مأزق التجديد في الموسيقى العربية المعاصرة

. قضية موسيقية

يضع الموسيقي العربي المعاصر نفسه في مأزق حقيقيحين يغدو التجديد لديه محاولة للخروج النهائي من سطوة الموروث وتغييب المقولات الماضية،في سبيل الوصول السريع واللاواعٍ نحو العالمية المزعومة التي تبشر بها منظومة العولمة وما بعدها،وهذا ما يعرضه لضغوطات لاتخفى فيما يتعلق بروحيةالانتماء والالتزام بإرث الهوية الوطنية بعيدا عن أدلجة هذا التجديد الذي يبقى فارغا وبلا معنى إن لم ينطلق أساسا من مفردات الهوية الموسيقية وذخرها الابداعي المديد.

هذا ماخلُصت إليه العديد من البحوث والدراسات حين وضعت حتمية التجديد انطلاقا من عناصر ومكونات هذه الهوية ببعدها الثقافي الدال،وهذا لا يعني بالضرورة استنساخ هذه المقولات الموروثة كما هي وكأن الزمن لايتغير،وكأن هذا الفن نظام صوري لايجوز المساس به،كما لا يعني بالمقابل التخلي عن كل هذا الإرث العظيم في سبيل تحقيق مكاسب وقتية عابرة وفق ما تبشر به هذه المنظومة المقنّعة إيديولوجيا والتي تريد فرض أجندتها الخبيثة، التي لم تعد تخفى على أحد، عبر سطوتها على كافةالمنصات الإنتاجية والإعلامية والإعلانية في العالم وعبر شبكات ومؤسسات متكاملة لاقتصاد مرعب بكل ماتحمله الكلمة من معنى. 

ولمواجهة هذا الأمر الذي بات للأسف واقعاً، صار من الضروري تحصين الهوية من الذوبان والتلاشي عبر تجديد منهجي ومعرفي يكون أساسا لتخصيب عناصرها وإثراء مفرداتها، كما فعل الرواد المؤسسون بدايات ومنتصف القرن الماضي حين أدركوا ضرورة تحديث بنية هذا الفن والخروج نهائيا من سطوة الطرب والتطريب، نحو أفق حداثي مغاير تلعب فيه مسارات التعبير الدرامي والتصوير الوجداني الدور الأساس،وهذا لم يكن متاحا لولا قراءة هؤلاء الرواد لمفهوم التجديد وحتميته، وضرورة الأخذ بأسباب الحداثة حيث تم طرح الكثير من أسئلة الحداثة والأصالة بعيدا عن الصراعات " الدونكيشوتية" المريضة التي قامت ما بين أنصار هذه الأصالة وما بين أولئك الهائمين في أزمنة الإبداع خاصة بعُيد نتائج الثورات الموسيقية الباهرة التي قامت في موسيقات العالم بما ألهم هؤلاء بالسير نحو خلق حالة حداثية أسمى تضيف عناصر وتقاليد مهمة في طرق التأليف والممارسة ولا تقطع صلاتها مع هذا الإرث القديم بل على العكس تتحاور معه وتستفيد من منجزه الإبداعي الذي تحقق، أي كما حدث ويحدث دائما في أغلب هذه الموسيقات التي نادرا ما يخلو منتوجها المعاصر من تجليات هذه اللغة الموسيقية القديمة اعتزازا برمزيتها ورموزها المبدعين وتقديرا لتاريخهم المديد في تطوير هذا الفن بالرغم من ظروفهم السائدة وقتئذٍ، سياسيا واجتماعيا.

إذاً ومن هذه الإرهاصات المهمة في التأسيس لمرحلة الحداثة في موسيقانا العربية كان على الموسيقي العربي المعاصر أن يتفهم هذه الحداثة على أنها ضرورة فنية فرضتها مناخات الكتابة القديمة التي لم يعد بوسعها الخروج من دائرة التطريب المغلقة والمنغلقة على أي محاولات جريئة للخروج من أسرها الطويل نحو أفق جديد يتماهى مع المنجز القديم ويسعى في الوقت نفسه إلى كتابة مغايرة تفرضها تطورات الحياة وإيقاع العصر السريع واللاهث، كما تفرضها تحولات الذائقة وطقوس التلقي التي لم تعد كما كانت سابقا وهذا بحد ذاته يضع هذا الموسيقي أمام تحديات كبيرة، خاصة في ترويض الأذن العربية على منتوج موسيقي مختلف كتابة وتأليفا وممارسة، ومحاولة إقناعها بموسيقى مغايرة عما ألفته وتعودت عليه، موسيقى تتعارض مع كل ما هو حسي مريض جماليا وذوقيا، وهذا لن يكون متاحا إلا بوجود منصات إنتاجية وإعلامية تقدم هذا المنتوج الموسيقي للمتلقي، مع قراءات نقدية معرفية تثري ذائقته وتمنحه القدرة على إدراك الجمال الموسيقي وأسراره الخبيئة، بعيدا عن سلطة وسلطنة الطرب المعهودة، وبالتالي الوقوف في وجه تيارات الاستهلاك والبعد التجاري الرخيص الذي يسود ويتسيّد المشهد الموسيقي المعاصر بفعل غياب هذه الموسيقى البديلة عنه لأسباب عديدة لا مجال للخوض فيها هنا، ومع ذلك لابد من القول إن مفهوم التجديد في الموسيقى العربية المعاصرة يسعى بشكل أساس إلى تجديد العناصر الوطنية من الداخل، وليس إلى استيراد عناصر وتقاليد وافدة تحل مكانها من منطلق التبعية العمياء التي وقع فيها العديد من الموسيقيين العرب وهو ما أدى إلى ذوبان العديد من هذه العناصر الوطنية وتهميشها في الكتابة المعاصرة بحجج واهية وغير مقنعة أبدا، وهذا يفسر إلى حد كبير عمق الأزمات المستدامة والمأزق الحقيقي الذي لازم هؤلاء المستغربين ممن انبهر بالآخر وانقاد إلى الوقوع في أسره وتبعيته في ولع المغلوب بالغالب على رأي المفكر العربي " ابن خلدون " كما يفسر صعود التقليد واستنساخ هذا الآخر بتأثير بيّن من سطوة هذه المنظومة المتعولمة وما بعدها، لتفقد موسيقانا الكثير من عناصر الإبداع المائزة في هويتها وخصوصيتها المتفردة مقاما وإيقاعا وارتجالا، ولا داعي لذكر الأمثلة على تمدد هذا البعد التجاري الرخيص فالفضاء العربي العتيد يتكفل بها، وهذا يؤكد من جديد على قصور العقل الموسيقي العربي في اجتراح الحلول الناجعة لهذه الأزمات المستدامة التي يبدو أنها ستطول لطالما غابت الاستراتيجيات والخطط المستقبلية التي تلحظ أهمية موضوعة التجديد خاصة مع تحولات المجتمعات العربية، وهي تحولات أفضت إلى دخول تقانات وتقنيات وبرامج ذكية أثرّت بشكل كبير في تعثر هذا المفهوم الحداثي والاستعاضة عنه باستيراد أنماط وتقاليد وافدة غريبة عن هذه المجتمعات التي بدأت بتقبلها بحكم التكرار والتعود وبحكم، كما أسلفنا، غياب أو تغييب الموسيقى البديلة التي يكتبها الموسيقي العربي والتي تصارع وحدها في مواجهة البعد الاستهلاكي وتسعى إلى خلق حالة من التوازن، وبالتالي ترك حضورها ولو على استحياء في حجز مكانة ونافذة ولو صغيرة في هذا المشهد الذي يمتلئ مع كل أسف بنتاجات الخراب والبؤس الروحي والابتعاد عن كل ما يؤنسن الحياة ويجمّلها فكرا وثقافة ومعرفة. !!

 

المصدر: جريدة الثورة السورية