خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

سؤال تتجاهله الفضائيات ... أين الأغنية السودانية عربيا؟

. قضية موسيقية

تمشي معاي وتروحي

وتمشي معاي وسط روحي

ولا البلقاهو بعرفني

ولا بعرف معاك روحي

مثل هذه المضامين الوجدانية الحلوة، يبدو أن قدرها أن تنفرد الأذن السودانية وحدها بالاستماعلها، ولو قُدر للدوش صاحب النص المتفرد هذا، أن أغنيته هذه ستبقى حبيسة الجينات السودانية فقط، لما قالها أصلاً، فمفرداتها تعانق الإنسانية كلها.
ولكن قدر الأغنية السودانية أنها -ومنذ ولادتها- تعيش محلية مدقعة وإقليمية محدودة، فيما تنفرد الفضائيات والإذاعات الخاصة بـطمس الحس الغنائي في بثها لهكذا أغنيات:

سو يا سو.. حبيبي حبسو..

أو.. العنب العنب.. أحمر و(بمبي)..

 

ليأتي دورنا الآن في حق طرح الأسئلة التي ليست لها إجابة مرحلياً.. لماذا لم يكن للأغنية السودانية حظ من الانتشار؟ لماذا ماتت في حدودها الإقليمية اليابسة ولم تكسر حاجز الاستماع الدولي أو أبواب المجتمعات والمحافل الدولية؟ من حقنا أن نسأل: هل
اللهجة هي السبب أم السلم؟

 

عندما بدأ اللبنانيون وأهل بلاد الشام عموماً في السنوات السابقة في منافسة مصر على سلم الغناء العربي، انتبهوا إلى أن لهجتهم العامية غير معروفة لدى الكثيرين من الدول العربية، بل إنها غير مفهومة، لذا كانوا يقومون بكتابة نصوص الأغاني على شاشة الفضائيات متزامناً ذلك مع أداء المطرب لها، لذا كانوا يعرفون موقعهم وكانت تجربة ناجحة جداً، أدت لحفظ معاني ومفردات اللهجة الشامية في مجمل أرجاء الوطن العربي، مما أدى بعدها إلى تفاعل المستمع العربي معها؛ واليوم توقفت ظاهرة كتابة النصوص في مصاحبة الأداء بعد أن أدت دورها بنجاح ولم يعد من حاجة إليها.

إذا كان عائق انتشار الأغنية السودانية هو اللهجة العامية فلماذا لا نقوم بكتابة النص على شريط الأداء الغنائي ليفهمنا الآخرون؟

 

مطربون كسالى

يرى بعض المطربين الكبار من صفوة السودانيين أن مسألة اللهجة السودانية وكونها صعبة على بقية العرب، كلام غير منطقي، فهم يرون أنها ليست بأصعب من اللهجات الشامية ولهجات شمال افريقية، والدليل أن بقية العرب اليوم يستمعون للأغنيات الغربية والهندية واللاتينية، حتى دون فهم مضامينها.  ربما يكمن الخلل في "كسل" الفنان السوداني إذ ليس لديه مبادرات التجاوز الجغرافي، وحتى إن غنى الفنان في الخارج، فانه يغني فقط للجالية السودانية، ولا تتضمن أغنياته نصوصاً للجاليات الأخرى حتى يستميلهم.


فيما يرى آخرون أن موسيقانا السودانية تحتاج إلى مزيد من الترتيب والتوزيع لكي يستمع لنا بقية العرب، ويرون أن نقوم بنشر أغنياتنا لتصل أذن المستمع العربي وأن نحترمه، فما نشاهده اليوم عبر القنوات السودانية، لا يرقى إلى المستوى المطلوب حتى يقنع المستمع العربي ليجلس أمام شاشاتنا التي تعتبر جميلة بمفهومنا نحن كسودانيين، ولكنها بالمفهوم العربي بئيسة جداً، ففي أغلب الدول العربية انتشرت اللهجات المصرية والخليجية والشامية اليوم، وأصبحت عادية في كل الفضائيات، وذلك عبر انتشارها بواسطة المسلسلات والأفلام وكثافة الأغنيات، وأضحت لها الكلمة العليا في الانتشار.

 

وإذا كان السبب السلم الخماسي، لكانت الموسيقى الصينية حبيسة الصين، والهنود لهم سلم خماسي ومع ذلك انتشروا في كل العالم وهكذا غيرهم، فهل السبب في اللهجة العامية.. أم في الأجهزة الإعلامية..؟

 

فمع وجود هذه الكثافة في القنوات الفضائية السودانية الرسمية والخاصة، لم ينجح أحد.. وقديماً وقبل كل ذلك كان نجاح "المامبو السوداني" و"ازيكم كيفنكم" للراحل سيد خليفة في زمن لم تكن توجد فيه الفضائيات..!!

 

صوت مبحوح

الفنان د. محمد وردي أجاب عن السؤال بقوله: هناك صعوبات في انتشار الأغنية السودانية في المحيط العربي، لاختلاف السلالم الموسيقية واللهجة العامية، ولكن إذا أردنا الانتشار فان ذلك لا يتأتى إلا بشعر يتناول اللغة الوسيطة المفهومة لدى العرب، لا الممعنة في المحلية.

 

وترى الفنانة سميرة دنيا بأن الأغنية السودانية يمكن أن تنافس رصيفاتها العربيات بكل يسر، فقط ينقصها تسليط الضوء عليها باختيار مفردات غنائية واضحة ومفهومة لكل الأشقاء العرب، وخير دليل على  ذلك ما غناه الراحل سيد خليفة، والذي سجّل من خلال هكذا مواصفات في الأغنية السودانية حضوراً طاغياً عربياً ومحلياً إلى جانب الفنان المصري محمد منير الذي اشتهر بترديد رائعة الفنان وردي "وسط الدائرة".

 

نجاحات مختلفة

قبل سنوات اختارت منظمة اليونسكو أفضل مائة أغنية على مستوى العالم للقرن العشرين الفائت، وفازت من بينها أغنية عربية واحدة فقط هي "الأطلال" لأم كلثوم من كلمات إبراهيم ناجي وألحان رياض السنباطي، وفازت الأغنية بالمرتبة العاشرة، وهي مرتبة متقدمة جداً، علماً بأن أعضاء لجنة التحكيم الدولية لا يعرفون اللغة العربية، ومؤخراً لفتت المغنية السورية "زينة افتيموس"، إحدى المشاركات في برنامج ستار أكاديمي، الأنظار إليها بشدة بعد أن أجادت أداء أغنية "أسمر جميل" للراحل إبراهيم الكاشف، وذلك في مهرجان "جوقة" السوري، وأدت زينة الأغنية بمصاحبة كورال وبخلفية كتب عليها "أغنية سودانية للفنان السوداني إبراهيم الكاشف،" وتجاوب الجمهور مع زينة وهي تؤدي الأغنية تجاوباً منقطع النظير، رغم أن الأغنية سودانية.. وعلى السلم الخماسي..!!


أين المشكلة..؟

ومع هذا يرى بعض النقاد الفنيين أن الأغنية السودانية تتبع أسلوباً لا تتبعه الأغاني العربية والغربية، ويرون أنها ليس لها دافع فهي تتحدث عن مضمون واحد، مما فتح الباب لأنصاف المطربين ليقولوا إنهم سـ "يحبشون" الأغنية السودانية، أي يجعلونها "حبشية" حتى تنتشر. ويرى آخرون أن علة الأغنية السودانية هي نفس علل باقي الدول العربية مثل ليبيا وتونس واليمن والمغرب وسلطنة عمان كذلك..

المغني السوداني المصري عصام كاريكا يقول: للسلم السوداني والأغنية السودانية خصوصيتها وإن بدت غريبة بعض الشيء عن الأذن العربية التي ألفت السلم السباعي.  رغم أن الأغنية السودانية رائعة ولها عشاقها، حقيقة ينتابني الحزن عندما أجد القنوات الفضائية وهي مليئة بكل ألوان الفنون والأغنيات العربية، بينما لا أجد أحداً يعرف عن الفن السوداني والغناء السوداني الكثير.

 

المصدر : صحيفة الراكوبة السودان