كيف نستفيد من أخطائنا

. قضية موسيقية

أحمد سالم ولد البابان

إخواني أخواتي الكرام،

في أغلب الأحيان أكون متعطشا إلى علوم فن الموسيقي والتلحين، ولكن مع الأسف كانت خبرتي في هذا المجال محدودة جداً. وربما لا أكون نموذجا حسنا في هذا المجال، ولكن غيرتي وخوفي علي جيل المستقبل من الأخطاء التي قد أكون من مرتكبيها والتي قد أرتكبها الكثير من الموسيقيين ــ وبخاصة الملحنين في معظم الأجيال ــ تدفعني إلى أن أقوم بتلخيص ما تعلمته بخصوص هذا الموضوع،وما أفهمه أيضاً من قراءتي لبعض الكتب والمراجع الموسيقية.

أسأل الله أن أوفق في إيصال ما أتعلمه مساهمة مني في أن يعم العلم والنور على الموسيقي الصاعد.

فكر كأنك موسيقار:

-       الموسيقى هي نوع من أنواع الفنون، وتتشكّل وتتكوّن باستخدام الوقت كخامة. وتنتهي أي مقطوعة موسيقية بانتهاء آخر صدى من آخر نغمة تُعزف.  هذا النوع من الفن يتطلّب تركيز المستمع طوال وقت العزف وإلا ستضيْع فرصة الاستماع.  ولكن مهمتنا كموسيقيين هي جذب انتباه الجمهور لعمل فني راقٍ يستحق التركيز.  ونستطيع القول بأن الموسيقى هي فن نحت الوقت.  فنتخيل الثلاث دقائق أو الساعة من الوقت مثل قطعة الرخام التي تنتظر النحات لكي ينحتها فيوصِل فكرة أو يوصل مشاعر معينة يريد إيصالها. كأي نحات يحتاج إلى معرفة أساليب و تقنيات خاصة لنحت الرخام ولإيصال ما يريد إيصاله من خلال المنحوتة الفنية.

-       لكل مدرسة موسيقية أسلوبها الخاص: موسيقى الجاز، الموسيقى الغربية الكلاسيكية، الموسيقى العربية الكلاسيكية (المقامية)، الموسيقي التقليدية الموريتانية ( الهول أو أزوان ) التي تمزج بين الموسيقي العربية والموسيقي الإفريقية.  كل مدرسة تتميز وتتطلب مهارات وتقنيات معينة. وعلى الموسيقي الجاد إدراكها لكي يستطيع أن يعبر بما يشعر من أحاسيس ومشاعر وأفكار.  وبتحديد واختيار المدرسة التي يريد المرء التعبير بها ليسهل معها تعلم الموسيقى.  فمثلاً يدرس الموشحات العربية أو السيمفونيات الغربية أو يتعمق في بحر الموسيقات الإفريقية أو الموسيقي الهندية ومهارات الخماسيات والأدوار الموسيقية وبعض القصائد الملحنة لو أراد أن يتبنى المدرسة الكلاسيكية العربية أو الغربية أو الإفريقية أو الهندية.  باختصار، النظريات الموسيقية وعالم الموسيقى واسع جداً، نصرف كل أعمارنا في تَعَلُّم التقنيات والأساليب المختلفة لجميع المدارس دون تحقيق الكثير. لذلك نصيحتي هي اختيار المدرسة التي تتناسب وذوق المرء كفنان. ولذلك على هذا المرء أن يثق بذوقه كموسيقي لا ذوق الجمهور فقط.  وهنا يحضرنا ما قاله الملحن الكبير رياض السنباطي لإبنه الفنان أحمد السنباطي بخصوص التركيز على الموسيقى العربية أو الغربية: “ يا ده، يا ده.” وكان يقصد أن على الموسيقي التركيز على الموسيقى العربية أو الموسيقى الغربية، وإلا فسنمضي العمر كله لمعرفة أسرار هذه المدراس. ولهذا دعوتنا إلى التركيز.

-       إذا أردنا الدمج بين أكثر من مدرسة فلا مانع من ذلك، ولكن يشترط فهم عميق لكلا المدرستين.  وقد يقول البعض إن المدارس والأساليب الموسيقية تحد من إبداع الموسيقي وتقيّد حريته.  ولكن هل شبكة لعبة التنس تعتبر عائقاً للاعبين؟  الإجابة لا، فالشبكة تعتبر منظما لهذه اللعبة وأساساً يبني عليه كل لاعب.  كذلك المدارس والأساليب الموسيقية التي تعرف عند المختصين تجعل عمل المرء كمطور في الموسيقى واضحاً. لأنه معروف أن لكل مدرسة شكلها وخصائصها التي تمتاز بها.  فعندما يضاف الجديد على هذه المدرسة أو تلك تكون بمثابة براءة اختراع للمرء الذي قام بالإضافة.  باختصار: اختيار مدرسة موسيقية لا يقلل من إبداع الموسيقي بل يجعله أكثر إدراكاً لصنعته الموسيقية من حيث ما صُنِع من قبل وما عليه أن يطور ويبتكر كفنان في هذه المدرسة. بعد ذلك، يصار إلى اختيار القالب الموسيقي الذي يراد التأليف أو التلحين به. هل هو سماعي أو دولاب، هل هو تلحين قصيدة أو طقطوقة. اختيار القالب مهم لإعطاء الشكل المناسب للعمل الفني. بعد ذلك يحدد المقام أو النغمة المراد إيصال المشاعر من خلالها. فمثلاً مقام الراست  أو "فاقو" (عندنا) لِلَحن أو نشيد فرح، ومقام الصبا أو "الين" (عندنا) لإيصال إحساس البكاء والحزن الشديد، وهكذا. يجب اختيار المقام الذي يتطابق مع الفكرة.

-       مع كثرة سماع المعزوفات والأغاني قد لا يحتاج المرء إلى أن يفكر كثيراً بالمقام المناسب إذ يولد اللحن من المقام المناسب بدون تفكير مسبق.  لذلك، يُنصح بأن يكون للموسيقي مخزون ضخم من سماع الموشحات والأغاني وأنواع الموسيقى من شتى البلدان.

المصدر: مجلة نواكشوط الموريتانية