خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقانا بين الأصالة والتجديد

. قضية موسيقية

د. علي القيّم

تميزّت الموسيقى، في القرن العشرين، في كثير من دول العالم بالتجريب والتحديث، والبحث عن مصادر لم تستخدم من قبل، أو لم تستهلك مواردها، فاتّجه الموسيقيون الغربيون إلى موسيقى الشرق، وموسيقى الشعوب غير الأوروبية، يبحثون فيها عن كل جديد يثري لغتهم الموسيقية المعاصرة، ويدفعها بعيداً عن الملل والتكرار، وعن السلّمين الكبير والصغير المستهلكين في نظر الغرب، فظهرت التجارب لمحاولات تقسيم درجات السلم إلى أرباع الأصوات وأسداسها، كما ظهرت مذاهب متعددة مختلفة الاتجاهات، كالموسيقى الالكترونية، والكلاسيكية الحديثة، وكان للتقدّم التكنولوجي دوره الحيوي والمهم في التقارب بين موسيقات الشعوب، وظهور فنون شرقية جديدة فيها اندماج للمضمون الشرقي العربي، مع وسائل الصياغة الغربية، وهذا ما وجدناه في فنون الأدب، مثل القصة القصيرة والمسرحية والشعر الحر والتشكيل والعمارة.

ومن المؤسف أن الموسيقى العربية كانت أقلّ حظا من تلك الفنون في عملية الاندماج نظراً للمواقف الرافضة لكل تحديث، والمتجمّدة عند نقطة التراث وتقديسه، والتي يؤمن أصحابها وممارسوها بأن الموسيقى الشرقية «مونودية» (توحد الأصوات) بينما الموسيقى الغربية «بوليفونية» (تعدد الأصوات)، وهذا اعتقاد خاطئ، بدليل أن الموسيقى الغربية  كانت بداياتها "مونودية" .. ثم تطورّت لتصل إلى ما هي عليه من "تعددّية".

حول هذا الموضوع، يرى أكثر من باحث عربي أن الدمج بين الشرقي والغربي في الموسيقى يمكن أن يقوم بإثراء الموسيقى العربية، ويمكن من خلاله تطويع أساليب التقنية الغربية المعاصرة وتحويرها بما يتماشى مع جوهر الموسيقى العربية، التي يمكنها استثمار الإيقاعات الشعبية الأحادية والمركبة والمزدوجة، واستنباط معالجات للتكثيف النغمي، وتطويع الصيغ لخدمة الملامح المحليّة، كما فعل في مصر جمال عبد الرحيم (1924-1988) الذي استطاع تكوين أسلوب عربي موسيقي استلهم عناصر التراث الشعبي، وقام بدمجها في التيار الموسيقي العام في القرن العشرين، وتابع هذا الاتجاه، أبو بكر خيرت، وعزيز الشوان، وعمر خيرت وصلحي الوادي ووليد غليمة ورفعت جرانةوصفوان بهلوان ونوري رحيباني وغيرهم.

هذه التجارب الموسيقية العربية رافقتها تجارب وتيارات أخرى تخلّت عن قيم الموسيقى العربية وأصالتها، مثل تفضيل السلّمين الكبير والصغير على المقامات العربية الفنية الحافلة بالتنوع والثراء. وظهر من استخدم الألحان والإيقاعات الشعبية دون أي ابتكار في المصاحبة "الهارمونية"، كما ظهرت بعض الفرق التي ادعت إحياء التراث من خلال تقديمه بأساليب مختلفة فلم تبقِ على أصوله الصحيحة، ولم تقدّمه بمعالجة عصرية متنورة.  وقام البعض بإدخال إيقاعات أجنية شديدة الاختلاف عن الإيقاعات العربية الشرقية مثل التانغو والرومبا والفالس وغيرها ... مع استخدام آلات غربية، دون وظيفة فنية محددة، وكذلك إضافة مصاحبة للأغاني الدارجة تعتمد صيغاً "هارمونية" لا تضيف إلى مضمون الأغنية شيئاً، بل هي مجرد شكل مظهري في محاولة لمجاراة الغرب، ورافق ذلك اقتباسات لألحان شهيرة من الروائع الغربية والقيام بإقحامها في تلحين الأغاني الشرقية الدارجة. كما ظهر من قام بعملية الخلط بين الموسيقى الشرقية والغربية في أغنية واحدة أطلق عليها اسم "فرانكو آراب" وكانت النتيجة ضياع هوية الموسيقى العربية، وخلطاً ليس له سياق منطقي، وفقدان الطريق الصحيح الذي كان يجب سلوكه للحفاظ على هوية موسيقانا العربية.

بتصرف