خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الفن الموسيقي والغناء العربي بين المحافظة والتجديد

. قضية موسيقية

محمد  السنان

إن الكون بكل ما يحتويه مـن مجـرات ونجـوم وكـواكب ومخلـوقات حيـة قائم عـلى قـانون الصـراع والتـوازن مـن أجـل بقـاء الأصلح.  والأصلح ليس بمعـناه النوعـي بل بمعنى القـوة والقـدرة عـلى التكيف مع كل المتغـيرات. فمثلا، إن كوكبنـا هـذا الذي نعيش فيـه يشـهد صـراعـات فـي كل نواحـي الحيــاة، فهنـاك صـراعات سـياسـية، وصـراعات طـبقية، وصـراعات ثقافـية، وصـراعـات اقتصـادية، وصـراعـات إيديولوجـية، وصـراعـات دينيـة وطائفـية، وصـراعـات عسـكرية.  حـتى عـلى المسـتوى الأسـري توجد صـراعـات بـين الإخـوة لـدوافع مختلفة. وأخـيرا وليس آخـراً  يوجد صـراع الأجيــال، وهو صـراع عـادة ما يكـون شـاملا لكل أنماط الحياة الدينية والثقافيـة والاجتماعيـة، إلخ.

وبما أن موضـوعنا لا يتناول الحرب أو الاقتصاد أو الـدين وإنما الموسـيقى، لذا نسلط الضـوء عـلى هـذا الجانب من الصـراع الـذي يتمثل بصـراع الأجيـال، وهـو الصـراع التقلـيدي والأزلي بين القـديم والجـديد والـذي تفـرضـه حـركـة التغـيير والتطـور التاريخـي.  والحـال اليـوم كما الحـال بالأمس، صـراع محـتدم بـين تيـارين، أحـدهما  ــ وهـو التيـار التجـديدي ـــ يرى أن الموجـود وما يطـرح عـلى السـاحـة في الوقت الحاضـر من ألوان الموسـيقى هـو ما يتطلبـه تطـور العـصر، وهـو انتقـال طبيعـي وحـتمي لمرحلـة  تفـرض وجـودها.  وبناء لذلك، لا بأس من أن تتخـذ الأغـنية العـربية مثلاً مسـارا مختلفـا عـن المسـار الموروث.   والأغـنية لا تقف عـند نقطـة معـينة، ولا ترتبط بالإرث المـوسـيقي وقـوالبـه ومقـاماتـه، حـتى وإن اسـتدعى ذلك الانسـلاخ الكلي مـن الماضي بكل ما فيـه مـن قيم فنيـة وأدبيـة وثقـافيـة.  ونسمع بمن يطالب بتخـلي الموسـيقى العـربيـة عـن "الربـع تـون" بحجة جعل الأذن الغـربيـة تتقبلهـا وتسـتسـيغها.  في حـين يرى التيـار المحافظ أن القيمـة الفنيـة في الأغـنية العـربيـة هـي بالـتزامها بقـوالب الموسـيقى العـربيـة وقـواعــدها وأصـولها ومقـاماتها، وعـدم المسـاس بها أو تطـويرها أو تحـديثها.  فهم يرفضون كل ما هـو حـديث حـتى أنهم يرفضـون الاسـتعانـة بالتكنـولوجيـا الرقـميـة في أي عمـل موسـيقي، علماً بأن هـذه التكنـولوجيـا أصبحت اليوم من أسـاسـيات التوزيع الموسـيقي للأغنيـة العـربية.

والحقيقـة أن كلا من الفـريقـين لا يملك الحجـة المنطقـيـة الـتي تؤهلـه لبنـاء مـوقفـه، وذلك ربما يعـود إلى تواضع المسـتوى الثقـافي لكلا الفـريقـين في ما يتعـلق بالموسـيقى كعلم مـن العـلوم الإنسـانيـة.  فالمحافظـون يرون فـي اللـون الغنـائي القديم الجمل اللحـنية الجمـيلة والتنـوع المقـامي والإيقـاعي في الموسـيقى، ورقـيّا في الكلمـات وجمـالا فـي الأصـوات المهـذبة تهـذيبـا رائعـا، والأداء المتقـن والبارع للأغـنية، فآذان هـذا الفـريق  تربت عـلى هـذا اللـون الجميـل مـن فـن الغنــاء والألحـان المعــبرة الـتي تعـطي لكل جملـة ولكل كلمـة بل ولكل حـرف أحيـانا حقـه مـن اللحـن النغـمي، مما يجعـل الأغـنية متكاملـة الأركان مـن حيث الكلمة واللحـن والأداء. لـذا، فهـذا اللـون مـن الغـناء إنما اختلط بأحاسـيس ومشـاعـر ذلك الجـيل وشـكل لـديـه ــ عـبر سـنوات طويلـة ــ ذائقـة فنيـة مرهفـة أصـبحت جـزءا من حيـاتـه وجـزءا مـن تكـوين شـخصـيته وثقـافتـه. لـذلك، فهـو يحـرص عـلى إبقائها ما بقـي، ونبـذ كل ما مـن شـأنه المسـاس بها.   فعبارة «تطوير الأغـنية" أصبحت تعـني لـديه تشـويها لذلك الفـن الجميـل مـن قبـل جيل لا يعـرف مـن المـوسـيقى سـوى الإيقـاعـات الصاخـبة والسـريعـة الـتي تخاطـب كعـوب أقـدامهم وتهـز أكتـافهم.. وأن ما أطلـق علـيـه تجـاوزا «الأغـنيـة الشـبابيـة» ما هـو فـي حقـيقـة الأمـر إلا أعمال لا تسـد رمـق سـامعها ونهمـه الوجـداني، فالسـمة الغـالبـة للأغـنية الشـبابيـة هـي الإيقـاع السـريع الراقص وكلماتها الجـوفـاء الركيـكة المليئة بالإسـفاف والقبح، وتلتحـف بكسـاء مبهـر، ولكـن لا كائن حي بداخلـه (على رأي الدكتـور لطـفي المرايحـي). وهــذه نظـرة وإن كانت قـريبـة جـدا من الحقيقـة والواقـع، إلا أنها لا تخـلو من التجـني عـلى الجـديد، ذلك لأنها لا تقـوم عـلى أساس تقـييم وتحلـيل عـلمي وموضـوعـي لأنها تفتقـر لأهـم أدوات النقـد البنـاء، وبالتـالي فهي نتاج تعصـب أعمى لكل ما هـو قـديم بشـكل مطلـق ورفض لكل ما هـو جـديد بشكل مطلـق أيضـا، دون محـاولـة إخضـاعـه للنقـد الموضـوعـي والتحليـل الفـني الـذي لا يمكـن لأحـد غـير أولئك الـذين يمتلكـون الثقـافـة الموسـيقيـة الـتي تؤهلهم لإصـدار أحكامهم عـلى الجـديد مـن حيث الجـودة أو الرداءة الفنيـة خارج إطـار الـتذوق أو المـزاجيـة.

كما أن تصـرفات الفـريق الآخـر يتحكـم فيها التمرد عـلى كل ما هـو قـديم بشكل مطلـق ورفضـه جملـة وتفصيلا تحـت مسـمى التطـور واعـتباره فـنا مسـتهلكا يجـب قذفه إلى مـزبلـة التـاريخ. ولكي لا يكـون حكمـنا متجنيـا وظالمـا، فيجـب الاعتراف بعدم تبني كل الأجيـال الجـديدة هـذا الموقـف من الفـن الرومانسي الجمـيل، وخصـوصا في عصـره الـذهـبي الممتـد مـن منتصف العقـد الثالث وحـتى بـدايـة العقـد الثامن من القـرن الماضي الميلادي.  فكثر  ما زالوا يتـذوقون أغـاني محــمد عــبد الوهـاب وأم كلثـوم وعــبد الحلـيم حـافظ وفـريد الأطرش ونجـاة الصغــيرة وليلى مـراد وكارم محمـود ومحمـد قـنــديل وغـيرهم، ويعـتبرونها قمـة فـي الرقـي، وأنها أسست لفـن غــنائي وموسـيقي جمـيل يجـب عـدم التفـريط فـيه.

ولكي لا أدخـل القارئ في أي التباس في ما يتعلق بمراحـل تطـور الأغـنية الـعـربيـة، فقـد رأيت أن أقسـمها إلى ثلاث مراحـل تاريخيـة، سـوف أطلق على الفـترة الممتدة من نهايـة القـرن التاسـع عشـر حـتى منتصف العقـد الثالث مـن القـرن العشـرين (العصـر الكلاسـيكي)، وبعـده يبـدأ (العصـر الومانتيكي) أو (الرومانسي) للموسـيقى والأغـنية العـربية، والـذي ينتهـي بنهايـة العقـد السـابع من القـرن العشـرين. ثم يبـدأ (عصـر الانحطاط) برغـم أن هـذا العصـر شـهد تطـورا نوعـيا في ما يتعـلق بالتوزيع الموسـيقي الهارموني والبوليفـوني.

هـذا الصـراع لم يكـن ولـيد اليـوم، بل إن جـذوره تمتـد إلى عـام 1932م عـند الإعـداد لانعقـاد المـؤتمر الأول للمـوسـيقى العـربيـة في القاهـرة، حـيث نشـب الخلاف بـين المجـددين ودعـاة المحافظـة عـلى اللـون الكلاسـيكي وأدى إلى نشـوء أزمـة تنـاولتها الصحـف وتصدرت صفحاتها الأولى وبالأخص جـريدة «الصـباح» القـاهـرية، الـتي قامت بتغطيـة فعـاليـات المؤتمـر.  وقـد ركـز المـؤتمـر وسـلط الضـوء عـلى أدوار محمـد عثمـان وأعمـال داوود حـسني و درويش الحـريري وعـزيز عـثمان و محمـد البحـر ومحمــد القـبنجي وغـيرهم مـن رمـوز الأغـنية الكلاسيكيـة.  وسجلت الأعمـال الـتي أقـرها المؤتمـر والـتي كانت ترتكـز عـلى القـوالب الغـنائية الـتركـية والفارسـية، مثل السماعـي، والبشـرف واللـونجا، ألخ... فـي حـين تم تجاهـل أعمـال محمـد عـبـد الوهـاب ومحمـد القصـبجي، باعـتبارها أعمالا عـبثـية تهـدف إلى تغـريب الأغـنية العـربية تحـت سـتار التجـديد حـتى أن معظم أعمـال سـيد درويش قـد تم تجاهلهـا من قبـل المؤتمـر باعتبـارها قـد خـرجت عـن النمـط الكلاسـيكي. لقـد كانت الهيمنـة واضحـة وجليـة للجناح المحافظ عـلى المؤتمر الـذي رفض إدماج الآلات الموسـيقية الغـربيـة فـي التخت الشـرقي بحجـة المحافظـة عـلى الأصـالـة ولكـي لا تتغـرب الموسـيقى العـربيـة.  وأحس محمــد عــبد الوهـاب بأن صـراعـه مع القائمـين عـلى المؤتمـر سـوف يكـون خاسـرا، فاكـتفى بتوجـيه خطـاب إلى المـؤتمر ضمـنه موقفـه بهـذا الخصـوص ثم غـادر القاهـرة متوجهـا إلى العـراق بحجـة أنه تلقـى دعـوة للغــناء فـي قصـر الملك فيصـل الأول.

ولم يسـتطع محمـد عـبـد الوهـاب اقتحـام مملكـة الغـناء السـائدة فـي ذلك الوقت بمشـروعـه التجـديدي إلا مـن خـلال الأفـلام السـينمائيـة، وكـذلك فعـلت أم كلثـوم. ولو لم يلجـأ عـبد الوهـاب إلى السـينما لما اسـتطاع أن يخـترق ذلك الجـدار الحـديدي ولما وجد لـه مكانـا بين الأصـوات الـتي كانت تتسـيد السـاحـة الغـنائيـة، مثـل أدوار محمـد عثمـان، وعـبده الحامـولي، وداوود حسـني، وزكـي مـراد، ويوسـف المنيلاوي، وصـالح عـبد الحـيوســلامـة حجــازي، ولما اسـتطاع أن يلـج بأعمـالـه إلى مسـامع النـاس، ومن ثم يتربع عـلى عـرش الغـنــاء ويبـدأ مسـيرته التجـديدية، ومن ثم يتبعـه أسـتاذه محمـد القصـبجي الـذي عـارضه فـي البـدايـه لكنـه سـرعـان ما اقـتنع بمشـروع عـبد الوهـاب وبـدأ فـي تنفيـذه بشكل مبهـر ظهـر فـي بعض أعمـاله لأم كلثـوم بـدءا مـن أغـنيـة "غـلبت أصالح" الـتي اعتبرت طفـرة نوعـية فـي أسـلوب محمـد القصـبجي التلحينيـة، ثم اتبعهـا بروائعـه الخالـدة لأسـمهان وليـلى مـراد.

لقـد حسـم محمــد عــبد الوهـاب هـذا الصـراع مـنذ منتصف العقـد الثالث مـن القـرن الماضي، عـندما تبـنى حـركـة التجـديد وفـرضها عـلى أرض الواقـع مما دفـع بكل الموسـيقيين والملحـنين من أبناء جيله إلى الاقتداء به وإن كان عـلى اسـتحياء مـن بعضهم مثل رياض السـنباطي الـذي أضطـر بعـد مضي أكـثر مـن ثلاثـة عـقود إلى إدخـال آلـة غـربيـة لأول مـره في أعمـاله الـتي لحنها لأم كلثـوم وهـي آلـة الأورغ الـتي اسـتهل بها مقـدمته الموسـيقيه لأغـنية «أقـبل الليل»، وذلك عـام 1970م.

 إذا، فالصـراع بين القـديم والجـديد قضـية مسـتمرة ولن يقـف أحد أبـدا أمام التجديد، فهـو حتميـة يفرضهـا التطـور التاريخـي.  فالموسـيقى هـي ناحية من نواحي هـذه الحيــاة وبالتالي عليها أن تصارع مـن أجـل البقــاء. لـذلك، على الأغـنيـة العـربيـة أن تتطور وأن تتخلص مـن أجـزاء كـبيرة مـن مسـميات مقاماتها المعـقدة، ولا أعـني المقامات نفسـها، بل التخلص مـن الإرث الـفارسي والـتركي، وأن تفـرض هـويتها العـربيـة، وأن تسـاير المـتغـيرات التاريخــية، وأن تنفـتح عـلى العـالم مـن خـلال غـربلتها وإعـادة تقـييم قـوالبها، ومقـاماتهـا، وتسـهيلها بحـيث يمكـن لراغب دراسـة الموسـيقى اسـتيعابهـا. ولا مانع من أي استعارات من الثقافات الأخرى ما دام الأمر لا يمس قيمة العـمل الموسـيقي أو يجرده مـن هـويتـه المحلية أو العربية، أكانت مشرقية أم مغربية.  وعلى الحكـومـات العـربيـة إنشـاء قاعـات للمـوســيقى مثـل دور الأوبرا للمسـاعـدة فـي نشـر التـذوق المـوسـيقي وإنقـاذ الأجيــال من التلـوث الموسـيقي الـذي يهيمـن عـلى أسـماعهم ويشكل انحـراف ذائقتـهم الفــــــنية.

المصدر : جريدة عكاظ السعودية