آفة جديدة..السطو على الأفكار وانعدام الأمانة العلمية

. قضية موسيقية

د. زين نصار

يخيّل لبعض منعدمي الضمير أنه بإمكانهم السطو على الملكية الفكرية لأعمال المفكرين والمبدعين والعلماء، ويعتقدون أنهم سيكونون في مأمن من العقاب، إنهم بلا شك واهمون فجرائم الملكية الفكرية لا تسقط بالتقادم، لأن من يسرق الفكر أو الإبداع هو أكثر إجراما بكثير ممن يسرق المال.  ومن حق من تعرض للسطو على فكره أو إبداعه أو علمه أن يلجأ إلى القضاء في أي لحظة لمقاضاة السارق ،واسترداد حقه والحصول على التعويض المالي المناسب الذي قد يصل إلى مبالغ ضخمة قد يعجز السارق عن سدادها، وذلك ما يعرض هذا الأخير لعقاب أشد. 

من الملاحظ هذه الأيام السرقات الواضحة لألحان أغاني معروفة، ويقوم السارق باستخدامها في ألحان أغاني جديدة يدعى أنها من تأليفه أو تلحينه، بينما العمل الأصلي في أغلب الأحيان يكون معروفا  ومشهوراً.  ويوجد نوع آخر من اللصوص يسطون على ألحان بعض الأغاني الأجنبية ظنا منهم أنها غير معروفة في المنطقة العربية.  ولكن جاءت القنوات الفضائية والشبكة الدولية للمعلومات لتفضح سرقاتهم أمام الجميع.  هذا بالإضافة إلى رقابة جمعية المؤلفين والملحنين التي مقرها باريس ولها فرع في القاهرة وفي عواصم أخرى من العالم العربي.  وكشف السرقة يترتب عليه "التجريس" ودفع التعويض المادي الذي يحكم به القضاء، وفى نفس الوقت تقوم جمعية المؤلفين والملحنين بدفع حقوق الأداء العلني لصاحب المصنف الفني الأصلي.

هذا في ما يتعلق بسرقة الأعمال الموسيقية من هنا وهناك.  ولكن هناك أيضا السرقات العلمية  حيث تُسرق المواد العلمية بكل جرأة سواء من الكتب أو المقالات المنشورة في الصحف والمجلات، وهم يعتقدون أن صاحب الحق لن يتنبه إلى مثل هذا الأمر، ولكنهم واهمون لأن حقوق الملكية لا تسقط بمرور الزمن، ويمكن لصاحب الحق أن يقاضيهم في أي وقت بسهولة.

لقد واجهت شخصيا مثل هذه السرقة  بكل حزم، فقد حدث عام 1990، أن قام أحد الموسيقيين وكان عمره في ذلك الوقت حوالي الثمانين عاما، بسرقة ستة من أبحاثي عن موسيقيين مصريين نشرتها بين عامي 1980 و1985 في مجلة الفنون التي يصدرها الإتحاد العام لنقابات المهن التمثيلية والسينمائية والموسيقية، وكانت تلك المعلومات منشورة لأول مرة عن عدد من مؤلفي الموسيقى المصريين، فقام الرجل بنقلها حرفيا، ونشرها بجرأة في كتاب عام 1990.  وقد عرفت بالأمر عندما نشرت الفنانة الراحلة رتيبة الحفني مقالاً في جريدة الجمهورية الصادرة يوم 30 /8 /1990 ، عرضت فيه للكتاب المذكور تحت عنوان "هذا الكتاب لم يعجبني" وأشارت فيه إلى ما يلي: "ومن العجيب أن المؤلف نقل عدة مقالات بالحرف الواحد للدكتور زين نصار وأحمد المصري ولم يشر إليهما في نفس الباب.  فقمت فور علمي وكخطوة أولى بتجريس ذلك اللص وفضحه من خلال نشر الخبر في عدد من الصحف اليومية وذكرت أرقام أعداد المجلات التي سرقت منها الأبحاث عن الموسيقيين الستة وهم: يوسف جريس، العدد الخامس، شباط (فبراير) 1980؛ حسن رشيد وأبو بكر خيرت، العدد 14، حزيران (يونيو) 1981؛ عبد الحليم نويرة، العدد 24، آذار (مارس) – نيسان (أبريل) 1985؛ فؤاد الظاهري، العدد 25، أيّار (مايو) – حزيران (يونيو) 1985؛ إبراهيم حجاج، العدد 27، كانون الثاني (ديسمبر) 1985. وبعد أن قمت بالخطوة الأولى وهى تجريس السارق وفضحه، حيث نشرت الخبر في صحف: الجمهورية (6/9/ 1990) – الوفد (19/6/1990) - المساء (20/6/1990) - الأخبار (18/7/1990)، وصور تلك المقالات ما زالت موجودة عندي.  بعد ذلك  قررت رفع دعوى قضائية ضد السارق، ولكن حدث أن والدي رحمه الله علم بالموضوع فطلب إلى عدم مقاضاة الرجل والاكتفاء بما فعلت نظرا لكبر سنه، واحتراما لرغبة والدي رحمه الله لم أرفع الدعوى القضائية."

وبعد ذلك وجدت أن هناك عدة سرقات "منقولة بالنص" من بعض مقالاتي التي تناولت فيها كتابات رائدة  عن  كبار الموسيقيين المصريين الذين قمت بزيارة أسر الراحلين منهم واطلعت على أوراقهم، أما الأحياء فقد قمت بإجراء أحاديث شخصية مسجلة معهم للتعرف على حياتهم وأعمالهم وذكرياتهم، وبعد ذلك قمت بكتابة تلك الدراسات ونشرتها ، ثم يجئ كاتب أو كاتبة ويسرق تلك المعلومات كما هي بالنص، ويكتبها ويضع أسمه عليها ليوهم القارئ الكريم أنه هو من تعب وبحث وبذل الجهد للحصول على هذه المادة العلمية وكتابتها، بينما غيره هو الذي فعل ذلك.  ولكني الآن أحذر كل من تسول له نفسه أن يسرق مواد علمية مني أو من غيري أو أن يسرق لحن أغنية أو مقطوعة موسيقية فإنه سيصار أولا إلى تجريسه، ثم مقاضاته من أصحاب الحقوق.

وفى هذا الشأن، بالإمكان الرجوع إلى القانون الرقم 82 لسنة 2002 الخاص بحماية حقوق الملكية الفكرية، والمادة 69 من الدستور المصري الذي صدر عام 2013، لمعرفة مدى خطورة الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية بأي صورة من صورها.

المصدر: جريدة القاهرة