خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقيون‏ يبحثون عن فرصة أيضا

. قضية موسيقية

بقلم  د‏.‏ ياسمين فراج

    ناقدة موسيقية

 

يسعدني دائما أن أجد البعض من مثقفي مصر مهتمين بالحركة الموسيقية فيها‏،‏ وهذا الاهتمام لن يأتي إلا من أناس سمحت لهم الظروف بمعانقة الحضارات الغربية ومعرفة مدى تأثير النمط الموسيقى المقدم في الذوق العام للفرد‏،‏ فاختيار الفرد لنوع الموسيقى التي يستمع لها ينعكس على سلوكه في المأكل والملبس وحتى في اختيار شريك الحياة وكل ما يتعلق بشكل الحياة للفرد‏.‏

وقد لفت انتباهي المقال الذي كتبه الفنان التشكيلي سمير غريب في جريدة الأهرام اليومية بعنوان الموسيقى الكلاسيكية‏،‏ والذي تعرض فيه لرصد بعض الظواهر الموسيقية السلبية في مصر‏،‏ والتي أدت بالطبع لانتشار الموسيقى والأغنيات التي تخاطب الغرائز فقط‏،‏ وتبعد مصر عن الرقي الذي كان يوما ما سمة هذا الشعب والوطن‏.‏

وبصدد هذا الموضوع كان لي بعض الملاحظات والاقتراحات لتصحيح بعض المفاهيم‏.‏

أولا: فكرة أنه لا أحد يكتب عن الموسيقى بشكل عام في الصحف اليومية سوى الزميل أشرف عبد المنعم‏،‏  فعلا هذا صحيح لأن الكتابة في منبر صحفي ثابت ــــ خاصة إذا كانت جريدة قومية لها ثقلها ـــ تمنح كتابها ونقادها نطاقا واسعا من الشهرة‏،‏ ولكن هل يستطيع كل من يمتلك أدوات النقد الموسيقى من الدارسين في هذا المجال أن يكتب مقالاته في الصحف اليومية؟

أما من الناحية العملية فإن مصر بها العديد من النقاد الموسيقيين المتخصصين ممن يكتبون في الصحف والمجلات الأسبوعية أو الشهرية القومية منها والخاصة‏،‏ ولكن للأسف معظم هذه الصحف لا يقرأها غير فئة قليلة من المثقفين أو المتخصصين‏،‏ ومن ضمن الأسماء التي لها باع في مجال النقد الموسيقى أذكر الدكتور زين نصار‏،‏ الدكتورة سهير طلعت‏،‏ الدكتور نبيل شورة‏..‏ وغيرهم‏.‏

ثانيا‏: كون مؤسسة دار الأوبرا المصرية التابعة لوزارة الثقافة هي الوحيدة التي تقدم الموسيقى الكلاسيكية‏،‏ فنحن لا نستطيع أن نجزم بذلك‏،‏ لأن هناك مؤسسات ثقافية خاصة مثل ساقية الصاوي بفرعيها ـ الزمالك وطريق مصر الإسماعيلية ـ تقدم أيضا حفلات للموسيقى الكلاسيكية‏،‏ كذلك بعض المراكز الثقافية مثل المركزين الثقافيين الروسي والفرنسي‏..‏ وغيرهما وبعض الحفلات في قاعة إيورت بالجامعة الأمريكية‏،‏ ولكن يظل بالفعل كما ذكر الأستاذ سمير غريب اقتصار تقديم هذا النوع من الموسيقى في محافظتي القاهرة والإسكندرية فقط‏،‏ ولا أعرف السبب الذي يمنع مديري قصور الثقافة في محافظات مصر من عمل بروتوكول بينهم وبين الأوركسترا السيمفوني لدار الأوبرا المصرية ـ وكلتا المؤسستين تتبعان وزارة الثقافة ـ لنشر موسيقي الفنون الرفيعة في شتى محافظات مصر‏.‏

ثالثا‏:‏ يجب الاعتراف بقلة مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية في مصر والدول العربية‏،‏ ونحن لا ننسى جهود الرواد في هذا المجال مثل يوسف جريس‏،‏ أبو بكر خيرت‏،‏ عزيز الشوان‏،‏ جمال عبد الرحيم‏،‏ رفعت جرانة‏،‏ ومن بعدهم راجح داود‏،‏ مونا غني‏،‏ أحمد الصعيدي‏،‏ شريف محيي الدين‏،‏ وخالد شكوري‏،‏ ولكن لا يمكننا تجاهل مهرجان‏(‏ اتجاهات عربية‏)‏ الذي يتيح الفرصة للعديد من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية في مصر والوطن العربي لتأليف وتقديم الموسيقى الكلاسيكية فقط‏،‏ والذي انعقدت دوراته على مدار خمس سنوات سابقة في الفترة من‏4‏ إلى ‏18‏ شباط –فبراير. والجدير بالذكر أن دورات هذا المهرجان قدمت العديد من مؤلفي الموسيقى الكلاسيكية‏،‏ أذكر منهم هشام جبر‏،‏ طارق مهران‏،‏ نهلة مطر‏،‏ محمد سعد باشا‏،‏ عمرو عقبة‏،‏ علاء فتحي‏،‏ علاء الدين مصطفي‏،‏ رمزي صبري سامي‏..‏ وغيرهم‏،‏ وقد أسس هذا المهرجان الدكتورة سمحة الخولي، وتنظمه وتديره الدكتورة إيناس عبد الدايم‏،‏ وهنا يأتي دور جهات أخرى في نشر الأعمال الكلاسيكية لهؤلاء المؤلفين من الشباب لتشجيع أجيال أخرى غيرهم على الخوض في تأليف المؤلفات الموسيقية السيمفونية‏.‏

رابعا:‏ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أصبحت لا تهتم بالبرامج الموسيقية المتخصصة‏،‏ فمعظم هذه البرامج وبخاصة التي تقدم موسيقى الفنون الرفيعة تذاع في الثالثة صباحا، والبرامج الأخرى التي تذاع في أوقات مناسبة والتي غالبا ما تقدم فقرات لكبار المطربين من داخل الأوبرا ـ مثل برنامج سهرة مع الأوبرا ـ الموسيقى العربية تقدمها مذيعات غير متخصصات في الموسيقى، ويقتصر دورهن على الإشارات إلى اسم المطرب والأغنية التي تقدم‏،‏ أو استضافة أحد العاملين في الحقل الموسيقى والحديث معه عن أشياء بعيدة تماما عن مضمون ما يقدمه البرنامج.  إذن فما ضرورة تقديم مثل هذه النوعية من برامج الموسيقى إذا لم تثقف المشاهد وتعرفه بنوع القالب الغنائي المقدم والمقامات والإيقاعات المستخدمة فيه‏،‏ وإن لم يكن دور الإعلام المرئي والمسموع تثقيف المشاهد أو المستمع؟ فهل يقتصر دورهما على الترفيه فقط؟‏!‏ وأعود لأشير إلى أهمية الاستعانة بالموسيقيين الدارسين لتقديم تلك النوعية من البرامج‏،‏ وإعادة النظر في تقديم البرامج الكلاسيكية في أوقات متميزة إذا أردنا أن نرتقي بالذوق العام للمواطن المصري‏.‏

خامسا‏:‏ إذاعة واحدة فقط في الراديو المصري تقدم الموسيقى الكلاسيكية‏،‏ أعتقد أن هذا يكفي على مستوي الإذاعات المصرية‏،‏ ولكن لماذا لا يتم تقديم برامج الموسيقى المتخصصة بأنواعها المختلفة ضمن فقرات الإذاعات المصرية الأخرى؟ ولماذا أيضا لا تتكاتف جهود وزارتي الإعلام والثقافة لإطلاق قناة فضائية متخصصة في تقديم الفنون بشتى أنواعها بشكل قيّم يقدمه مجموعة من المتخصصين في مجالات الفنون المختلفة ‏(‏ موسيقى ـ مسرح ـ سينما ـ باليه‏)‏ بعيدا عن برامج الإسفاف والهزل المنتشرة على الفضائيات‏.‏

سادسا‏:‏ حصة الموسيقى في المدارس شأنها شأن حصص التربيتين البدنية والفنية ينظر إليها باستهانة وعدم تقدير‏،‏ وقد تفاقمت تلك النظرة منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي‏،‏ فغادر أصحاب تلك المهن إلى الدول العربية الشقيقة أملا منهم في نظرة مختلفة لتلك المهن وتأمينا ماديا لحياتهم‏،‏ وبالتالي لم يعد لدينا كفاءات تعليمية في المدارس لتدريس الموسيقى‏،‏ وإن وجد فيقتصر التدريس على بدائيات الموسيقى، ولم يعد هناك آلات موسيقية يتدرب الطلبة عليها‏.‏ كما لم تعد هناك طاقة عند من يقوم بتدريس الموسيقى أو الرسم أو التربية البدنية لإتقان ما يقوم به‏،‏ لأن الجميع أصبح يلهث وراء المادة‏،‏ فبالفعل العمل في الفنادق والملاهي الليلية يحقق الثراء دون عناء وبأسرع من مهنة التدريس لمواد يعتبرها البعض ترفيهية وأصبحت النظرة إليها ليست كما ينبغي أن تكون مع ضعف العائد المادي لها‏.‏

والحقيقة أن هذه النظرة التي بها شيء من عدم التقدير للفنون تبدأ من الأسرة‏،‏ فكم من الآباء يشجع أبناءه على أن يكونوا موسيقيين أو فنانين تشكيليين أو رياضيين ناجحين؟ وان وجد هذا فهو يتطلب مستوى معيشيا محددا في الوقت الذي نسمع فيه العديد من الأسر تشجع أبناءها على أن يكونوا‏:‏ مهندسين ـ دكاترة ـ ضباطا‏،‏ أو ما شابه ذلك‏،‏ فمن أين يأتي الإحساس بقيمة حصص التربية الموسيقىة والفنية والبدنية إذا كانت الأسرة لا تزرع ذلك في أبنائها منذ الصغر؟‏.‏

المصدر : جريدة الأهرام المصرية