الأغنية السورية: البحث عن هوية

. قضية موسيقية

ربيع فران

تعاني الأغنية السورية منذ زمن، من حالة ركود، لا بل من البحث عن هوية تتناسب مع تاريخ الغناء السوري الأصيل، تاريخ، كرّسته مدارس موسيقية وغنائية عدة، امتدت لسنوات، وتوزعت بين القدود والموشحات، في وقت صُنفت مدينة حلب السورية واحدة من أهم المدن التاريخية لتعليم أصول الغناء.

ما يدعو للتساؤل اليوم، هو مصير الأغنية السورية؟ بعدما كرس عدد كبير من الفنانين الأوائل حضورها في القرن الماضي، ونذكر منهم مهى الجابري،ورفيق شكري، وصباح فخري، الذي ذاع صيته وشهرته حتى اليوم بينما غُيب الباقون، أو رحلوا، بسبب انعدام خطط التسويق آنذاك، وضمان أو استثمار نجاحهم.

كما غابت، نقابة الفنانين السوريين عن متابعة بعض الأصوات الشابة بعد سنة 2011 وقبلها،وانشغل مسؤولو النقابة بمحاسبة الفنانين الذين لا يشاركونهم الاتجاهات نفسها، في وقت غادر عدد كبير من المغنين إلى الدول العربية المجاورة لمتابعة أعمالهم.  ولم يقف أي طرف نقابي أو ثقافي إلى جانب أي مغنّ سوري شاب. وهذا الإهمال لا يقتصر على أزمة أو حرب. الفنان فريد الأطرش وشقيقته الفنانة أسمهان لجآ إلى القاهرة، مما زاد من شهرتهما، ودفع عددا كبيرا من الفنانين العرب للتعاون مع فريد الأطرش كملحن أغنى المكتبة الموسيقية العربية بأجمل أغنيات الزمن الجميل. لكن فريد الأطرشنفسه، لم يتطرق إلا نادراً للأغنية السورية التي كرسها رفيق شكري مثلاً، رغم أنّ شكري، لم يكسب الشهرة اللازمة في ذلك الوقت.

وكذلك استعان الموسيقي المصري الراحل بليغ حمدي بصوت الفنانة ميادة الحناوي بداية ثمانينيات القرن الماضي، بعدما هاجر من القاهرة لأسباب خاصة، واكتشف الحناوي في عدد لا بأس به من الألحان، لا بل أفضلها، "الحب اللي كان" و"ساعة زمن" و"أنا بعشقك". واستطاعت الحناوي بعد تعاونها مع بليغ حمدي، أن تحجز مكاناً لها على خارطة الأغنية العربية، ولا زالت أغنياتها من أكثر الأغنيات المطلوبة في مصر.

بعد ميادة الحناوي اخترقت الفنانة السورية أصالة نصري حاجز الإهمال واتجهت إلى القاهرة، خطوة أصالة الأولى دفعتها باتجاه الشهرة السريعة،  فاستغلتمجموعة من الملحنين المصريين أمثال محمد سلطان في أول أغنية قدمتها "سامحتك".  وقد تكون تجربة الفنانة أصالة نصري الوحيدة التي نجحت في إثبات نفسها "نجمة" أولى كفنانة سورية.

حازم الشريف

في العام 2014 فاز الشاب السوري حازم الشريف بلقب "آراب آيدول".  يومها، استبشر السوريون أن الشريف سيكون نسخة مماثلة لزميله الفلسطيني محمد عساف ولنجاحه الكبير، بعد فوزه باللقب نفسه العام 2013، لكن وبعد ثلاثة أعوام من فوز الشريف بالمركز الأول ما زال الشاب العشريني، يعاني من سوء إدارة في أعماله الفنية، وكذلك في طريقة اختيار أغنياته. إذ أصدر منذ حوالي السنة أغنية جديدة، تمزج بين النحو والكلام المحكي بعنوان "أنتي التي" فلاقت من الأيام الأولى لصدورها انتقادات لاذعة لجهة الكلام أولاً والتوزيع الإلكتروني الذي اعتمده الشريف والشركة التي تتبناه.

رويده عطية وعبد الكريم حمدان وحازم الشريف وسهر أبو شروف ونور عرقسوسي، وغيرهم كثيرون استطاعوا أن يؤكدوا حضورهم في السنوات السابقة، وذلك بعد مشاركتهم في برامج غنائية وفنية لها جمهور عريض، ورغم التزامهم ببعض شركات الإنتاج التي مدّت لهم يد العون، وحاولت استثمار أصواتهم وشهرتهم من خلال البرنامج، فشل عدد من هؤلاء في البحث عن مكان لهم على الخارطة المُزدحمة بعشرات الأصوات العربية. هكذا ظلت نتاجاتهم تائهة بين الخاص وبين القليل الذي أنعمت عليهم به شركة "بلاتينوم ريكوردز" التابعة لمجموعة MBC.

اتجاه رويده عطية إلى بيروت بعد مرورها في برنامج "سوبر ستار" للمواهب، لا يشبه تجربة مواطنتها أصالة، التي حاربت وحوربت واستطاعت العبور إلى المرتبة الأولى فنيًا.  اعتمدت عطية، على الملحنين اللبنانيين الذين زودوها بأغنيات لا تشبه هوية الأغنية السورية، وفضلت الإقامة في لبنان وتعيش اليوم صراعاً يرجعه بعض النقاد إلى رداءة خياراتها الفنية ومشاكلها مع شركات الإنتاج والمنتجين.

بعد العام 2011، انتقلت مجموعة من الأصوات السورية إلى بيروت، وكذلك بعض المنتجين والشعراء والملحنين السوريين الذين اتخذوا من بيروت مركزاً لإنتاجهم الموسيقي، لكن هؤلاء لم يخرجوا عن إطار التقليد مع بعض الملحنين السوريين في محاولات لإعادة لون موسيقي تراثي محدود في الأغنية الشعبية التي تعتمد على الإيقاع الشعبي الأقرب إلى الفولكلور، بينما اتجه آخرون إلى المدرسة التقليدية ولم يقدموا جديدا سوى حفلات الموشحات والقدود. ومنهم من اعتمد على أسلوب علي الديك الغنائي، فتعاون مع الملحنين الذين دفعوا بشقيق الأخير، حسين لدخول عالم الغناء.  

للأسف، تشتكي الأغنية السورية اليوم من ضعف المحتوى وتنوع الألوان الواجب أن تميزها وتبقيها على الخارطة الغنائية العربية.

المصدر: صحيفة العربي الجديد (بتصرف)