خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

في ترسيخ العلم الموسيقي العربي

. قضية موسيقية

علي الأحمد

لم يكن الموسيقي العربي القديم معزولا عن االعوالم الموسيقية المجاورة بفعل الارتحال الثقافي المستمر حين بدأ بتشكيل وترسيخ معالم أولية للنظام الموسيقي العربي انطلاقا من العناصر الموسيقية الوطنية بما تملك من موروث غني وممتد من الأنماط والتقاليد التي وضع أصولها الموسيقيون الحجازيون نحو القرن الأول للهجرة.

ومن هذه الإرهاصات المهمة تم تحصين عناصر الهوية المائزة من الذوبان والتلاشي ، ليتابع الموسيقي العربي القديم سفره الدائم نحو ضوء الحضارات البعيدة، بإرثها الموسيقي الزاخر بالعلوم وتقاليد الكتابة والممارسة كما فعل الموسيقي "ابن مسجح" حين ارتحل مرارا نحو هذه الموسيقات خاصة الموسيقى الفارسية التي تعلم عبرها فنون الغناء الفارسية بتقاليدها العريقة ولم يكتف بذلك بل عمد إلى متابعة مسيره الثقافي المهم نحو الموسيقى الرومية ليأخذ الكثير من علومها خاصة طرق العزف على البربط وأصول العلوم الموسيقية المتقدمة، وهو ما ساعده في ما بعد بمشاركة مبدعين وعلماء كبار على وضع الأسس العلمية للنظام الموسيقي العربي القديم الذي كان يمتلك الكثير من العناصر التأسيسية الوطنية التي كانت بالرغم من حضورها الراسخ في الذاكرة الجمعية العربية بحاجة ماسة إلى التجديد وتخصيب مفرداتها بالعلوم الوافدة التي تعرف عليها العديد من الموسيقيين العرب بعد أن رفضت الطرق الفارسية والرومية التي تتعارض مع بنية هذا النظام العربي، وهو ما يعطينا خلاصة وافية عن تأصيل وترسيخ هذا النظام في المجتمعات العربية القديمة بما يدل أيضا على أن هذه العناصر الوافدة على أهميتها لم تكن سابقة لنظرية الموسيقى الوطنية العربية كما يؤكد ذلك البروفيسور "شهاب سرمدي" في بحثه المهم " دور الموسيقى العربية- الإسلامية في أووربا الوسيطة" حين يقول: جرى في الموسيقى الإغريقية التمييز بين المقامات إضافة إلى التمييز بين الأجناس، وعلى هذه السلالم اعتمدت كامل نظرية فيثاغورس عن الهارمونيات أو المقام الدورياني، وشكل ذلك كله النظرية الإغريقية في الموسيقى التي قال عنها احدهم بأن العرب قد (صقلوها وعقلنوها). لكن لابد لنا أن نتذكر أن النظرية الإغريقية لم تتقدم في الأرض العربية إلا بعد انقضاء ( العصر الذهبي ) .وفي الحقيقة لم تظهر آثارها الواضحة إلا أثناء عصور (الانحطاط)؛ أما قبل ذلك فكان للعرب نظامهم الذي يتبعونه ونظريتهم التي يمارسونها.   
كل ذلك يؤكد على أن العرب كان لديهم نظامهم الموسيقي الخاص الذي حافظ على حضوره في كافة المدارس الموسيقية التي تعاقبت في العصور الإسلامية بالرغم من قوة المؤثرات الخارجية. ويعود الفضل في ذلك إلى حكماء وفلاسفة العرب المسلمين الّذين وضعوا أسس ومعالم هذا النظام بأبعاده الوطنية الدالة كما نرى مع أبحاث الكندي والفارابي وابن سينا وابن المنجم وابن زيلة وجماعة إخوان الصفا وإبداعات منصور زلزل وإسحاق الموصلي وتلميذه النابغة زرياب، ومبدع المدرسة النظامية المنهجية العالم صفي الدين عبد المؤمن الأرموي البغدادي، وقائمة طويلة من العلماء الذين حموا هذا النظام من سطوة العناصر الدخيلة بالرغم من تمثل وهضم النظريات والعلوم الوافدة بفعل المثاقفة والحوارات الموسيقية التي لم تنقطع مابين كل هذه الموسيقات، وهو ما أفضى إلى ظهور تيار الحركة الرومانسية في الموسيقى العربية القديمة بما أضافت من ألوان مشرقة من الأفكار المقامية التي وجدت طريقها إلى قلب النسيج النغمي العربي وقبول السلم "الخراساني" إضافة إلى السلالم الموسيقية الفاعلة في الحياة الموسيقية العربية. وهذا يؤكد ومن دون لبس على أن هذا النظام المتأصل في الحياة العربية لم يكن أبدا من أصول فارسية أو إغريقية أو رومية كما يتبادر إلى أذهان البعض، وهذا ما يؤكده أيضا الفيلسوف " الكندي " حين يقول : إن دراسة الموسيقى إنما هي دراسة فنون عدة، ما يعنى أن هناك موسيقى عربية، وأخرى فارسية، وأخرى رومية، الخ. وبنفس الدليل العلمي نقرأ في رسائل "إخوان الصفا " ما يؤكد هذه الحقائق العلمية وهي موضوعة كما نعلم في القرن الرابع للهجرة: أما الشعوب الأخرى كالفرس والروم واليونان القدماء فإن لألحانهم وأغانيهم قوانين أخرى تختلف عن التي وضعت لألحان العرب وأغانيهم.

إن إدراك هذه الحقائق العلمية الموثوقة والموثقة في رسائل وأبحاث العلماء والفلاسفة العرب المسلمين على غاية من الأهمية لأن هناك من ينكر على العرب إسهامهم ودورهم المهم في بناء العلوم والنظريات الموسيقية، وكأن كل هذا التراث الغني من الأبحاث والرسائل العلمية لم تشفع لهؤلاء المتغربين ممن يرددون بشكل ببغائي مقولات الاستشراق العقيمة، ومع ذلك بقي هناك - من حسن الحظ - من يدافع بشجاعة ونبل عن مكتسبات هذا النظام ودوره المهم في إغناء وتخصيب الكثير من الموسيقات بفعل ترسيخ روح المثاقفة والحوارات الموسيقية التي لم تنقطع مابين الموسيقي العربي القديم وأقرانه في الموسيقات المجاورة، لتتأسس عبر ذلك النواة الحقيقية للعلوم الموسيقية التي ساهم في بناء معالمها وحضورها هذا الموسيقي محافظا في الوقت نفسه على بصمته وخصوصية هويته الموسيقية الوطنية التي ارتحلت مفرداتها إلى بقاع كثيرة من العالم لتتأكد هذه الحقائق الدالة وتنتشر مع مسير هذا الموسيقي الذي تفهم هذا الحوار كعامل إغناء وإثراء في سبيل الوصول إلى القواسم الإنسانية المشتركة.

ثورة أون لاين