انحدار مستوى الموسيقى

. قضية موسيقية

حسان سلوم

يقولون: الموسيقى نغم الحياة فهي مرآة تعكس النفس الإنسانية وهي تعبير عن الواقع الذي نعيشه بالإضافة لكونها مدخلاً إلى التراث، إنها بالدرجة الأولى تذوق ومن لا يستطيع تذوق الموسيقى لا يمكنه أبداً تذوق ألوان وأطياف الحياة.

لطالما كانت هذه الأسطر حقيقة لسنين طويلة مضت، أمّا الآن ومع الأسف فقد أصبحت طي النسيان، فالموسيقى اليوم ليست إلا مجرد زمر وطبل وأغاني فارغة تفتقر للمعنى «فيها إيه لو اكلّم صحبك و الّم الناس حوليّا ليه تخلي الغيرة تصاحبك زي ماليك حق أنا ليه»، كما تفتقر الحس الإنساني. فهي سائرة لا محالة نحو أقصى درجات الانحطاط.  حتى التراث لم يسلم من موجة الانحدار هذه.  وفي الآونة الأخيرة أمطرتنا الفضائيات العربية بوابل من الأغاني المتشابهة التي لا يمكن أن تحدث في النفس إلا القلق والضجيج والتوتر الدائم.

إن هذه الظاهرة “انحدار الغناء والفن” تعتبر من أبرز ظواهر الانحطاط الذي نعاني منه في مجتمعاتنا العربية كنتيجة طبيعية لتدنّي مستوى الثقافة لدى الأفراد الذين لا يكتسبون سوى مجرد ثقافة بسيطة بأي من المجالات، مما يعني أنّهم لا يتلقّون المبادئ الأساسية للموسيقى الّتي تساعدهم على تذوّقها.  ولعلّ هذه المشكلة تتفاقم يوماً بعد يوم منعكسةً بشكل خاص على الغناء؛ فلدينا الآن أعداداً كبيرة لا يمكن التنبّؤ بها من المغنين على الرغم من أنّه لمن الظلم أن نطلق عليهم صفة المغنين حيث أنّهم لا يستحقّون حتى لقب المؤدين فهم لا يملكون أي مؤهل من مؤهلات الغناء: الصوت، والإحساس والأداء، ولا أي شيء من هذا القبيل.  هم يملكون فقط جسداً وشكلاً مثيراً مما يجعل الغناء عملية تجارية بحتة هدفها الربح المادي فقط والشهرة أولاً وأخيراً.  ومما لا شكّ فيه أنّ الباب أصبح مفتوحاً أمام الجميع «لا سيما أن الفن أصبح كما يقولون شغلة اللي مالو شغلة» فكل من يرغب بالتلحين، التأليف، الإخراج والغناء معاً يستطيع بكل بساطة بغض النظر عن مؤهلاته «أكلمك مش موجود ألمحك بين الوجوه أكتب مكاتيب ...».  وإنه لمن المعيب حقاً أن نطلق على هذه الكلمات المتلاصقة الفارغة من أي محتوىً والألحان التي في غالبها مسروقة متشابهة "أغاني"، وهذه الأصوات النشاز المؤذية للسمع مغنيين .

إن هذا فعلاً لمن سخريات القدر مع الإشارة إلى أن السخرية الأكبر هنا تكمن وتتجلى في محاولة تشويه وطمس أغاني التراث أو ما يسميه هؤلاء البرابرة المتعدون على الموسيقى عملية تجديد التراث، وذلك من خلال ابتداع مجموعة من الأغاني ذات إيقاع واحد وكلمات متجانسة متشابهة من حيث درجة السخافة «بضعتنا كومة ديس الشوك اللي بيهم جارح دست عليهم ما حسيت بالي مع ولفي سارح، راحت تقنقش حطب... » إلى جانب ربط التراث بمنطقة واحدة وكأن الموسيقى تقيّد ويوضع لها حدود .

ولعل هذا ليعتبر من أخطر الأشكال التي قدمتها ولا زالت تقدمها لنا موجات الصرع هذه أو ما يسمونها التجديد والتحديث فهي لا تساعد فقط على الانحدار، هي أيضاً تحاول إضاعة هويتنا بتلويثها لهوية الإبداع من خلال اتباعها في إبداع الفن مبدأ "هات إيدك والحقني والشاطر هو اللي بيربح أكثر".  لا أحد ضد التطوير والتحديث ولكن لكي نجدد علينا البدء بأنفسنا أولاً ليس بالعوامل المحيطة بمعنى آخر أن نبدأ بالمضمون ومن ثم ننتقل إلى الشكل لا العكس.

ووسط هذه الجلبة وهذا التطور الجاهل للموسيقى والفن لا يسعنا إلا أن نتساءل هل هذا النمط أو الشكل المتّبع حالياً في الموسيقى "الشبابي" هو فعلاً ما نحتاج إليه كجيل شاب للتعبير عن همومنا وإيقاع حياتنا؟  أهذا هو الإبداع المجدد للحياة؟

وهل هذا الفن الهابط الذي يقدم لنا اليوم هو انعكاس حقيقي لواقع مجتمعنا أم أنه مجرد رد فعل عليه يدغدغ حالة الحرمان الاجتماعية التي نعيشها بحكم العادات والتقاليد المكبلين بها؟! .

 

المصدر: موقع فولتير الألكتروني

.