خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

موسيقانا العربية هي ذلك الجزء المتأصل فينا وفي شخصيتنا العامة التاريخية

. قضية موسيقية

هل يمكن أن نقول: ما هي الشحنة الانفعالية التي نتلقى عندما نستمع للموسيقى العربية؟ التحدث عن هذا الأمر لا يحيل إلى معنى قانوني يحدد ملكية الموسيقى القانونية،
ومعرفتها لا يمكن قياسه بالجغرافيا أو بالأمتار أو بالوزن. هي أغلب الظن روح الشعب وطريقته ببوح مشاعره وأحاسيسه وأسلوبه الخاص بالتعبير. الموسيقى لغة ثانية تضاف إلى لغة شعب ما وتمنحه هوية احتياطية ثانية.  وهي وجهنا الذي يطل قبلنا، هي اسمنا قبل أن نسمى. يتعرف الآخر علينا من خلالها ويعرفّنا بالوقت ذاته.

هي أذننا الأولى، وأول لحن تدندنه الأم لولدها عندما يأتي إلى العالم.  هي أول الذاكرة عند الطفل وأول صوت وأول الكلام وبداية الإيقاع والتقطيع والزمن والمسافات. أجل هي مبتدأ العلاقة مع الزمن، زمن الصوت ومدّاته وتقصيراته.  هي ألحان تختزنها ذاكرة الشعوب من خلال تاريخها الطويل وقبل معرفة نظامها الداخلي وبنيتها المحكمة اللذين لا يعرفهما إلا الراسخون في الموسيقى.  كلنا يتعرف اسم البلد من موسيقاه وألحانه وآلاته وإيقاعاته ونوع أصواته وقيمتها الزمنية وموقعها على المدرج الموسيقي.

أجل الموسيقى تراث قديم متوارث لا يتصل بالثقافة المباشرة الحاضرة بجوانبها الاجتماعية أو الزمنية أو القانونية فحسب، بل هو بناء سابق على التاريخ الحالي للمجتمع ولا يتحدد به وبشروطه الحالية مباشرة.  الموسيقى جزء من المزاج الشخصي للشعوب، أي ذلك الجزء المتأصل فينا وفي شخصيتنا العامة التاريخية الذي لا يتعرض للأهواء والتأثيرات والرياح الثقافية والتحولات الاجتماعية كتعرض أصناف وميادين الإبداع الأخرى، من أدب وشعر ورسم ونحت وما إليها.  هكذا يتهيأ لي على أي حال صمود الموسيقى أمام التأثيرات الخارجية أو أمام الاحتكاك بموسيقى الغير، وهذا لا يحتاج إلى إثباتات دامغة وأسانيد عالمة. دليلنا إلى ذلك هذه الموسيقى التي اسمها لاتينية وعربية وتركية وفارسية وهندوسية ويونانية الخ.. والتي تشي بهويتها منذ الجملة الموسيقية الأولى.

من المؤكد أن التصاق الموسيقى بمزاج الشعوب التاريخي لا يعني بأي حال من الأحوال أنها جسم على حدة عصيّ على التطور والتغيّر بفعل الزمن والتحولات التي تطرأ على أشكال المعاش والإنتاج ووسائل العيش والكسب والعمران البشري والمادي. ما من شك في أن أشكالها وقوالبها وآلاتها تخضع لمرور الزمن وتقلباته. ما من شك في أن الأذواق نفسها تخضع لتبدلات الزمن وتغيراته. لكن التغيّر الذي يصيب الموسيقى لا ينال من روحها فتبقى نكهتها معروفة ومعتادة للإذن التي تسمعها

في هذا السياق تعوزنا المسافة التاريخية الضرورية لكي نؤكد أو ننفي تلك الطروحات عن الروح التي يزعم البعض أن الموسيقى العربية قد حافظت عليها عبر الأزمان.  ليس لأن الموسيقى العربية يعوزها التاريخ بل لأنها غير مكتوبة، وقد تناقلتها الأنامل والآذان بلا  وثائق مكتوبة. السؤال ههنا ليس في قيام أو عدم قيام الموسيقيين العرب القدامى بتسجيل موسيقاهم وتوثيقها، بل في معرفة السبب الذي منعهم/أو أتاح لهم القيام بذلك. هل هو على علاقة بمحتوى هذه الموسيقى وثراء مقاماتها الهائل والعدد اللامتناهي من الامتزاجات الممكنة لأصواتها ونوتاتها؟

هذه الفجوة التي نتحدث عنها والتي قد تكون سر هذه الموسيقى العظيم لا تتيح التبحر في الزمن و العودة إلى الوراء بما يكفي.  لكنها في المقابل أتاحت للمتحدّثين أن ينفذوا منها ويستندوا إليها كضعف تكويني في بنيتها لكي يدعواإلى التخلص من التخلف والفوضى والانكباب على كتابة الموسيقى وتوثيقها وفقاً لـ "علم" الموسيقى الحديث. هنا قد تكون الإيديولوجيات قد تسللت إلى الروح عبر ثنائيات التطور- التخلف، أو القاعدة-الاستثناء، أو النموذج- الفوضى. هنا صار للموسيقى نموذج تحتذيه؛ وهذا النموذج ما هو في الحقيقة إلا روح موسيقى أخرى لذائقة أخرى، أخذت الموسيقى العربية تحتال عليه رغما عنها لكي تحافظ على بنيتها دون أن ترفض كلياً التأقلم مع النموذج الجديد المفروض

انسجاماً مع التطور "الحتمي" بدأت الموسيقى العربية باعتماد الألحان المكتوبة وتدوين الأصوات بالعلامات الموسيقية أي ما يعادل حروف اللغة، وقامت باستبدال التخت الشرقي بالاوركسترا الحديثة، وتبنت الآلات الموسيقية الغربية. وبالرغم من هذه الثورة بقيت الآلات بالإجمال تعزف وراء المطرب ولا تقرأ مقطوعتها المتماسكة التصاعدية بل ترافق المغني الذي بقي في بداية الأمر يغني أمزجته وامتزاجاته المقامية بحسب مبدأ الارتجال الطربي الذي يميّز الموسيقى العربية عن غيرها. وهنا صارت الأوركسترا إطاراً ديكورياً لا يفهم دوره بدقة اليوم حتى لدى الموسيقيين العرب أنفسهم

هذا التناقض دفع الملحنين والمنظرين الموسيقيين إلى الانكباب على كتابة أعمال لحنية وتوزيعات موسيقية تعطي للفرقة الكبيرة مبرراً للوجود.  صار دور اللحن والغناء فعل تبرير وجود الفرقة بمعنى من المعاني.  صار الهدف محاصرة المطرب ومنعه ما أمكن من الطرب والتطريب والسلطنة.  لكن ما هو الطرب؟ ما هي هذه الحالة التي يذوب فيها المطرب مع جمهوره في حالة من الصوفية المتسامية المرتفعة إلى الأعلى؟ ما هي هذه الحالة التي تدفع بالجمهور إلى الدخول في الحالة الموسيقية والتوحد مع اللحن والأغنية وعالم المغنّي– إذا جاز القول؟

التساؤل ذاته يطرح نفسه على مثل هذا التحوّل التطويري الذي اصطدم أيضاً ببنية الموسيقى العربية ذاتها وتركيبة عناصرها.  فما تعتبره الأذن الغربية نشازا هو الجسم الأساسي.  ودون الغوص في علم الموسيقى وتقنيته يكفي أن نقارب الموضوع من زاوية يسمع بها الناس عندنا بشكل كثيف. فالجميع سمع بخصوصية وجود ربع الصوت في الموسيقى العربية وفي آلاتها، الأمر الذي ينعكس استعمالا على المسافات الصوتية عند العرب بطريقة لا يعرفها الآخرون ولا يستسيغونها

على أي حال وبمعزل عن التدخل الإيديولوجي في الموسيقى وتعلقه بنموذج محدد من التطور تشير كافة البرامج التي تجري لاختيار مرشحين جدد للغناء إلى ترسيخ الموسيقى العربية بشكلها العربي لدى غالبية هؤلاء المغنين الشباب الذين ما زالت أذنهم تعشق قبل العين أحيانا

المصدر : القدس العربي