خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقانا في أزمة

. قضية موسيقية

متابعاتي الدقيقة والمتأنية لحال الموسيقى العربية، منذ سنوات طويلة، من خلال ندواتها ودراساتها وأمسياتها وأعلامها وناقديها، وضعتني في حال أستطيع القول فيه بثقة إن هذه الموسيقى الجميلة الرائعة، في وقتنا الراهن، قد أحاطت بها مشاكل كثيرة، أدت إلى تدهورها وتدني مستواها، وفقدها أصالتها وهويتها المميزة بين موسيقى العالم؛ والسبب يعود في الدرجة الأولى إلى الاقتباسات والإدخالات اللحنيّة والإيقاعيّة الجديدة التي دخلتها بشكل غير متجانس، ولا يتماشى مع جوهر الموسيقى وهويتها الأصيلة.

لا أنكر وجود تجارب موسيقية جيدة نجحت في التعامل مع التراث العربي وطرق المزج الموسيقي قدّمها: عطية شرارة - جمال عبد الرحيم- عزيز الشوان- أبو بكر خيرت- عمر خيرت- صلحي الوادي - بليغ حمدي- عمّار الشريعي وغيرهم ممن وصلوا إلى نتيجة مفادها: لا ضير من الاستعانة بالآلات الغربية في موسيقانا العربية، شريطة أن يكون استخدامها بذوق وفهم ووعي حتى لا تطغى على الآلات العربية وتضيع معالم «ميلودية» العمل الغنائي وتفسدها، وبحيث لا تؤثر في هوية الموسيقى العربية وأصالتها، وهي ولاشك تضفي على الألحان أبعاداً جمالية وحسيّة فضلاً عن تجسيد عنصر التعبير، وإن كان من الأفضل عدم استخدامها في الألحان ذات ثلاثة أرباع الصوت الذي يتعّذر على الآلات الثابتة عزفها على الوجه الذي يرضي المستمع الشرقي الواعي مهما بذلت الجهود لتطويع تلك الآلات لأداء المقامات الشرقية.

بكل أسف، بعد رحيل جيل العمالقة، أم كلثوم، محمد عبد الوهاب، فريد الأطرش، عبد الحليم حافظ، وردة الجزائرية وخلو دولة الغناء العربي من رموز الفن الأصيل، ظهرت في الساحة بعض الأصوات غير المدرّبة التي أدت نوعاً من الغناء أطلق عليه تسمية "الأغنية الشبابية"، وهو أداء مصاحب بالتصفيق والإيقاع الصاخب، ومغرق في السرعة والآلات الالكترونية البعيدة عن الأذن العربية، التي تتشّوق لسماع الأصالة والطرب والإبداع، وتتذوق النغمة الصادقة التي تصل إلى القلب، والكلمة الهادفة.

أذكر أن المؤلف الموسيقي الراحل توفيق الباشا، شبّه الموجة التي تتصف بها الأغنية الشبابية بالهجمة التترية، وأبعد عنها  صفة الموجة، إذ إن الموج يتولد من بعضه، وكل موجة جديدة تأتي بالأحدث والأقوى؛ إنه التطوّر الطبيعي نحو الأكمّل والأجمّل.  ومصطلح الأغنية الشبابية، تغطية سخيفة للرداءة، وكأن الشباب لا يعطي إلا السهل والزائف من الفنون ولا يقبل إلا به، علماً أن ما من فن أو أدب إلا وكان تطوره على أيدي الشباب ممن يتحملّون مسؤولياتهم الفنيّة والإبداعيّة.

الأغنية العربية الحديثة، التي نستمع لها منذ عقود زمنية عديدة، هي بكل أسف، شريحة نغميّة وإيقاعية ضيئلة ومشّوشة، وعاجزة عن احتلال مساحة حقيقيّة، ولو صغيرة، في أي قالب غنائي، لأنها ليست دوراً ولا قصيدة ولا موالاً، وإنما هي شذرات هجينة، غير غنائية مصبوبة في أفرع ضعيفة جداً، من أجناس نغمية تنتمي نظرياً إلى بعض المقامات العربية المتداولة، وإلى إيقاعات بدائية. وهذه الأغاني لا تعطي المستمع إلا ضجة عالية تدعوه إلى النهوض بالانهماك مع الآخرين في الرقص، وقد انقطعت الصلة تماماً بين صناعة الغناء التراثي الدقيقة، وبين الملحنين والمغنين الجدد، فلا يمكن أن نتحدث في وقت واحد عن الأغنية العربية وأغنية الشباب، لأنهما أصبحتا نقيضتين من الناحية الفنية.  ونلاحظ التشويهات التي لحقت بجميع المقامات والإيقاعات العربية في الأغاني الشبابية، وازدادت بدخول «السانثيسايزر» و«السامبلر» و«نظام الديجتيال» و«الليزر»، وكلها ساهمت كثيراً في تسريع كميّة الإنتاج الموسيقي والغنائي الخالي من المعايير العلميّة الموسيقية، ابتداء من اللغة الشعرية والمقام الموسيقي وطريقة الغناء وتحديداً تقنيات الغناء العربي.

المصدر : ألف باء الأخبار الالكتروني