خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

تعالوا نرتقي بمسامعنا

. قضية موسيقية

افرايم بشار

 

من خلال متابعتي للتجربة التركية في الموسيقى والغناء كمشاهد ومحب للفن الشرقي الراقي ـــ وأنا لست بذاك الخبير في علومها وإن باتت أذني تتألم من بعض شؤونها وشجونها العربية ـــ لاحظت كثرة عدد فرق الغناء الجماعي لديهم والإقبال الجيد عليها، كما لاحظت أن لديهم ثلاثة تصنيفات أساسية ومستقلة لأنواع الموسيقى والغناء التركي.

الصنف الأول لديهم هو ما يدعونه(Turk Sanat Musik) أي الموسيقى التركية الفنية، والثاني(Turk Halk Musik)  أي الموسيقى التركية الشعبية، والثالث(Turk Hafif Musik) أي الموسيقى التركية الخفيفة. ومن الملاحظ أنهم يحترمون خصوصية وعراقة كل واحدة منها، كما أنهم يعطون كل صنف حقه وحصته في البث الإذاعي والتلفزيوني فلا يمزجون بينها أو يهجنوها في الصنفين الأولين، فالمقامات والإيقاعات شرقية خالصة والآلات الموسيقية هي آلات التخت الشرقي حكماً بما فيها آلاتهم الوطنية، فلا وجود لأي آلة غربية.

الصنف الأول الفني غالباً ما تؤدي أغانيه فرق الغناء الجماعي وهي تضم نخبا من الهواة والمحترفين، وكل منهم مطرب بحد ذاته، إذ عادة ما يقدم كل فرد من الفرقة أغنية فردية بصوته. ناحية مهمة لا بد من الإشارة إليها وهي أنهم يذكرون عند تعريف الأغنية أنها من المقام كذا، إضافة لتعريف المغني والملحن والمؤلف معاً، وهذا ما يساهم  في زيادة وعي الجمهور لجهة فهم المقامات وأصوات كل منها والفرق بينها.

أما بالنسبة للصنف الثاني الشعبي، فهو يؤدى ويعزف باستخدام الآلات الشعبية التقليدية حكماً والتي توارثوها عن أجدادهم، فلا تهجين، ولا طغيان لأورغ، ولا لقرقعة درامز أو طنين وجهير من غيتار كهربائي، تسمع فقط صوت الآلات الشعبية بنقائها، من بزق وعود ورق وناي ومزمار الخ ..، فو الله لقد حنت آذاننا لسماع أغاني الأجداد هكذا بأصولها وبجمال أصواتها.

الصنف الثالث الخفيف هو للغناء العادي الحر الفردي أو الجماعي، الصافي أو المهجن بما شاء من الآلات، أو ما شاء من تجريب واجتهاد وتلوين واستيراد فني، فالحدود مفتوحة على إبداعه وإبداعات العالم، ولكن بالنتيجة بقي الصنفان الأولان صافيين نقيين بأصولهما وتقاليدهما.

أما نحن، طبعاً يوجد في موسيقانا هذه الأنواع وأخص منها الصنفين الأول والثاني، فلدينا ما لا يقل عنها جمالاً وأهمية ومواهب، لكنها حاضرة غائبة، مغيبة، وإن كان لها روادها وفرقها.  لكن القضية تكمن في أنها غير منضبطة بعض الشيء بقواعد أو تقاليد راسخة، فالأمر عادي أن تصعد أمامك فرقة غناء، أو من يدعو نفسه مطربا من النوع الأصيل، ليتحفنا بأغنية شعبية أو تراثية وخلفه جوقة من العازفين على كل الآلات الغريبة العجيبة، والتي لم يعرفها أهل هذا التراث أصلاً ولا تمت لهم بصلة، حتى باتت آلاتنا الشرقية والتقليدية تنقرض أو تكاد، فهذا برأيي كمستمع ليس تطورا ولا تطويرا، إنه مسخ ثقافي. كما أن النوعين الفني والشعبي لدينا مسلوبا الحقوق من حيث  التواجد والانتشار الجماهيري، وبالتالي فهما محرومان من فرص إضافة رصيد قومي جديد لهما، أمام زحمة وطغيان ما يروجه أرباب تجارة الغناء وصناعة مغنيي الفرقعة والقرقعة والوجبات السريعة.

الآن، وبعد أن قرأتم معي هذه التجربة وهذه الملاحظات، ألا توافقوني الرأي بأن نقول معاً ما أحلانا لو حاولنا مثلهم.  وأنا لا أدعي هنا بأن التجربة التركية مثالية أو الوحيدة في العالم، لكنها تجربة ناجحة واضحة للعيان، وأنا أوردها هنا دون غيرها لأنها بمقومات فنية وموسيقية هي الأقرب لموسيقانا العربية من حيث الآلات والألحان والمقامات الشرقية فهي واحدة تقريباً.

بتبنينا لمثل هذه التجربة، أو فلنقل باعتماد قواعد تنظيمية محددة وتقاليد مدروسة لموسيقانا وأغانينا، نرتقي بالفن وأهله، ومتلقيه من أبناء وطننا، إذ أولاً نرتقي بمسامع أولادنا وذوقهم، ونعرفهم بشكل واضح على جمالية وأصالة وسمات تراثنا ككل صنف على حدة، دون تطاول وطغيان الصنف الآخر عليه، وثانياً ننفض الغبار عن العديد من المبدعين في موسيقانا ونفتح أمامهم فرص العمل والإبداع، والتلوين الفني.  وإني لأجزم هنا بأننا لا نستخدم من مجموعة مقاماتنا الموسيقية العربية الرائعة، سوى القليل الشائع، كالصبا والحجاز والنهاوند وما هنالك، من بعض المقامات، الأساسية أو الفرعية مع بعض الإيقاعات المطابقة لها فقط، أما الباقي من هذا التراث القومي، فلا يعلم به سوى الخاصة، وهو مركون في طيات مسودات مبدعينا.  

أول ما يخطر ببالي في مجال التطبيق العملي لهذه الفكرة، هو تشجيع الصنف الأول (الفني) والثاني (الشعبي) وذلك بتشجيع الفرق الشعبية والجماعية الموجودة، والعمل على زيادة عددها، وفتح فرص الانتشار لها، وتشجيع المنافسة فيما بينها، فلدينا ــ ما شاء الله ـــ عدد لا بأس به من المحطات الإذاعية والتلفزيونية التي تتحفنا بوابل من الأغاني الرائجة أو المراد ترويجها وتسويقها، وجلها من الصنف الثالث (الخفيف) ولكن من المستوى الهابط. يمكننا الفرض أو التحفيز بوسائل دعم مختلفة (مهرجانات، مسابقات، حوافز مالية، ضريبية، معنوية، الخ ...) بتبني هذا المشروع من قبل هذه المحطات، من حيث التوزيع العادل لنسبة ساعات البث لكل صنف فني، بما يدعم فكرة إعطاء كل صنف حقه وفرصته، كما يمكننا إلزامها بأن يكون لديها فرقة موسيقية أو غنائية خاصة بها تضم الهواة والمحترفين، وبذلك نزيد من فرص العمل الراقي لفنانينا ومواهبنا بعيداً ما أمكن عن المطاعم والمرابع الليلية، ونحقق بذلك النتائج المرجوة بما فيه الخير والفائدة للوطن والأمة جمعاء.

رسالة نوجهها إلى المعنيين في وزارات الإعلام بمؤسساتها، وإلى وزارات الثقافة لأن القضية هي قضية إرث ثقافي للأمة، إلى نقابات الفنانين، لتـتابع شؤون هذا التلوث السمعي الممرض، فهل من مجيب ؟، أم لا فائدة ترتجى بعد الآن، فلقد أصابنا هذا التلوث بالصمم وما عدنا بسامعين ولا مسموعين ؟! .

 

موقع قنسرين الالكتروني