفرح، فهي أيضا تعبر عن مشاعر الحزن واللوعة بالإضافة إلى تهييج مشاعر العشاق والمحبين بين بني البشر، وبينهم وبين مظاهر الطبيعة وما يحيط بهم.  وتعتبر الموسيقى غذاء للروح وشفاء للنفس، وملهمة للفن، ومهدئة للأعصاب، ومقوية للعزيمة، وعلاجا للمرضى.

ومع مرور الزمان وتعاقب الحضارات، تعرضت العديد من الدول العربية للحروب والانتهاكات، إلا أن التراث العربي ما زال موجودا وتعمل العديد من الهيئات على إحياء الموسيقى العربية والآلات القديمة.

فلنأخذ مثلاً التراث الموسيقي الفسطيني الذي يعتبر ثروة عربية وإرثاً وطنياً كبيراً، فإنه يحتوي على العديد من الخصائص المعبرة عن روح الشعب الفلسطيني وأصالته وثقافته.  ويوضح الباحث في جامعة النجاح الوطنى الدكتور أحمد عبد ربه أن بالإمكان تصنيف الموسيقى الشعبية الفلسطينية وفق الآتي:

  1. الموسيقى الغنائية: وهي تلك التي تكون الحنجرة هي مصدرها الوحيد، وتؤديها الفئات الشعبية دون مصاحبة الآلات الموسيقية.

  2. الموسيقى الآلية: وهي تلك الموسيقى التي تصدر عن الآلات الموسيقية الشعبية دون مرافقة غنائية.

  3. الموسيقى الغنائية الآلية: وهي تلك الموسيقى التي تؤدى بمشاركة الغناء والآلة معا.

  4. موسيقى الرقص: وهي الموسيقى التي تصاحب الرقص الشعبي، وهذه بدورها تقسم إلى:

  • موسيقى آلية راقصة.

  • موسيقى آلية غنائية راقصة.

وعلى الرغم من الاحتلال المستمر فى فلسطين، إلا أن الشعب حافظ على تراثه الموسيقي، فاستخدم الآلات الموسيقية في مصاحبة الغناء الشعبي والرسمي وفي الأعراس والمناسبات الدينية والوطنية، وأصبحت هذه الإسهامات جزءا أصيلا من التراث الفلسطيني  المتجذر في أعماق التاريخ. ويستمر الفلسطينيون في استخدام الآلات القديمة متمسكين بالتراث وفخورين به، وهذا ما يميزهم عن العديد من الشعوب فهم صامدون تجاه تراثهم وثقافتهم برغم التقدم والتطور المحاط بالدول.

وتعمل دولة العراق التي عانت الكثير من الحروب التي دمرت حضاراتها، على تحسين المشهد الموسيقي في الوقت الحالي، وقال الموسيقي العراقى مناضل التميمي: "إن الموسيقى تحتاج إلى الكثير من الاهتمام والمتابعة والحرص، وهذا مع الأسف الشديد غير موجود، فالمؤسسات الفنية في أسوأ وضع منذ بداية عملي في الموسيقى العسكرية عام 1973، فقد أصبحت هذه المؤسسات عبارة عن بناية وصفوف وكراسي خاوية لا توجد فيها حياة فنية بالمعنى الحقيقي، ولكن لا تخلو من محاولات لشباب رائعين وأساتذة مختصين في هذا المجال".

ويضيف: "وبالرغم من عدم اهتمام هذه المؤسسات، إلا أن نشاط بعض الفنانين الحقيقيين لم يتوقف، بل على العكس استمر بإصرار وعزيمة رغم الظروف الصعبة.  وأنا شخصيا أقول كلمة حق وإعجاب وتقدير بكل الذين ساهموا في هذه المسيرة لكي يحافظوا على سمعة العراق في المحافل الدولية والعربية والعالمية، وهذا هو بالتأكيد الفنان الحقيقي والفنان العصامي الذي يبني نفسه بنفسه، خدمة للفن وللجمال وللرقي بالمجتمع نحو الأفضل".  ويلاحظ أن عددا من الموسيقيين الناشطين العراقيين، قد انتشروا في الساحة العربية خلال السنوات الفائتة الأخيرة، مما شكل ظاهرة لافتة.

وفى بيروت تعمل هيئات موسيقية على الاهتمام بالموسيقى العربية من خلال إقامة الفعاليات والمؤتمرات الدولية حولها، وتعقد العديد من الاجتماعات التي تتناول سبل الحفاظ على الهوية الموسيقية العربية، وتعمل على بحث وتنقيب المصادر الإيقاعية الجديدة. وتهدف مثل هذه المؤتمرات التى تقام إلى تعريف الشباب العربي بالإيقاع الموسيقي في عصر العولمة، والذي انخفض فيه الاهتمام بالموسيقى التقليدية.

ويسلط الضوء على الإيقاع في الموسيقى العربية، ويتناول أهميته، ومميزاته، وأنواعه، ودوره في الغناء العربي وفي الموسيقى الآلية في الماضي والحاضر، كما يبحث في إيقاعات تقليدية عربية وأخرى شرقية وغربية مكتسبة.

وبحسب تقرير لوكالة "الشرق الأوسط"، اعتبر جان دورينغ، المستشرق وعالم الموسيقى الفرنسي، أن "بناء الأرشيفات الصوتية للموسيقى العربية، وصيانتها بشكل علمي أصبح أمرا ضروريا من أجل ضمان استفادة الجميع منها".  ويضيف دورينغ، إن بناء أرشيف الموسيقى العربية والحفاظ عليه أساسي، من أجل تفادي التهديدات التي تشكلها الحروب والتوترات بالمنطقة العربية، على الإرث الموسيقي والثقافي الذي تزخر به دول هذه المنطقة، موضحا أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تتيح وسائل قيمة كفيلة ببناء هذه الذاكرة المشتركة.  وأشار إلى أن الذاكرة المشتركة للموسيقى العربية "ستكون مُسخرة للأجيال اللاحقة، وتساهم في قطع المسافات وإسقاط الحواجز والحدود وتحقيق الوحدة الثقافية".

وفى السياق، قالت شهرزاد قاسم حسن، الخبيرة العراقية في علم الموسيقى: إن آلاف الأشرطة والتسجيلات التي توثق الإرث الموسيقي في العراق، أحرقت في بغداد مع بداية الهجوم الأمريكي على البلاد عام 2003، واتهمت الإدارة الأمريكية بـ"الوقوف وراء إتلاف هذا الموروث الثقافي والموسيقي".  كما حذرت من فقدان العالم ما يزخر به اليمن من إرث موسيقي وحضاري بسبب الحرب التي يعيشها منذ أكثر من 3 سنوات، وشددت هذه الخبيرة على أنه لا بد من صون الموروث الموسيقي خوفا من تلفه، خصوصا عند الفئات القليلة وسكان الأماكن النائية، موضحة أن هذه المناطق لا يهتم فيها أحد بالتدوين ويجعل إرثها "يفقد بسهولة وإلى الأبد".

وقد ناقش عدد من الخبراء والمختصين، من جنسيات متعددة في المؤتمر الدولي الثاني للموسيقى في عالم الإسلام الذي عُقد منذ أشهر، مداخل وسبل الحفاظ على الأساليب الموسيقية المتنوعة في عالم الإسلام ونقلها للأجيال المقبلة.

المصدر: موقع أمصار الالكتروني

.