تجارة الغناء‏..‏ أم تجارة العري؟

. قضية موسيقية

بقلم ‏:‏ فــــاروق جــــويــدة

لم يكن الهجوم الأمريكي على العراق هو الكارثة الوحيدة على الأراضي العربية‏..‏ ولم يكن اجتياح بغداد هو المأساة الوحيدة التي لحقت بالعرب شعوبا وحكومات‏..‏ ولم يكن استيلاء القوات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية أخر مآسي العرب، ولكن توجد مأساة أخرى تدور معاركها ويسقط ضحاياها على شاشات القنوات الفضائية العربية كل ليلة.  لدينا الآن عشرات القنوات التي تحاصر العرب من المحيط الثائر إلى الخليج الغابر بكل أنواع الفن الهابط‏.‏  وكان الاجتياح الأكبر في الشهور الأخيرة هو هذا الكم الرهيب من المطربات العاريات حتى أنني أصبحت على يقين انه لم يبق إلا وقت قصير وقصير جدا حتى نرى على شاشات الفضائيات العربية عُرياً كاملاً؛ ولينتظر العرب مستقبلهم العاري‏.‏  وبرغم أنني لا أميل كثيرا للتفسيرات التآمرية للظواهر الغريبة والشاذة في حياة البشر، إلا أن ما نراه الآن يدفع أمامنا هواجس كثيرة وتساؤلات أكثر عن الأيدي التي تحرك هذا الهجوم الضاري على أجيال هذه الأمة وتكاد تغرقها تماما في هذا المستنقع الذي ربما لا تخرج منه أبدا‏ً.‏

وقد يرى البعض أننا نمثل جيلاً مضى تربى وجدانه وذوقه على مراحل تاريخية عَبَرَت كان الفن عاملا مؤثرا في حياة الشعوب وكان الفنان صاحب دور ومسؤولية ورسالة‏؛ وليس معنى ذلك أن الفنانين كانوا حملة شعارات، ولكنهم كانوا يحملون للناس فناً جميلاَ ويسعون دائماً إلى تأكيد قيمة الذوق الرفيع والوجدان الراقي في حياة الناس‏.‏

ولكن ما نراه وما نسمعه الآن لا يدخل في نطاق الفن بأي صورة من صوره، وإذا كانت توجد مجموعة عناصر يقوم عليها فن اسمه الغناء فإن أول هذه العناصر شيء اسمه الكلام الجميل مع لحن إيقاعي وصوت يؤدي.‏  وإذا كان المطلوب أن يكون الكلام جميلاً واللحن لا يبتعد كثيرا عن قيم الجمال، فإن الأداء الجميل يصبح عنصرا من أهم عناصر الغناء‏.‏

ولا أتجاوز إذا قلت إنه لا يوجد الآن كلام جميل إلا في حالات نادرة جداً.‏

في العالم العربي الآن ما يقرب من ‏1000‏ مطرب ومطربة معروفين، وهناك ما يقرب من خمسة آلاف مطرب ومطربة نصف مشهورين.  وإذا افترضنا أن المعروفين منهم يقدمون ألبومات غنائية وأن كل مطرب يقدم ثلاثة ألبومات في العام فهذا يعني أننا أمام ‏3000‏ ألبومً سنويا.  وإذا افترضنا أن في كل ألبوم عشر‏ أغنيات فإن الحاصل ‏30000‏ ثلاثون ألف أغنية جميلة كلاماً وغناءً وهذا رقم مستحيل على مستوى الكرة الأرضية وليس على مستوى العالم العربي‏.‏

ومن هنا فإن الأغنية لا تجد كلاماً جميلاً، ولهذا سقطت في مستنقع الكلام الهابط.  وما حدث مع الكلام حدث مع الألحان وانتهى بأن معظم الأصوات لا تصلح لشيء غير أن تنادي على المخلفات القديمة في وكالة البلح وان كنت على يقين أن في وكالة البلح أصواتاً أجمل بكثير مما نسمعه على الفضائيات العربية‏.‏

وأمام هذا السقوط لم يجد تجار الغناء في العالم العربي غير اللحم الأبيض لعرضه على شاشات القنوات الفضائية لعله يعوض القصور في الكلام والألحان والأصوات الجميلة.  وجلس العالم العربي أمام شاشاته يشاهد نساءا عاريات ولا يسمع فناً جميلاً أو حتى غير جميل‏.‏

وهنا تسللت رؤوس أموال ضخمة لا يعرف احد من أين جاءت وبدأت معها تجارة الغناء في العالم العربي.  وكان الغريب في الأمر أن تتدفق مئات الملايين من الدولارات من خلال قنوات فضائية غنائية لا أحد يعرف مصادر تمويلها ولا هويتها ولا من أين جاءت أموالها وما هي الأيدي الخفية التي تحركها‏.‏

إن أخطر ما في تجارة الغناء في العالم العربي الآن أنها غير معروفة المصادر، وهي تشبه تماما تجارة المخدرات‏ وتجارة الجنس وتجارة السلاح‏.  وفي هذا النشاط المريب تداخل الغناء العربي مع الغناء الأجنبي وأصبح من الصعب أن تفرق بين مطربة أجنبية عارية وأخرى عربية أكثر عريا.  وجلس ملايين الشباب العرب، أمل الأمة ومستقبلها، أمام هذه الشاشات لا يسمعون غناء‏ ولا لحنا ولا كلاماً جميلاً، ولكنهم يشاهدون لحماً عاريا‏ً.  وأمام الملايين منهم الذين يعيشون سن المراهقة، سواء كانت مراهقة متأخرة أو في وقتها‏، جلست امة العرب صاحبة التاريخ العريق في الفن الجميل تطارد اللحم الأبيض ليلاً ونهاراً وفي كل الأوقات‏.‏

وسوف تسمع كثيرا عن العولمة والقرية الكونية وأننا جزء من العالم ولا نستطيع أبدا أن نهرب من ذلك.‏  وإذا كنا لا نستطيع الهروب من اللحم الأبيض الأجنبي، فما هي الأيدي الخفية التي تدمر الآن الغناء العربي وتحوله إلى مستنقع من مستنقعات تجارة العري؟  وما هي الأموال التي تحرك ذلك كله؟ ومن أين جاءت؟  وكيف تدفع شركة ‏60 ‏مليون جنيه لمطرب في صفقة واحدة؟  وهل من أهداف خفية وراء هذه التجارة‏؟.‏

هل هي وسيلة لتدمير مستقبل هذه الأمة؟‏  هل هي محاولة مشبوهة لإغراق شبابها في قنوات العري والجنس والشذوذ؟  هل هي تجارة اختلط فيها الجنس بالمخدرات وتديرها جهات مشبوهة؟  وكيف نفسر هذا الكم الرهيب من الأموال التي تنفق في العواصم العربية على تجارة الغناء‏.‏

كانت القاهرة وبيروت أهم قلاع فن الغناء في العالم العربي.  في مصر كان يشع محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وليلى مراد ونجاة الصغيرة ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي‏.  ومن بيروت انطلقت فيروز وفريد الأطرش ووديع الصافي وبقيت القاهرة قلعة الغناء التي تنطلق منها مواكبه إلى كل مكان‏.‏

ولكن السؤال الآن ماذا تقدم بيروت؟ هل هذه الأجسام العارية تمثل الفن اللبناني الجميل بكل تاريخه ونجومه ومبدعيه؟  وهل يمكن أن نحسب هذه الصور المشوهة على تاريخ لبنان الثقافي والحضاري؟  إن هذا العري لا يمكن أن يكون أبدا هو الوجه الحقيقي للغناء اللبناني.  وإذا كان لبنان قد ارتضى بأن يكون هذا فناً فمن الذي سمح بهذا الاجتياح للمطربات اللبنانيات على قنوات التلفزيون المصري بلا استثناء‏؟.

لقد شاهدت خلال ساعة واحدة أغنية لمطربة لبنانية اجتاحت مصر أخيرا على ست‏ قنوات مصرية منها أربع‏ قنوات كانت تقدم أغنية واحدة في وقت واحد.

وهنا أتساءل أين المطربون المصريون؟  لقد سألت هذا السؤال وكان الرد أنهم يرفضون الغناء في التلفزيون المصري ويطلبون أجورا مرتفعة جداً، حتى أن إحدى مطربات الأغنية الواحدة طلبت من التلفزيون ‏250‏ ألف جنيه لإحياء حفل في ليالي التلفزيون‏.‏

وما بين ليالي مارينا وليالي التلفزيون امتلأت الشاشات المصرية بالمطربات اللبنانيات اللاتي تغنين بلا مقابل‏.  ولا أعتقد أن هذا مبرر مقبول لهذا الاجتياح‏.‏

وإذا كان المطربون المصريون يرفضون الغناء في التلفزيون المصري فيجب معاقبتهم من قبل التلفزيون بمنع إذاعة أغانيهم، وهذا حقه وحقنا جميعا بما في ذلك أغاني الإعلانات المدفوعة.  والقضية هنا لا تتعلق بالغناء فقط ولكنها قضية انتماء وحق للمجتمع على هذه الأصوات الرديئة التي أصبحت نجوماً في زمن الغفلة والفن الرديء.  من حق التلفزيون أن يعاقب كل مطرب مصري يرفض الغناء في تلفزيون بلده لأنه يريد أن يُدْفَعَ له بالدولار.  وليس من حق التلفزيون أيضا أن يطاردنا بهذا الكم الرهيب من اللحم العاري، لان المطربات يغنين بلا مقابل. إن في ذلك امتهانا للفن المصري، وللذوق العام الذي ينبغي أن نحترم تاريخه حتى وإن كان قد انحدر كثيراً‏.‏

تبقى بعد ذلك أزمة الأغنية المصرية وهي تاج الغناء العربي بلا منازع وكيف سقطت في مستنقع الإسفاف وما هي مسؤوليتنا لكي نعيدها إلى الطريق الصحيح ونعيد لها دورها وريادتها‏.‏  إن لدينا أصواتا كثيرة قبيحة ولدينا أصواتاً قليلة جميلة، ولكن القبيح للأسف الشديد لديه قدرة أكبر على ترويج نفسه؛ أما الأصوات الجميلة فقد ضاعت في متاهات الإحباط والزواج والطلاق والحب والجري وراء المال، ولا أدري كيف نعيد لهذه الأصوات قدرتها على أن تتجاوز مشكلاتها وإحباطاتها لأنها خسارة كبيرة‏.‏

تبقى بعد ذلك قضية أخطر وهي سؤال واضح يقول:‏ ترى من يقف وراء القنوات الفضائية العربية التي تموّل الآن هذا الهجوم الضاري على وجدان هذه الأمة؟ وهل ما يحدث على الساحة الآن أمر طبيعي أم أنه ظاهرة تحتاج إلى تحليل وبحث ودراسة من أجهزة كثيرة؟  ربما تكون أجهزة الأمن في مقدمتها لأن الأمن القومي يبدأ بالفن‏،‏ وينتهي عند أشياء أخرى كثيرة، فهل هناك علاقة بين ظواهر السقوط السياسي والعسكري وانهيار الغناء في العالم العربي‏؟‏  أرجو ألا أكون متشائماً إذا قلت إن وراء تجارة الغناء أهدافا أخرى غير الربح والخسارة لان تدمير وجدان الشعوب أكثر خطرا من تدمير مبانيها ومصانعها‏.‏ القضية تحتاج إلى وقفة صادقة حتى نعرف إلى أين يمضي بنا الزمن والأحداث‏.‏

المصدر: جريدة الأهرام المصرية