دفاعا عن الموسيقى العربية: الطابع الغنائي هوية وليس ملمحا لـ"التخلف"

. قضية موسيقية

علي عبد الأمير

 

إن من حق موسيقيين عرب ممن كتبوا الأنغام ووضعوها وفق الأشكال " الكلاسيكية" الغربية أن يعتبروا بيتهوفن أو باخ وكل النتاج الموسيقي الأوروبي، قياسا خاصا بهم يقرأوا وفقه الموسيقى وما غيرها من الأنغام، ولكن ليس من حقهم النظر باستهجان للموسيقى العربية، حين يرون في  نتاج محمد عبد الوهاب والرحابنة وغيرهم ممن تركوا علامات عميقة ومؤثرة في النغم العربي خلال القرن الفائت، نتاجا أقل شأنا.

فهم حين يقارنون بين مضمونين موسيقيين مختلفين تماما: موسيقى النهضة الأوروبية وصولا إلى القرن العشرين ذات البناء الآلي الصرف، فيما الموسيقى العربية غنائية البناء، والصوت الإنساني جوهرها والبناء الموسيقي الآلي فيها يأتي تاليا، إنما يرون في مضمون الموسيقى العربية "عيبا"، وهو أمر يصر عليه أحد أعلام الموسيقى الغربية "الكلاسيكية" من الفنانين العرب، المؤلف وقائد الأوركسترا اللبنانية وليد غلمية، بوصفها هنا ممثلا لاتجاه يرى في الموسيقى العربية "نتاجا متخلفا" إذا ما قورن بالنموذج "المتطور" الوحيد القائم على معرفة "الموسيقى الغربية "الكلاسيكية".

وفي حين يعتبر غلمية ومريدوه ممن يرون في الموسيقى العربية ملمحا "متخلفا" أنه "إذ ليس في شرقنا العربي مثل هؤلاء الموسيقيين ( بيتهوفن أو باخ ) لأن العمل الذي أبدع فيه العرب هو بسيط جدا يصلح للأغنية الشعبية"، فإنهم يقصدون الطابع الغنائي الذي يعتبر امتياز الموسيقى العربية. لكن ما يفوت أصحاب رأي كهذا، أننا لو اعتبرنا قياس البنية الآلية الموسيقية المجردة، قياسا للتطور، فستكون الموسيقى الإيطالية "متخلفة" مثل موسيقانا لأنها وجدت شخصيتها في الأوبرا، وهي شكل موسيقي يعتمد الصوت الإنساني وتقابلاته الوجدانية وتدرجاته المقامية، كما أن الطليان لم ينجزوا ما يعتبره المولعون بالنموذج الغربي " الكلاسيكي" مثالا، ألا وهو السيمفونية.

إن القول "ثمة شعوب فرضت بيتهوفن وتشايكوفسكي وباخ على الزمن، أما العرب فلم يفرضوا أسماء على الزمن لأن كل ما لديهم مادة استهلاكية" ليبدو تسطيحا للعقل والمعرفة وتراكم التجربة الإنسانية في أي مجتمع، فتجارب أولئك الموسيقيين كانت استجابة لظروف مجتمعاتهم وانعكاسا طبيعيا لتطلعاته في التحديث، وليس مصادفة أن تكون أعمالهم متزامنة مع عصور النهضة والحداثة في أوروبا، ومن الطبيعي أن لا تظهر تجارب كهذه عربيا، لاختلاف الظروف الاجتماعية وتباين القيم الثقافية والاجتماعية الأساسية.  كما أن "فرض الأسماء على الزمن" ليس معتمدا على النتاج الثقافي وحده والعبقرية الفردية، بل هو مؤشر سوسيولوجي معتمد على حقائق سياسية واجتماعية، ففي حين نهض أولئك كانت مجتمعاتهم معافاة قوية، وهي الأكبر في حركة الأحداث في أوروبا والعالم، وكان العرب حينها أسرى سيطرة قوى التخلف والظلام، فمن أين لهم بمعرفة ومن أين لهم بنتاج روحي؟ وحتى لو توافر ذلك بعوامل ذاتية تعاند الحقائق العلمية، فمن أين لهم بالقوة الاجتماعية والسياسية التي تقدم معرفتهم و" تفرضها على الزمن" ؟

كما أن عجز العرب عن فرض أعمال موسيقية كما فرض الأوروبيون بيتهوفن وتشايكوفسكي وباخ على الزمن، هو أمر ليس حكرا على العرب، فثقافات كبيرة في العالم لم تنتج بيتهوفن وتشايكوفسكي وباخ، وهي لم تعتبر ذلك عيبا أو انتقاصا، كما في تجارب ثقافات الصين واليابان والهند مثلا، والتي لم تعتبر اعتماد موسيقاها " السلم الخماسي" ملمحا أدنى درجة من "السلم السباعي"  كما هو متداول غربيا وعربيا أيضا.

إن أعمالا في الموسيقى العربية وبالذات تلك التي رافقت مسيرة التحديث في المجتمعات العربية خلال النصف الأول من القرن الماضي، تنفي القول بأن" العمل الذي أبدع فيه العرب هو بسيط جدا يصلح للأغنية الشعبية"، فثمة إنجاز لافت حققه عبد الوهاب والسنباطي والرحابنة في بناء موسيقي محكم وسم ألحانهم ضمن قالب "الغناء المتقن"، وهو قالب غناء قصائد مثل "كليوباترا"، و"الجندول" و"النهر الخالد"، مثلما أنجز الرحابنة (عاصي ومنصور) "أندلسيات" راقية حاكت الأثر الموسيقي العربي القديم، ونحوا بالقالب إلى اتجاهات تجديدية في عشرات القصائد التي صاغت صوراً مدهشة لمدن عربية ومآثر تاريخ وأفكار.

وفي حين "تتكرم" آراء "المتغربين" من الموسيقيين العرب، فتعتبر محمد عبد الوهاب "أهم المبادرين  لكنه ليس موسيقارا" فإنها تقع في تناقض فاضح حتى مع التعريف الذي وضعته لوصف "الموسيقار"، وهو بحسب تلك الآراء "من يكتب الموسيقى ويقرأها"، والثابت أن صاحب "الجندول" يجيد الصفتين اللازمتين لمنح لقب "الموسيقار" ناهيك عن إبداعه الذي حول اللقب من وصف أكاديمي إلى تسمية لأعمال ترقى بالعقل والروح وتسمو بالذائقة، وهنا لا عذر لمنتقدي الموسيقى العربية في حجب التسمية عن عبد الوهاب، اللهم إلا إذا كان الأمر يبدو إصرارا على النظر إلى  الموسيقى العربية، نظرة دونية.

 

من يسمع الموسيقى "الكلاسيكية"؟

إن اعتبار الموسيقى " الكلاسيكية" الأوروبية مقياسا للتطور والإنجاز الحضاري، هو قياس أصم ومعزول عن الحراك الاجتماعي والفكري والثقافي حتى في البلدان  والمجتمعات التي أنتجت تلك الأعمال الموسيقية والألحان الكبرى، فثمة أسئلة جدية تثار في الغرب ومنذ عقود، حول من يسمع اليوم الأعمال الموسيقية "الكلاسيكية"؟  وعلى الرغم من برامج التربية والثقافة الواسعة في دول ومجتمعات متقدمة فان تلك الأعمال تظل في حدود "نخبوية" حتى وإن برعت المدن والعواصم في إقامة مهرجانات متواصلة على مدى العام للعناية بهذا الشكل الموسيقي، بينما نجد الموسيقى "الغنائية" الشعبية هي الأكثر حضورا بل هي تكاد تكتسح الذائقة الغربية ومنذ أكثر من نصف قرن.  وحيال ذلك لم نجد قراءة نقدية وثقافية جادة تعتبر تراجع الموسيقى "الكلاسيكية" أمام "صعود الغناء الشعبي" في المجتمعات "المتطورة" في الغرب مؤشرا على هشاشة ثقافية، كما يصر على ذلك " المتغربون" من الموسيقيين العرب، الذين فاتهم أن الظروف والقيم الثقافية والاجتماعية لأي مرحلة تنتج إشكالات في التعبير خاصة بها، فحين كانت "موسيقى الجاز" في أوائل القرن الماضي تُقرأ على أنها "شعبية" إذا ما قورنت بالموسيقى "الكلاسيكية"، فإنها لاحقا اعتبرت من العلامات الرصينة للموسيقى في القرن العشرين، مثلما اعتبرت تجارب " موسيقى العصر الحديث" في بدايات ظهورها "استهلاكية" فيما هي اليوم تستقطب جمهورا أكبر بكثير من جمهور الموسيقى "الكلاسيكية".

إن الموسيقيين العرب "المتغربين" ممن يحملون على الموسيقى المعاصرة، حتى التي ينتجها الغرب، يفوتهم أن المجتمعات التي أنتجت أعمالا موسيقية "خالدة" و"فرضت على الزمن" هي نفسها التي أنتجت ما توصف بأنها "موسيقى ساذجة وبسيطة ويغلب الإيقاع فيها في شكل صارخ، وهي موسيقى مخدرات وخيانة للإنسان فكريا وسمعيا وثقافيا، خصوصا عندما رافقت التقنيات الالكترونية الأصوات" فيما لا تقرأ دراسات " النقد الثقافي" الغربية الأمر على هذا النحو وتعتبر الموسيقى المعاصرة مرآة للتحولات الثقافية والاجتماعية في بلدانها.

 

" كلاسيك" النغم العربي وحداثته

ولو قرأنا المشهد الموسيقي العربي لجهة التأليف وفق القالب "الكلاسيكي" الغربي، فإننا نتوقف عند تجارب لافتة حين حاولت "تأصيل" الشكل لجهة كتابة الشكل الغربي وفق روحية نغمية عربية وشرقية، وهي حين عجزت عن الحضور على نطاق عالمي واسع، فإن ذلك لا يرجع ليس لقصور فيها، بل لأزمات عسر الاتصال مع الآخر والفجوة الثقافية، التي ما إن خفت في الألفية الثالثة حتى أمكننا تعرف تجارب موسيقية عربية ذهبت إلى شكل الموسيقى الآلية غير الغنائية، وتمكنت من التأثير في متلقين هم من مجتمعات غربية، إذ استعارت شكلا موسيقيا قريبا لذائقتهم لكنه تضمن روحية جديدة عليهم، وهو ما كان سر نجاحها، وهو ملمح يمكن تمييزه عبر أعمال لائحة من الموسيقيين العرب الذين  بقدر انفتاحهم على الشكل الأوروبي "الكلاسيكي" كانوا أوفياء لروحيتهم الموسيقية والثقافية، وهي لائحة لا تبدأ من أعمال الراحل توفيق الباشا مثلما لا تنتهي بأعمال محمد عثمان صديق.

كما أن الانفتاح الثقافي الذي يميّز عصرنا اليوم جعل من أشكال مبتكرة لموسيقيين عرب قائمة على المزج بين شكل غربي من أشكال الموسيقى الصرفة والمضمون الذي تحمله الموسيقى العربية أمرا ممكنا، فثمة من برع بوضع " كونشرتو العود والأوركسترا" أو "الناي والأوركسترا" وكذلك "القانون والأوركسترا" وهو ما يحسب لأعمال صاغها موسيقيون عرب كما في أعمال لمارسيل خليفة ونصير شمة وخالد محمد علي، فيما أخذ التحديث الموسيقي بعدا أكبر لجهة العلاقة الغنية القائمة على الحوار الثقافي وليس مجرد التأثير القائم على تقديس الشكل الغربي، كما في أعمال زياد رحباني، عمر خيرت، طارق الناصر، وليد الهشيم، فرات قدوري، رحيم الحاج، شربل روحانا وغيرهم.

 

المصدر: صحيفة معكم  الألكترونية