موسيقانا

. قضية موسيقية

 عناية جابر

هل يمكن التساؤل: ما هي الشحنة الانفعالية التي نتلقاها عندما نستمع للموسيقى العربية؟ الإجابة لا أظنها تحيل إلى معنى قانوني يحدد ملكية الموسيقى القانونية.  فهي ليست حقا قانونياً يمكن تحديده بالجغرافيا وبالأمتار وبالوزن. وهي أغلب الظن روح الشعب وطريقته في البوح بمشاعره وأحاسيسه وأسلوبه الخاص بالتعبير.

الموسيقى لغة ثانية تضاف إلى لغة شعب ما وتمنحه هوية إحتياطية ثانية. إنها وجهنا الذي يطل قبلنا، هي اسمنا قبل أن نسمى. يتعرف الآخر علينا من خلالها ويعرفّنا في الوقت نفسه.

هي أذننا الأولى وأول لحن تدندنه الأم لولدها عندما يأتي إلى العالم. هي أول الذاكرة عند الطفل وأول صوت وأول الكلام، بداية الإيقاع والتقطيع والزمن والمسافات. أجل هي مبتدأ العلاقة مع الزمن، زمن الصوت ومدّاته واقتصاراته. هي ألحان تختزنها ذاكرة الشعوب من خلال تاريخها الطويل وقبل معرفة نظامها الداخلي وبنيتها المحكمة اللتين لا يعرفهما إلا الراسخون في الموسيقى. كلنا يميّز اسم البلد من موسيقاه وألحانه وآلاته وإيقاعاته ونوع أصواته وقيمتها الزمنية وموقعها على المدرج الموسيقي.

أجل، الموسيقى تراث قديم متوارث لا يتصل بالثقافة المباشرة الحاضرة بجوانبها الاجتماعية أو الزمنية أو القانونية.  هو بناء سابق على التاريخ الحالي للمجتمع ولا يتحدد به وبشروطه الحالية مباشرة.  الموسيقى جزء من المزاج الشخصي للشعوب، أي هي ذلك الجزء المتأصل فينا وفي شخصيتنا العامة التاريخية الذي لا يتعرض للأهواء والتأثيرات والرياح الثقافية والتحولات الاجتماعية كتعرض أصناف وميادين الإبداع الأخرى، من أدب وشعر ورسم ونحت وما إليها. هكذا يتهيأ لي النظر إلى الموسيقى على أي حال.  صمود الموسيقى أمام التأثيرات الخارجية أو أمام الاحتكاك بموسيقى الغير لا يحتاج إلى إثباتات دامغة وإسنادات عالمة. دليلنا إلى ذلك هذه الموسيقى التي اسمها لاتينية وعربية وتركية وفارسية وهندوسية ويونانية الخ... والتي تشي بهويتها منذ الجملة الموسيقية الأولى.

من المؤكد أن التصاق الموسيقى بمزاج الشعوب التاريخي لا يعني بأي حال من الأحوال أنها جسم قائم على حدة، عصيّ على التطور والتغيّر بفعل الزمن والتحولات التي تطرأ على أشكال المعاش والإنتاج ووسائل العيش والكسب والعمران البشري والمادي.  ما من شك أن أشكالها وقوالبها وآلاتها تخضع لمرور الزمن وتقلباته. وما من شك أن الأذواق نفسها تخضع لتبدلات الزمن وتغيراته.  لكن التغيّر الذي يصيب الموسيقى لا ينال من روحها فتبقى نكهتها معروفة ومعتادة للأذن التي تسمعها.

في هذا السياق تعوزنا المسافة التاريخية الضرورية لكي نؤكد أو ننفي تلك الطروحات عن الروح التي يزعم البعض أن الموسيقى العربية قد حافظت عليها عبر الأزمان.  ليس لأن الموسيقى العربية يعوزها التاريخ بل لأنها غير مكتوبة وقد تناقلتها الأنامل والآذان بدون وثائق مكتوبة.  السؤال هاهنا ليس في قيام أو عدم قيام الموسيقيين العرب القدامى بتسجيل موسيقاهم وتوثيقها، بل في معرفة السبب الذي منعهم من ذلك أو أتاح لهم القيام بذلك. هل هو على علاقة بمحتوى هذه الموسيقى وثراء مقاماتها الهائل والعدد اللامتناهي من الامتزاجات الممكنة لأصواتها ونوتاتها؟

هذه الفجوة التي نتحدث عنها والتي قد تكون سر هذه الموسيقى العظيم لا تتيح التبحر في الزمن والعودة إلى الوراء بما يكفي.  لكنها بالمقابل أتاحت للمحدّثين أن ينفذوا منها ويستندوا إليها كضعف تكويني في بنيتها لكي يدعوا إلى التخلص من التخلف والفوضى والإنكباب على كتابة الموسيقى وتوثيقها وفقاً لـ "علم" الموسيقى الحديث.  هنا قد تكون الإيديولوجيا قد تسللت إلى الروح عبر ثنائيات التطور والتخلف، أو القاعدة والاستثناء، أو النموذج والفوضى. هنا صار للموسيقى نموذج تحتذيه، وهذا النموذج ما هو في الحقيقة إلا روح موسيقى أخرى لذائقة أخرى.  فأخذت الموسيقى العربية تحتال عليه غصباً عنها لكي تحافظ على بنيتها بدون أن ترفض كلياً التأقلم مع النموذج الجديد المفروض.

انسجاماً مع التطور ‘الحتمي’ بدأت الموسيقى العربية في اعتماد الألحان المكتوبة وتدوين الأصوات بالعلامات الموسيقية، أي ما يعادل الحروف للغة، وقامت باستبدال التخت الشرقي بالاوركسترا الحديثة، وتبنت الآلات الموسيقية الغربية.  وبالرغم من هذه الثورة، بقيت الآلات بالإجمال تعزف وراء المطرب ولا تقرأ مقطوعتها المتماسكة التصاعدية بل ترافق المغني الذي بقي في بداية الأمر يغني أمزجته وامتزاجاته المقامية بحسب مبدأ الارتجال الطربي الذي يميّز الموسيقى العربية عن غيرها. وهنا صارت الأوركسترا إطاراً ديكورياً لا يفهم دوره بدقة اليوم حتى لدى الموسيقيين العرب أنفسهم.

هذا التناقض دفع بالملحنين والمنظرين الموسيقيين إلى الانكباب على أعمال لحنية وتوزيعات موسيقية تعطي للفرقة الكبيرة مبرراً للوجود. صار دور اللحن والغناء فعل تبرير وجود الفرقة بمعنى من المعاني.  وصار الهدف محاصرة المطرب ومنعه ما أمكن من الطرب والتطريب والسلطنة.

لكن ما هو الطرب؟ وما هي هذه الحالة التي يذوب فيها المطرب مع جمهوره في حالة من الصوفية المتسامية المرتفعة إلى الأعلى؟  ما هي هذه الحالة التي تدفع بالجمهور إلى دخول الحالة الموسيقية والتوحد باللحن والأغنية وعالم المغنّي – إذا جاز القول؟

التساؤل نفسه يُطرح على مثل هذا التحوّل التطويري الذي اصطدم أيضاً ببنية الموسيقى العربية نفسها وتركيبة عناصرها. فما تعتبره الأذن الغربية نشازا هو الجسم الأساسي في الموسيقى العربية.  ودون دخول علم الموسيقى وتقنياته، يكفي أن نقارب الموضوع من زاوية يسمع بها الناس عندنا بشكل كثيف.  فالجميع سمع بخصوصية وجود " رُبع الصوت " في الموسيقى العربية الأمر الذي ينعكس استعمالا للمسافات الصوتية عند العرب بطريقة لا يعرفها الآخرون وقد يستغربونها.

على أي حال وبمعزل عن التدخل الإيديولوجي في الموسيقى وتعلقه بنموذج (موديل) محدد من التطور، فإن كافة البرامج التي تجري لاختيار مرشحين جدد للغناء تَرَسخ الموسيقى العربية بشكلها العربي لدى غالبية المغنين الشباب الذين ما زالت آذانهم تعشق قبل العين أحيانا.