الموسيقى العربية هل هي أشياء لا تشترى؟

. قضية موسيقية

في المنطقة العربية، أدى انتشار الإنترنت السريع والمنصات الرقمية وتقنيات مشاركة الملفات مثل "التورينت" إلى تحرير مشهد الموسيقى العربية من سلطة شركات الإنتاج الكبيرة، وحظي المشهد بفرصة انتشار أغان مختلفة عن السائد، سواء من حيث الآلات والإيقاع أو من حيث إتاحة محتوى يتعرّض للسياسة وللمحظورات بشكل عام.  وتكفي نظرة واحدة على موقع "ساوند كلاود" لنرى أن العديد من المغنين تمكنوا من الوصول إلى جمهور كبير دون الحاجة إلى الراديو والتلفزيون. وبعض الفرق الغنائية طلبت إلى جمهورها أن يتعدى دوره تلقي الموسيقى ليصير ممولًا لموسيقاهم وألبوماتهم، كما سبق وفعلت "مشروع ليلى" و"المربع".

تطور المشهد الموسيقي في المنطقة العربية بالاعتماد على بنية منصات الرقمية التي ظهرت بعد أزمة القرصنة وخضعت لقوانين الملكية الفكرية في الولايات المتحدة وأوروبا. لكن بيئة تحصيل حقوق الملكية الفكرية للمنتجين المحليين في المنطقة العربية ظلت من دون تغييرات جذرية، ليجد الموسيقيون المستقلون العرب أنفسهم في وسط يسهّل انتشار موسيقاهم لكن يصعّب تحصيلهم مردودًا ماديًا منها، ويتجاهل رأيهم في الثمن الذي يدفعه المستمع العربي لموسيقاهم.

من يدفع مقابل موسيقى الفنانين المستقلين الرقمية؟

المنصات الربحية، التي قامت على قانون حقوق الملكية الفكرية الملاحق للقرصنة، فتدفع حقوق تأليف للمؤلف والناشر تسمى بالحقوق الميكانيكية، وحقوق أداء للمغني وكل من ساهم بالأغنية بغض النظر عن بلد المنشأ، وذلك وفق معادلة معينة.  مثلًا، على الرغم من الانطباع السائد عن مجانية الموسيقى على موقع يوتيوب، الذي لا يكلف المستمع شيئا مقابل الوصول للموسيقى، إلا أن عوائد الدعايات التي تلصقها الشركة بفيديوهات الموسيقى يتقاسمها يوتيوب مع الفنانين أو شركات الإنتاج.  ولأن موقعا مثل يوتيوب هو نتاج تحميل شعبي للموسيقى والفيديوهات، فهو يستخدم برامج تكشف تلقائيًا الموسيقى التي تحمل من المستخدمين دون إذن حقوق.

قد تبدو معادلات أرباح الحقوق الرقمية كنزًا سيمكّن الموسيقيين المستقلين في المنطقة العربية من العيش عيشًا رغيدًا، بعد أن سمحت لهم المتاجر الرقمية ومنصات الراديو الإلكترونية بتخطي شركات الإنتاج الكبرى التي تقضم الحصة الأكبر من عوائد الحقوق، وخاصة حين نسمع عن أن أربعين ألف دولار هبطت على فنان هاوٍ في الولايات المتحدة، بعد أن أدرج أحدهم أغنيته في قائمة أغانٍ، لتصبح عبر سنة من أكثر القوائم سماعًا على منصة Spotify.  كل ذلك بسبب حقوق توزيع وأداء أغنية واحدة. لكن رومانسية هذا الخبر تنتهي عندما نعلم أن الفنان الهاوي ذاته احتاج إلى ١٠ملايين استماع ليجني ٤٠ألف دولار.

تؤكد ذلك دراسة الاتحاد الدولي للتسجيلات الموسيقية عن نفاذ مستمعي العالم للموسيقى. ففي آخر ستة أشهر من سنة ٢٠١٤في أكبر ١٣سوق للموسيقى الرقمية في العالم، كانت لمواقع الفيديو مثل يوتيوب الحصة الأكبر من طرق نفاذ المستمعين لموسيقاهم. وفي الوقت نفسه تشير الدراسة إلى أن مردود أرباح الموسيقى الرقميّة من خدمات البث المعتمدة على الدعايات (٩٪) (كاليوتيوب) كانت الأقل في ذات العام. مما يعني أن الجزء الأكبر من مستمعي العالم على الإنترنت يصلون إلى الموسيقى عبر المنصات المجانية المدعّمة بالدعايات، وأن النسبة الأقل هي التي تدفع مقابل الأغاني.

 

حقوق الملكية الفكرية للفن في العالم العربي: أغنية حزينة طويلة

تعطل  الأطر القانونية والمؤسساتية لحماية الملكية الفكرية لفناني المنطقة لم يبدأ من انتشار المنتجات الفنية على الإنترنت. فبِغَضِّ النظر عن الوسيلة، لا توجد منظومة لجمع حقوق الموسيقيين والمؤلفين والملحنين والمؤدين على الإذاعات والتلفزيونات في المنطقة العربية. لكن توقيع معظم الدول العربية على اتفاقية حقوق الملكية الفكرية العالمية شكّل درعًا لحماية أعمال الفنانين الأجانب دون العرب في المنطقة العربية.

تواجد منظومة تلاحق حقوق ملكية الفنانين في أوروبا والولايات المتحدة بغض النظر عن وسيلة نشرها، يجعل توزيع الموسيقى العربية في العالم الغربي فرصة مناسبة للحصول على عوائد ما.

حتى إن وضعت الأطر القانونية جانبًا، فالمنطقة العربية تشكو من صعوبة التوزيع. بالنسبة لخيام اللامي، فإن شحن وتوصيل الألبومات على أقراص مدمجة مكلف جدًا وغير مضمون بين البلدان العربية. قد يرى البعض أن التذمر من التوزيع المادي للموسيقى فات أوانه لانتهاء سوق الموسيقى بشكلها المادي. ولكن هذا ليس ما تعكسه دراسة الاتحاد الدولي للتسجيلات الموسيقية التي أعلنت إعادة إحياء الناس لإسطوانات "الفينيل" (vinyl) التي ترتفع مبيعاتها باستمرار على مدار السنوات الأخيرة في الغرب. أما التوزيع الرقمي فمشكلته لا تخص الموسيقى وحدها، لأن هناك ضعفًا عامًا في البنية التحتية الشرائية على الإنترنت في المنطقة العربية. في تونس مثلًا، لا تطرح البنوك إلا بطاقات شرائية تتعامل مع العملة المحلية. أما أن تجهز موقعك لخدمة بطاقات الدفع هذه على الإنترنت فهي عملية معقدة ومكلفة جدًا بحسب اللامي.  هنا، يضطر الموسيقي إلى وضع موسيقاه على متاجر الشركات الأمريكية مثل AmazonوiTunesلبيع ألبوماته كخطوة أولى لنشرها في أوروبا وأمريكا. لكن حتى يصل ألبومك إلى متاجر iTunesالخاصة بالأردن ومصر ولبنان وعمان والبحرين والسعودية والإمارات والمغرب، عليك التعاقد مع وكيل في دبي.

لكن المشهد ليس معتمًا بالكامل. ففي السنوات الأخيرة، ظهرت مواقع بث عربية تدفع للموسيقيين مقابل بث أغانيهم على موقعها وتتعاقد مع شركات إنتاج كبرى أو مستقلة. موقع IndiePushيحاول أن يدعم الفنانين المستقلين بنموذج مختلف قليلًا يستفيد من مكانة مواقع التواصل الاجتماعي لدى المستخدمين العرب، ويشجع المستخدمين على مشاركة موسيقى للفرق التي يحبونها على مواقع التواصل الاجتماعي.

إهمال حقوق الملكية الفكرية ليس سياسة مقصودة تتبعها الدول العربية لتقوية اقتصادياتها الثقافية، كما فعلت الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر عندما قاومت قوانين الملكية الفكرية حتى يتأثر كتابها ومؤلفوها بكتابات غيرهم، بحسب ما ينقل الكاتب هاجون تشانغ في كتابه «السامريون الأشرار»، بل هو تحصيل حاصل لواقع انهيار آليات تنفيذ القوانين. السؤال هنا، هل نريد أن تلحق المنطقة بقوانين الملكية الفكرية الحالية التي تكون قد حفظت حقوق النشر والتوزيع ولكنها جعلت من المشاركة المفتوحة والوصول إلى المنتجات الثقافية في الولايات المتحدة فيلم رعب؟

قد يكون ما ينتظره الفنان المستقل العربي هو توفر آليات لحماية حقوق الملكية الفكرية بالأخص في استخدامات الإذاعات التجارية. الموسيقيون والمطربون لا تشارك جماهيرهم في أغانيهم دون مقابل بهدف الإساءة إليهم أو لأغراض ربحية، لكن الهدف من اهتمامهم بحقوقهم المالية هو إرساء فكرة أن الإنتاج الموسيقي مكلف بعكس الانطباع الذي يعطيه تواجدها الرقمي.

المصدر: موقع حبر الألكتروني