خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الطرب العربي.. بصمة في عالم الموسيقى

. قضية موسيقية

فرحان عيسى

في العام ١٩٦٨م، غنّى الفنّان صباح فخري أربع عشرة ساعةً متواصلةً في مدينة كاراكاس الفنزويلية، فأطرب الحضور بصوته العذب، ولفت راهب القدود الحلبية أنظار العالم إلى الطرب المتميز في الموسيقى الشرقية، معرّفاً بهذا اللون الغنائيّ العتيق بأصالته والمختلف عن بقية الفنون والمستقل بذاته ونشأته.

من منّا لم تطرب روحه لصوت الفنانة أم كلثوم مبدعة "سيرة الحب" و"أنا في انتظارك"، ومن منّا لم يقف حائراً عند إنصاته لصوت أسمهان يصدح بأغانٍ لا تنسى مثل "ليالي الأنس في فيينا" و"يا بدع الورد يا جمال الورد".

وهناك الكثير من الشخصيات العبقرية، التي أوصلت أغنية الطرب الشرقي إلى ذروة جمالها، وساعدت على نهضة الموسيقى العربية التي تأصّلت فينا ومنحتنا هويّتنا الفنيّة الخاصّة، ومن هؤلاء العمالقة نذكر: فريد الأطرش، محمد عبد الوهاب، طلال المدّاح، محمد عبده، سيد درويش، عبد الحليم حافظ، صبري مدلل، ميادة الحنّاوي، جورج وسوف، وديع الصافي، نصري شمس الدين، فيروز، الشحرورة صباح. فهؤلاء وكثيرون غيرهم، استطاعوا التطريب في أغنياتهم التي تحمل في طياتها انعكاس زمن جميل قد يكون ذهب ولن يعود مجدداً.

الطرب الشرقي عموماً هو منظومة غنائيّة متقنة، ولونٌ موسيقيٌّ عذب وجب على مؤديه امتلاك إمكانات صوتية رفيعة المستوى وطبقات غنائية مرنة، ليستطيع تطريب الأغنية التي يؤديها، وهو إحساس غني يصل إلى المتلقي، فيثري قلبه بالمشاعر الإيجابية التي تولد من تناغم الموسيقى مع الصوت والألحان، فتشكل مناخاً موسيقياً متماسكاً، وهو لغوياً خفة وهزة تثير في النفس بهجة أو ارتياحاً.

وما أضافه الطرب إلى هذه الموسيقى كان علامة فارقة ميزتها عن غيرها. فهل هذا الفن مهدد بالنسيان؟ وهل هو فن ضعيف في بنيته أمام الموسيقى الغربية؟ وما موقف الشباب العربي من وجود هذا اللون الغنائي المتميز في الثقافة السائدة في مجتمعاتنا؟

مع رحيل العصر الذهبي لأغنية الطرب، بالتزامن مع انتشار النمط الغنائي الغربي، كان لا بد للجيل الجديد من أن يقف موقفاً إيجابياً تجاه هذا الاجتياح، والذي تسبب بتخريب النمط الغنائيّ الأصيل للأغنية العربية، ونشوء فن غريب عن ثقافتنا، ازداد وجوده في المرحلة الأخيرة بشكل ملحوظ.

يمتاز الفن العربي التقليدي بطابعه الطربيّ وسلّمه المقامي، وإيقاعه المبني على إيقاع الشعر والمكمل لبنيته اللحنية، وهذه الخصائص رسخت هويّة الغناء العربيّ منذ بداياته وتطورت الموسيقى العربية بطريقة أفقية، فطورت مقاماتها اللحنية وإيقاعاتها.

تتميّز الموسيقى العربية بمقاماتها التي تتجاوز مائتي مقام، كما تتميّز بقوالبها: السماعي واللونغا والتقاسيم والمعزوفة والارتجال والموشحات والأدوار والأناشيد.

أما الموسيقى الغربية فحصرت نفسها في نوعين محددين من السلالم الكبيرة (ماجور) والصغيرة (مينور). وقوالب الموسيقى الغربية: الأوبرا والأوبريت والأوراتوريو والسيمفوني والليد والكونشيرتو والسوناتا.

فهل تحتفظ الأجيال القادمة بهويتها الفنيّة وثقافتها الموسيقية الأصيلة؟ ومن هم المسؤولون عن ظهور فنون مبتذلة في مجتمعاتنا، لا ترتقي في بنيتها إلى مستوى موسيقانا العربية الأصيلة؟
وفي كل الأحوال يبقى الطرب المهيمن الوحيد على مشاعرنا، فمهما تنوعت أذواقنا وتعدد إعجابنا بأنماط موسيقية أخرى، لن نختلف بشأن أغنيتنا الأصيلة بتختها الشرقي وكلامها العذب وألحانها المبهجة، والتي تعرف بهوية حضارتنا الغنية، وتمثلنا أمام العالم أجمع.   فأغنيتنا هي تراثنا الأصيل الذي نفخر ونعتز به كفن قادر على إطرابنا وإدخال البهجة نفوسنا، وهذا ما أكده الفيلسوف الإغريقي أفلاطون بقوله: "من حزن فليستمع للأصوات الطيبة، فإن النفس إذا حزنت خمد منها نورها، فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد".