خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

مفهوم القطعة الممتازة في موسيقانا العربية

. قضية موسيقية

علي محمد علي

هل عرفت موسيقانا العربية مفهومالتحفة الفنية(masterpiece)،كما هو حاصل في الموسيقى الغربية الكلاسيكية؟ أم أن الموسيقي العربي تجاوز هذا المفهوم نحو كتابة موسيقى عربية تستقي حضورها من عناصر وهوية منفتحة على الآخر بعيدا عن المفاهيم والقوالب الجاهزة التي قد لا تناسب أو تتماشى مع الطروحات الذوقية والجمالية التي يسعى هذا الموسيقي إلى استثمارها وإظهارها في منتوجه الموسيقي الذي قارب هذا المفهوم في كثير من الأعمال الكبيرة بكل المقاييس والمعايير النقدية والجمالية
-  مدعاة هذا الحديث هو إنكار البعض لوجود هذا المفهوم في الكتابة الموسيقية العربية المعاصرة ،وبالتالي غياب المعايير الجمالية والذوقية عن مفردات هذه الكتابة كما يزعمون ،وقد نسي هؤلاء ـــ وهم قلة على كل حال ـــ كيف أن هذه الكتابة تماهت في كثير من تجلياتها وتفاصيلها بالبعد الروحي الذي تعجز الموسيقات الأخرى من بلوغه أو الكتابه على نسقه خاصة على المستويين الأخلاقي والقيمي،كما نسوا ـــ بطبيعة الحال ـــ  المتعة الإستيطيقية الجمالية المجردة والتي لم تغب يوما عن ذهنية الموسيقي العربي الذي ارتحل طويلا في مسالك ودروب اللغة التعبيرية الباهرة التي لم  تَتَأَت"َإلا من خلال العناصر الوطنية وتخصيبها بشكل معرفي وعقلاني بعناصر وافدة حيث تفّهم هذا الموسيقي معنى ومغزى الحداثة والانطلاق نحو كل ما يثري هويته الموسيقية الدالة والكتابة المعاصرة من وحيها ومن موروثها النقي وتفرد أنماطها وتقاليدها ،دون أن يعني ذلك الانغلاق وترسيخ الجمود والسكونية المريضة،صحيح أن هناك الكثير من النتاجات الموسيقية العربية المعاصرة غيبّت هذا المفهوم في تفاصيلها ،بسبب سطوة وسيطرة البعد التجاري الذي يستسهل الكتابة من وحي التقليد واستنساخ الآخر التجاري في سبيل نيل بركات سدنة وكهنة تجار هذا الفن الذي مع الأسف بدأيفقد جذوته وتذبل روحه لأن المطلوب ــ وكما تريد منظومة العولمة وفخها المحكم ــ قتل الأب والقضاء على سلالته الإبداعية في سبيل إحلال كل ما هو لقيط وقبيح مكانه، لكن بالمقابل وفي الضفة الأخرى نرى موسيقيين كثرا  أصحاب رسالة حقيقية يقاومون كالفرسان النبلاء هذا القبح الممتد على خارطة هذا الفن ويسعون إلى تقويض ومحاصرة هذه اللغة التجارية الرخيصة الفقيرة إلى حد الموت عبر نتاجات تقول: لا ــ كبيرة وعالية ــ لإفساد الذائقة والبعد الروحي المسكون في حنايا اللغة الموسيقية الإنسانية العالية التي كانت ولا تزال هاجسا حقيقا للموسيقي العربي ومنذ الأزمنة القديمة والذي كتب من وحيها أعمالا ومؤلفات قاربت هذه الرؤية الآنفة الذكر،

     لقد استطاع هذا الموسيقي وبعد ترحال طويل في سفر الحضارات الموسيقية العثور على تلك الثيمة (الفكرة الرئيسة) المفقودة التي أهلته لان يكتب موسيقى عربية متميزة ومتفردة قاربت مفهوم "التحفة الفنية" كما نرى في إبداعات الرعيل الأول من الموسيقيين العرب بدايات القرن الماضي، ممن حاز معرفة موسيقية متقدمة أهلته ـــ وبعد أن خبر هذا المفهوم جيدا بحكم اختصاصه الأكاديمي في المعاهد والجامعات الغربية ـــ للشروع في ترسيخ هذه الرؤية الفنية المغايرة بطبيعة الحال للمقولات الموسيقية الماضية بما لها وعليها، وهكذا بدأ هذا المفهوم يطل على استحياء في بداية الأمر مع إبداعات الحداثي الأول في الموسيقى العربية الشيخ سيد درويش في كثير من تفاصيل لغته التعبيرية الباذخة جمالا وعذوبة، لتتواصل هذه الرؤية الموسيقية مع الموسيقار المجدد محمد القصبجي خاصة في أعماله الأولى لأم كلثوم واسمهان حيث نرى ملامح تعبيرية مذهلة في نسيج هذه الأعمال الكبيرة بكل المقاييس والمعايير النقدية "منيت شبابي ويا طيور" كمثال واضح على سعي الموسيقي العربي في بدايات القرن الماضي لأن يكتب موسيقى عربية غير منقوصة على المستويين الذوقي والجمالي ،تلامس إلى حد ما الأعمال الكبيرة في الموسيقات الأخرى، وهذا ما استلهمه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب صاحب الروائع الخالدة التي تركت بصمتها وحضورها ولا  تزال في ذاكرة الفن الموسيقي المعاصر، وهو هنا تابع مسيرة أستاذيه  الشيخ سيد والقصبجي، خاصة في مجال استلهام القيم التعبيرية والتصويرية في أعمال ونتاجات مغايرة اكتسبت أهمية خاصة ومميزة، لكونها وضعت هذا الفن على أعتاب الحداثة المنشودة والخروج بالتالي من مناخات التطريب السائدة التي فقدت جذوتها الإبداعية بعد مرحلة الجمود والسكون المريض سليلة الحقبة العثمانية العتيدة، وهكذا لامس هذا الموسيقار الكبير مفهوم القطعة الموسيقية الممتازة عبر نتاج ممتد وعميق " الجندول، النهر الخالد، قيس وليلى،" كنموذج واضح لعبقرية وتفرد هذا الفنان المبدع، وبدوره ساهم الموسيقار المتميّز فريد الاطرش بتشكيل هذه الرؤية المهمة في موسيقانا العربية، حيث كتب أعمالا مهمة قاربت هذا المفهوم وساهمت إلى حد كبير في إغناء مدرسة التعبير في هذا الفن "عدت يا يوم مولدي، بنادي عليك، الربيع،" على سبيل المثال لا الحصر، وسعى صاحب المدرسة الرومانسية في الموسيقى العربية المعاصرة الموسيقار الكبير محمد الموجي إلى وضع بصماته المميزة في سفر هذا الفن فكتب مجموعة من الأعمال الخالدة والكبيرة "جبار، قارئة الفنجان، وغيرها لنصل إلى مرحلة المدرسة الرحبانية فكرا وممارسة حيث أبدع عاصي ومنصور بمشاركة روحية من شاعرة الصوت البهي فيروز في نقل هذا الفن إلى مكانات وذروات إبداعية غير مسبوقة ،ومن خلال لغتهم المعرفية العالية استطاعوا أن يخلقوا معادلة موسيقية مهمة تنتصر للروح الوطنية الأصيلة كما تنتصرللبعد الكلاسيكي بلغته الموسيقية العالية فكرا وممارسة، حيث قدموا منتوجا موسيقيا عربيا يحمل دلائل معرفية وذوقية وجمالية غير مسبوقة، خاصة في أعمالهم المسرحية السامقة التي شهدت بزوغاً جديداً لمدرسة التعبير الموسيقي والأعمال الموسيقية التي قاربت هذا المفهوم كما نرى على سبيل المثال لا الحصر في " شال، ورح حلفك بالغصن، وقصيدة حب" وغيرها من أعمال موسيقية مهمة، تماهت مع أعمال فنانين كبار ساهموا وعلى امتداد الوطن العربي من تطوير حالة من الألفة الجمالية تستقي حضورها من ذاكرة الزمن الموسيقي، من موروث لا يزال ينبض بالحياة، ومن معادلة الأصالة والحداثة إسهامات بليغ حمدي وكمال الطويل وعمار الشريعي، ومدرسة بغداد للعود، وأسماء كبيرة على امتداد البلاد العربية أضافت ثراء وغنى على هذا الفن وأمدته بنسغ الحياة والعطاء مع هؤلاء الأوفياء الخلّص لروح الموسيقى الحقة، بالاشتراك ــ طبعا ــ مع أولئك الذين يكتبون موسيقى عربية تستلهم الصيغ الغربية المفتوحة على بوابات الجمال الموسيقي الذي يؤنسن ويجمل هذه الحياة، لتمنحنا دائما كل الأوقات الطيبة والهانئة كطعم القبلة الأولى التي لا تنسى.

المصدر : جريدة الثورة السورية