خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

تساؤلات حول صعوبة التأريخ للموسيقى العربية

. قضية موسيقية

أحمد عيدون

 

مدخل

ما من شك أن للعرب موسيقى غنية ومتنوعة وأن هذه الموسيقى قد اجتازت القرون الماضية لتصل إلينا متميزة عما سواها من موسيقى الشعوب الأخرى. لا شك كذلك أن الكتب القديمة تتضمن أخبارا عن الموسيقيين منذ صدر الإسلام مرورا بالعصور الأموية والعباسية والغرب الإسلامي إلى غاية العصر الحديث.

لكننا بالقياس مع مفهوم التاريخ كعلم وكمنهج نفتقد في ما تراكم من دراسات وتحقيقات ما يدعم وضوح هذا التاريخ٬ وصدقية وقائعه٬ إذ تمتزج الوقائع أحيانا بالخرافة٬ ويحل التمجيد مكان التوصيف الموضوعي٬ وتحضرالانتقائية قبل الاشتمال. وفي هذا الإطار كذلك تظل الشواهد المتوافرة شحيحة لا تفي بالغرض العلمي٬ ولا تؤسس لتأريخ فعلي.

فالتاريخ هنا عملية معقدة لا يمكن تفكيكها إلا بمنهج.  وفي تناول التاريخ لا بد من الحصول على المعلومات الصحيحة عن أنماط الموسيقى العربية وآلاتها وكيف تطورت في الزمان والمكان٬ وكذلك كيف تفاعلت هذه الأنماط مع الثقافات المجاورة أو الموجودة عند الأقليات الأصلية في المجال الجغرافي العربي. لذلك وجب توافر رصيد كبير من التدوينات للمؤرخين وأن تتأتى للباحثين إمكانية مناقشة صحة النصوص القديمة٬ بل نستنجد كذلك بالتفكير المنطقي لمعرفة الحقيقة أو على الأقل الاقتراب منها. ولكي نوضح هذا الأمر لا بد من مقارنة حال التأريخ عندنا مع ما وصل إليه التأريخ الموسيقي عند الغرب. لكن الحد الفاصل ما بين التاريخ وما قبل التاريخ يرتبط بوجود الوثائق من عدمها. ويضاف إلى شح الوثائق امتزاج الوقائع بالخرافة٬ لذلك نحتاج إلى منهج لبناء تاريخ جديد للموسيقى العربية.

التأريخ الموسيقي في الحضارة الأوروبية

لقد توصلت الحضارة الأوروبية إلى صياغة تاريخ محكم الحلقات لموسيقاها عبر حقب مضبوطة السنوات معززة بالوثائق والمدونات الموسيقية٬ ونشأت عندهم تخصصات دقيقة تهتم بكل حقبة٬ بل بكل موسيقي معروف٬ ولربما وصل التخصص إلى أبعد من ذلك٬ كأن يهتم المؤرخ الباحث مثلا بالفترة اللندنية لموزارت٬ أو بمراسلات بيتهوفن.

وفي هذا يمكن أن نعتبر بأن الموسيقى الكونية في نظر الأوروبيين لها ثلاث فترات كبرى هي:

-       ما قبل التاريخ٬ حيث لا توجد الكتابة بل فقط بعض الشواهد الأركيولوجية من رسوم ومنحوتات ومجسمات استخرجت من المعابد والمقابر ومن الحفريات.  وقد تمتد هذه الفترة إلى غاية بعض التأويلات الممكنة لنصوص التوراة والإنجيل.

-       الفترة القديمة٬ ولها علاقة بالتراث الإغريقي والروماني٬ وهي فترة وسيطة بين الإرهاصات الأولى للكتابة٬ والتدوين الفعلي.

-       فترة التاريخ وهي التي ظهر فيها التدوين الموسيقي٬ وتواترت فيه الأناشيد الكنسية٬ بحيث توافر للباحثين تدريجياً رصيد من الوثائق التي مكنتهم من تسطير الوقائع بصفة موثوقة.  وهذه الفترة التي تتوضح بالفعل مع عصر النهضة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، هي التي أسست لتاريخ الموسيقى الأوروبية ولكافة المناهج والعلوم المساعدة على تطور علم التاريخ وارتقاء مناهجه إلى مراتب الدقة والتمحيص.

أسباب التباين والاختلاف

لكن المقارنة لا تستقيم بفعل اختلاف السياق في الحالتين: حالة الموسيقى الأوروبية وحالة الموسيقى العربية. وتعود أسباب التباين أساسا إلى ثلاثة عوامل عقائدية٬ وثقافية٬ وفكرية:

1.    في الجانب العقائدي

كانت أوروبا المسيحية مضطرة لتقعيد الموسيقى بعدما هيمنت الكنيسة على التأليف الموسيقي لاستقطاب المؤمنين وتأجير كبار الموسيقيين٬  كما أن التدوين الموسيقي ساعد على تخليد صفحات من الموسيقى تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي.  بينما ظل الجدال إلى غاية اليوم قائما مع اختلاف في الشدة والفتور٬ حول تحريم السماع أو تحليله٬ مما جعل الموسيقى لا تحظى بنفس الرعاية.

وهذا لا يعني أننا نفضل نوعا من الرعاية على أي نوع أخر٬ بل نتناول هذه الخاصية بالعلاقة مع ما أسهمت به الكنيسة في التدوين٬ انطلاقا من "النومات" مرورا بالتدوين المتناسب وصولا إلى التدوين في المدرج.  وكذلك من مميزات هذه الرعاية أن توجه الملحنون إلى ابتداع أشكال من الغناء الديني من قبيل "الموتيت" و"الأوراتوريو" و"القداس" وغير ذلك.

وعليه، ما الذي تبقى لنا نحن العرب مثلا من "المئة صوت المختارة"٬ وهل يمكننا مثلا استرجاع ما لحنه الموصلي أو ابن باجة؟  ليس لنا إلا التصديق بما نسبته الكتب لهؤلاء وغيرهم٬ وترديد نفس الحكاية إلى ما لا نهاية٬ دون أي منهج نقدي٬ بل ربما نوصف بالعقوق إذا ما شككنا في القضية بمجملها.

2.    في الجانب الثقافي

قد نفرض أن الموسيقى في العالم الغربي كانت لها في بعض الفترات قيمة فعلية في بعض البلاطات٬ مثل ما نسب لمكانة الشعراء والموسيقيين في العصر العباسي الأول وفي بلاط قرطبة٬ أوفي الأستانة خلال  القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر. لكنها مجرد افتراضات تزكّيها بعض الأخبار المتناثرة. أما الحقيقة فهي أن المجتمعات العربية لم تعتبر يوما بأن مهنة الموسيقى تتعدى وظيفة اللهو والترفيه٬ ولا يجوز مقارنتها بالنتاجات الفكرية الشريفة كالأدب والفقه والفلسفة.

قد يقول قائل بأن الموسيقى في أوروبا كانت لها كذلك نفس الوظيفة٬ وكان الموسيقي مسخرا للكنيسة أو الأمير، وكانت مرتبته لا تختلف عن مرتبة الخدم.  لقد كان ذلك بالفعل إلى غاية قرون التنوير٬ بعدها تحررت الموسيقى من الوصايتين (الكنيسة والاقطاع) ليرتقي الفنان إلى أعلى المراتب في المجتمع. وهذا ما ساعد بالفعل على الاهتمام الجدي بالموسيقى والموسيقيين.

3. في الجانب الفكري

استطاع الفكر الأوروبي أن يستبطن التطور ويؤمن به وهذا بالضبط هو محرك التاريخ٬ فليس هناك تاريخ لا يؤمن بالحركية٬ بينما نجد فينا نحن العرب من يريد استرجاع القديم ويمجده كمن يريد إيقاف عجلة التاريخ. أين يتجلى فكر التطور في الموسيقى الأوروبية؟ إنه في تعاقب المدارس٬ في صناعة الآلات وفي تطور أدوات التأليف وخصوصا التعدد الصوتي وقوالب التأليف.

لقد عرف تاريخ الموسيقى في أوروبا مسارا تصاعديا منذ عصر النهضة الذي استقل قطار التاريخ والاسترجاع الصوري للقيم الجمالية في الموروث الإغريقي الروماني. ويكاد الاتفاق أن يحصل بين المؤرخين حول تحقيب هذا التاريخ في مسار أفرز بالتتابع عصر الباروك من 1600 إلى 1750 والحقبة الكلاسيكية من  1730 إلى 1830 و الحقبة الرومانتيكية من 1820 إلى 1870 وما بعد الرومانتيكية من 1870 إلى 1900 والفترة الحديثة والمعاصرة ابتداء من القرن العشرين.

وبالموازاة مع هذا التحقيب توجد مسارات تاريخية أخرى ومنها ما يتعلق بالآلات المرجعية وبقوالب التأليف. 

-         ونختزل النقطة الأولى في سلسلة من الإبدالات: فإذا كان العود هو المسيطر في عصر النهضة وبداية الباروك فقد لحق به الكلافسان قبل أن يستبدله الكلاسيكيون بالأوركسترا السمفونية ويمجد الرومانتيكيون آلة البيانو. بالطبع ظل الأرغن سيد الموسيقى الدينية.  ومن خلال الرصيد المكتوب لهذه الآلات نتوفر على إضاءات كثيرة حول تاريخ الموسيقى الأوروبية.

-         قوالب التأليف كذلك خضعت لمبدأ التنامي والتركيب والتنويع حيث تم تطوير التعدد وهيكلة الأعمال في قوالب وبنيات مضبوطة استفادت من المتتاليات القديمة والتنويعات اللحنية والإيقاعية والتوافقية والمعرفة التدريجية للإمكانات التقنية والتعبيرية لكل آلة من العزف المنفرد إلى التوزيع الأوركسترالي الكامل مرورا بموسيقى الحجرة (chamber music).

وهنا نشير إلى تضافر الجهود بين المؤرخين وعلماء الموسيقى بحيث يلتقي مجالاهما في هدف واحد هو تدعيم صحة الأحداث التاريخية وتأكيد نسبة المقطوعات إلى أصحابها بعد رصد المميزات الأسلوبية لكل ملحن ولكل عصر. 

بين التاريخ وما قبله

يسود الاتفاق بين المؤرخين على أن الحد الفاصل بين التاريخ وما قبل التاريخ يكمن في وجود الوثائق والمدونات أو عدمها.  فما قبل التاريخ هو على العموم تلك الفترة التي تمتد من ظهور الإنسان على وجه البسيطة وظهور الكتابة التي توثق لمظاهر من وجوده.  هذا التعريف يطرح عدة مشاكل بخصوص تعيين الحدود الكرونولوجية.

وليس هذا هو المشكل الوحيد لأن حديثنا عن الموسيقى العربية يجعل إشكاليا الاستنجاد بالحفريات التي اكتشفت في بعض الدول العربية مثل مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين٬ فما مدى عروبة هذه البلاد في تلك الفترات الغارقة في القدم.

نحن الآن في وضع المؤرخين الأوروبيين إزاء تاريخهم الإغريقي الروماني بحيث لم يكونوا يتوافرون على وثائق ومدونات٬ تماما كما نحن لا نستطيع أن نذهب بالتاريخ لأبعد من القرن التاسع عشر مع تعرف الباحثين على أعلام من هذا القرن استمر عطاؤهم إلى بداية القرن العشرين٬ فالشيخ عبد الرحيم المسلوب مثلا عاش القرن التاسع عشر بكامله واستمرت حياته إلى غاية 1928، كما أن سلسلة التلمذة مكنتنا من معرفة هؤلاء الأعلام من خلال تلاميذهم٬ ونستطيع نسبة العديد من المقطوعات إلى أصحابها.

تاريخ الموسيقى العربية يبدأ إذاً في القرن التاسع عشر٬ بينما يمكن أن نعتبر بأن ما قبل التاريخ هي تلك الفترة الطويلة التي تبدأ ببضعة قرون قبل الفتح الإسلامي٬ أي في جاهلية الجزيرة العربية.  وقد يساند بعض الباحثين أن مفهوم العرب أوسع من ذلك بكثير٬ لكننا نرى أن التخصيص سيساعدنا في الوصول إلى أحسن النتائج.  وتتباين كثافة المعلومات حول هذه الفترة بحيث تتمحور أهم المعلومات في العصر العباسي مع بروز كبار الفلاسفة الموسوعيين وحركة التدوين من قبل المهتمين بأخبار أهل الطرب (كتاب الأغاني نموذجا).

امتزاج التاريخ بالخرافة

ومن آفات التأريخ حضور الخرافة بشكل ملفت ممتزجة بالوقائع٬ ذلك أننا لا نكتفي بالإطناب وتمجيد بعض رموز الموسيقى العربية٬ بل نضيف حكايات غرائبية. وللتمثيل على هذه الخاصية نسوق قصة زرياب الذي نسج المؤرخون حوله أسطورة، فهو الموسيقي الموهوب الذي يكلم الجن ويبتدع الموسيقى الأندلسية من العدم ويحفظ عشرات الآلاف من الأشعار وهو من طور العود وعدل في طريقته وعدد أوتاره٬ إلى غير ذلك من المعلومات المتاحة لكل من يبحث في حياة هذا الموسيقي.

من حقنا أن نطرح عدة أسئلة تبدأ بالشك للوصول إلى ما يقترب من الحقيقة واليقين. وسنكتفي بالأسئلة التالية: هل لزرياب وجود فعلي؟  وما مقدار إسهامه في صياغة الموسيقى الأندلسية؟ وما هي حقيقة إضافته للوتر الخامس؟

أول بوادر الشك لدينا تبدأ حول حكاية زرياب مع أستاذه الموصلي في بلاط بغداد وغيرة الأستاذ من تلميذه. لم نجد ما يؤكد هذه الحكاية عند المؤلفين المعاصرين لهما٬ وأول ذكر للحكاية يعود إلى كتاب "نفح الطيب"٬ وقد اعتمد فيه المقري على مصادر قبله لم يصلنا منها سوى القليل كـ "المغرب" لابن سعيد و"مطمح الأنفس" لابن خاقان. وإذا كل هؤلاء لم يعاصروا زرياب فكيف يمكن الوثوق بما نقلوه لنا عنه ؟.  توفي زرياب في 845 بينما توفي الفتح بن خاقان في 1134 وتوفي ابن سعيد الأندلسي في 1214 وعاش المقري بين 1591 و 1632.  أليس في هذا التباعد الزمني ما يدعونا إلى الشك في المعلومات المذكورة أو على الأقل عدم تصديقها جملة وتفصيلا. ومن ذلك مثلا نقول بأنه لا يعقل أن تكون الأندلس بطبيعتها الخلابة وساكنتها المتنوعة عقيمة الفن تنتظر من يأتيها من بغداد ليصنع لها موسيقاها.  أما حكاية الوتر الخامس الذي يتوسط المثنى والمثلث فلا تخضع لأي منطق لدوزنة الأوتار كما أنها تتعارض مع نظرية الطبائع والطبوع التي تنبني على رقم أربعة.

إن التاريخ ليس ماض ميتا بل هو صيرورة وكل معرفة تاريخية ليست مجرد سرد للوقائع والأيام والدول بل هي نظر عقلي في أحوال الماضي وتعليل حدوثها وسبرها بمعيار العقل والحكمة في حين لا تتحدد دلالة التاريخ إلا وفق منهج علمي دقيق.

ومع ذلك لا نشك  لا في وجود زرياب ولا في إسهامه٬ ولنا الحق في مناقشة ما يحكى عنه من أساطير٬ لأننا نرى أن الخرافة جزء من ثقافتنا وقد تستمر فينا حتى في الفترة المعاصرة نظرا لضعف الثقافة الموسيقية وغياب المنهج.

ملاحظات ختامية

1.    لم يكن الغرض من هذه التساؤلات هدم ما راكمه المؤلفون العرب٬ جازاهم الله على ما وفروه لنا من تحقيقات٬ وليس ما نقدمه من نقد هو انبهار بالحضارة الغربية بل لقد كنا نصبو إلى إسهام نقدي يعيد النظر في كل ما لدينا من معلومات تاريخية أو شبه تاريخية.

2.    نعتقد كذلك أن الماضي لا قيمة له إذا لم نجد له تطبيقا في الحاضر واستشرافا للمستقبل.

3.    كما إن صياغة تاريخ للموسيقى العربية تمر عبر نبذ نزعة الإطناب والتمجيد والاقتصار على الوقائع والخصائص الموضوعية٬ ويجب التخلص من عقدة التفوق التي نلاحظها دوما عند بعض الأقطار في المشرق العربي.

4.    ونظرا لاتساع رقعة العالم العربي، لا بديل لنا، في المرحلة الأولى، من إنجاز مونوغرافيات كاملة لا تقتصر على أخبار الموسيقيين بل تمتد إلى الأرصدة الفنية.

5.    بما أننا نعتبر أن التاريخ الفعلي للموسيقى العربية يبدأ في القرن التاسع عشر٬ فإن تضافر الجهود بين المختصين في مجالات علمية متكاملة قد تمكننا من صياغة التاريخ بصفة تراجعية.  وهذه المجالات التي ينور بعضها البعض هي: علم التاريخ العام٬ التاريخ الاجتماعي٬ التحليل الموسيقي٬ اللسانيات٬ علم الآلات.

يجب التركيز إذاً على القرن العشرين وتأمين الامتداد منه خلفا نحو الماضي٬ والاستنجاد بعلوم ومعارف مختلفة يتضمنها السياق التاريخي العام ولا يجب إهمال متابعة الواقع لأن في ثناياه توجد أسئلة الماضي وأجوبته.

_________________

مداخلة قدمها الباحث في الملتقى الأول للمؤرخين الموسيقيين العرب الذي حمل العنوان: نحو قراءة جديدة في تأريخ الموسيقى العربية، 15 ـ 18 كانون الأول / ديسمبر 2014، مسقط ، سلطنة عُمان