خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنية العربية في ميزان الفيديو كليب

. قضية موسيقية

حسني أبو المعالي

    

تمكنت الأغنية العربية الجديدة التي أطلق عليها اسم الأغنية الشبابية من الوصول بقطار الفيديو كليب السريع إلى شريحة واسعة من الأطفال صبيانا وصبايا، صفقت لهذه الأغنية بدون أن تميز بين الغث والسمين من الأغاني، وحرصت على شراء أسطواناتها التي حققت لأصحابها في زمن قياسي أهدافا تجارية خيالية، وقصرت طريق الشهرة لمجموعة كبيرة من المغنيات والمغنيين العارية أصواتهم من أي مؤهلات جمالية وفنية متميزة؛ إلا أن تلك الأغاني لم تستطع مع كل هذا الانتشار أن تلبي حاجات المتلقي العربي على المستوى الفني والجمالي، فكاتب الكلمات لم يعد يفكر في الإبداع إلا بعقلية الفيديو كليب، والملحن لم يعد يستهويه الطرب إلا على إيقاع وأنغام الجاز الغربي، والمغني أصبح راقصا وممثلا أكثر منه مطربا، فالصوت الغنائي في مثل هذه الحالة لا يشكل إلا عشرة في المائة من نجاح الأغنية (أقصد انتشارها) بعيون وآذان أطفالنا الصغار، ويعود الفضل الأكبر لهذا الانتشار إلى الإبهار والإثارة والدخان الذي مهما تصاعد عاليا لا يمكنه أن يحجب شمس الأغنية العربية الأصلية لأيام الزمن الجميل.  فالأغنية الناجحة (فيديويا) لا تقاس بمدى الإمكانيات الصوتية للمغني أو المغنية، ولا بالألحان الجميلة في أنغامها وإيقاعها، ولا بالكلمات العذبة، وإنما بالإمكانات (المادية) المالية التي تغطي تكاليف السفر إلى الهند واليابان ولندن وروما، وربما جزر الواقواق، بهدف تصوير مشاهد الأغنية العربية في الأجواء غير العربية.  وأعتقد بأن المبالغ الطائلة التي تصرف في إنجاز أغنية مصورة توازي أحيانا ميزانية فيلم سينمائي، علما بأن أغنية الفيديو كليب لا تعدو كونها في إطارها العام سوى (جنريك) لمسلسل عربي أو إشهار تلفزيوني (فقرة إعلانية مصورة) لبضاعة أو سلعة ما، بل هي إشهار فعلا ولكن لنوع مختلف من البضاعة، بضاعة تستفز المستهلك على صعيد الذوق الفني وتخدش حياءه على الصعيد الأخلاقي.

إن التلفزيون أصبح في ظل الفضائيات أحد أهم أفراد العائلة داخل البيت العربي، ويحتل موقعا متميزا في المنزل، ولا رأي لنا لما تقدمه برامجه على الشاشة الصغيرة من غث الأغاني بحجة إرضاء جميع الأذواق، وهذا ما يتعارض مع مبادئ التربية الفنية التي علمتنا بأن الفن رسالة وليست تجارة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بأولادنا وشبابنا أصحاب  المصلحة الحقيقية في الفن باعتبارهم أمل المستقبل، والذين هم بأمس الحاجة إلى الرعاية الفنية والتوجيه الصحيح في تنمية الذوق السليم.

لهذا فإن القنوات التلفزيونية العربية تتحمل المسؤولية كاملة عن غياب الضوابط والشروط الفنية والجمالية اللازمة لقبول أي عمل غنائي لا ينسجم وقيمنا الأخلاقية ومبادئنا التربوية، ولا يتمسك بثوابت الموسيقى العربية مع مراعاة مبدأ تطوير الأغنية العربية لا تطهير أصولها.

إن الأغنية الشبابية اليوم لا تتمتع بشخصية فنية ولا تمتلك خصوصية متفردة، فالإيقاعات في معظم الأغاني متشابهة، والألحان متقاربة، والأصوات تكاد تكون واحدة يستحيل معها التمييز بين مغن وآخر، إلا من خلال الصورة – الفيديو كليب - الذي زاد هو الآخر في الطين بلة، فأساء إلى الأغنية العربية وشوه من معالمها ومضامينها عندما سلط بأدواته الضوء على زاوية واحدة ألا وهي مفاتن النساء من الراقصات وملابسهن الخليعة بعيدا عن أي هدف فني سوى الميوعة والابتذال.  وقد شكل عنصر الرقص في غالبية الأغاني الوجه الثاني للأغنية فبدونه لا يستقيم المغني ولا تنهض الأغنية الفيديوية، ناهيك عن غياب التوافق والانسجام بين دلالات الكلمة المغناة وبين صور اللقطات السريعة التي يصعب الإمساك بها.  ومن المؤسف أن بعض الأصوات الجميلة وبعض الملحنين الذين كنا نراهن على إبداعاتهم في استعادة مجد الأغنية العربية، سقطوا في شرك الأغنية الشبابية من خلال (سحر) الفيديو كليب.

وإذا كان لابد من -الفيديو كليب - كضرورة حتمية تمليها علينا عتبة الألفية الثالثة، فإنه يجب توظيفه بما يتناسب وتقاليد الموسيقى العربية، لا أن نخضع موسيقانا وأغانينا لشروط – الفيديو كليب - مرآة الأغنية الأجنبية؛ ومع ذلك فنحن لا نضع جميع الأغاني العربية الجديدة في ميزان الفيديو كليب، فلكل قاعدة استثناءاتها، وفي كل ظلمة هناك محطات ضوء ناصعة لتجارب غنائية ناجحة لحنا وكلمات وأداء وصورة أقنعت الجمهور العربي، إلا أن تلك التجارب ما زالت محدودة ونادرة جدا قياسا بطوفان الأغاني الرديئة التي حرصت أجهزة الإعلام العربية على تشجيعها بالرغم من أنها تقليد لأساليب الغناء الأوروبي في الشكل والمضمون.  والغريب أننا لا نقلد الغرب، كما يقال، تقليدا أعمى في كل المجالات سوى في مجال الفنون والموضة، وخاصة الغث منها، فإننا نراها بعيون مفتوحة ونشبعها تقليدا واستنساخا، بينما نتعامى على كل ما نحتاج إليه حقا من نعم الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان.

إن أهم ما يميز الموسيقى والأغنية العربية هو الطرب وهو عمودها الفقري بل هو روح الموسيقى الشرقية، وفي لحظات التجلي كثيرا ما نردد أغانينا الخالدة المفعمة بالطرب. ونسعد بترديدها، وغالبا ما نجد (مطربي) الأغنية الشبابية - أنفسهم - يعترفون بفضل الرواد ولا تحلو جلساتهم الحميمية إلا بغناء الألحان الأصيلة لأيام الزمن الجميل حتى أنهم ينسون أغانيهم الخاصة، فإذا غاب عنصر الطرب فقدت الأغنية مناخها الشرقي وخصوصيتها العربية، ولم يبق منها سوى "المسخ" من الأغاني الغربية ولكن بلغة عربية.  وحتى اللغة لم تسلم هي الأخرى من حداثة  "الفيديو كليب"  فقد طالتها أخيرا رياح  "الفرانكوفونية" -كما في أغنية  "إن شاء الله"  للفنان صلاح الشرنـــوبي (ملحنها) التي تؤديها لطيفة التونسية، ورياح  "الهندوفونية"  كما في أغنية  "ناري حبيبي ده"  للفنان رياض الهمشري ويؤديها هشام عباس، وهذا ما يعتبره البعض تطويرا للأغنية العربية وجسرا يوصلها إلى العالمية، وكأن العالمية شجرة لا تنبت إلا في رياض الغرب، ولا تورق إلا مع غياب هويتنا العربية، ولا تثمر إلا عندما نستجدي الفوز من خارج الوطن العربي.

      ومن يستحضر الأغاني العربية الرائعة لأيام زمان يدرك بأن الفنان العربي لم يكن يشغله حينئذ همّ العالمية! بقدر ما كان يشغله اللحن المتميز والكلمة العذبة والأداء الجميل وسحر الطرب، كل ذلك من أجل المتلقي العربي والشرقي، فإن المستوى الفني والجمالي الذي قدمه لنا الفنان الأصيل كان وما يزال يفوق عالمية عشرات المئات من الأغاني الأوروأمريكية، ولكننا دائما ما نخطئ بحق مبدعينا عندما نتوهم بأن كل ما هو غربي يكون بالضرورة عالميا، وأن كل ما هو عربي أصيل لا يصل إلى العالمية بدون موافقة الأجنبي.

إن أم كلثوم لم ترقص يوما على إيقاع الروك، ولم تغز أغانيها أفلام الفيديو كليب، ولم تغن من ألحان باخ أو شتراوس أو بيتهوفن، وإنما من ألحان فنانين عرب أخلصوا لقواعد موسيقاهم، أمثال محمد القصبجي، وزكريا أحمد، ورياض السنباطي، وبليغ حمدي، ومحمد عبد الوهاب، ومحمد الموجي وسيد مكاوي، فهل ينكر أحد عالمية أم كلثوم أو ينكر عالمية ملحنينا العرب الكبار؟

المصدر: موقع الحوار المتمدن