خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

التوازن بين الموسيقى العربية والأوروبية

. قضية موسيقية

سالم عبد الكريم

الموسيقىالآلية قيمة حضارية وإنسانية في الواقع الإنساني للمجتمعات والشعوب والأمم وحتى الأفراد. والمعلوم أنها في المنطقة العربية عانت ولا تزال تعاني من إهمال كبير وتقصير أكبر ساهم ويساهم في عدم أخذها المكانة اللائقة التي تؤهلها للقيام بالدور المطلوب.

والواقع أن العمل الموسيقي الجاد في المنطقة العربية يكاد يكون مستحيلا أو هو نوع من الإبحار ضد تيارات كثيرة، ولم يعد مقبولا على المنطقة العربية بمؤسساتها المختلفة والمتعددة التسميات ألا توجد فيها جهة تتبنى إصدار موسيقى جادة بمستويات راقية تساهم في تقديم صورة حضارية مطلوبة جدا، خدمة للواقع الحالي وللأجيال القادمة، بالإضافة إلى تبني ما يتعلق بشؤون الإصدار الأخرى من عمليات التسجيل والتصميم والطباعة والتوزيع والدعاية وغيرها، ويسبق كل ذلك تحمل كلف الإنتاج المادية.

وعلى الرغم من كون الأمة العربية كبيرة في هذا العالم من ناحية المساحة والسكان والإمكانات المادية وغزارة التراث والثراء الفكري فإنها  للأسف الشديد لا تساهم بالشكل المطلوب مساهمات حضارية موسيقية وثقافية وفنية معاصرة كما ينبغي ويجب، مما أدى إلى أن تتقوقع حضاريا، وتتبوأ أسفل سلّم الإنجازات، وبالتالي أصبحت قليلة الفعل والتأثير الثقافي على المستوى العالمي.

ولكي أنتقل إلى الأخبار الجيدة والمتفائلة أود إعلام جميع المهتمين ومتذوقي الموسيقى الراقية أننا وبعد جهود مضنية وكفاح طويل ومصاعب جمّة أصدرنا «سي دي» القرص الثاني من سلسلة العود العالمي «The Global Oud» وهو بعنوان «چيمالي والي» وكنا قد أصدرنا الجزء الأول من هذه السلسلة وعنوانه هو «كل يوم هو يوم جديد» عرضنا له في مقال سابق.

في هذا الجزء الثاني من مشروع العود العالمي، أردت أن أحقق نوعا من التوازن مع الجزء الأول «الذي احتوى عدة نماذج أوروبية»؛ ولذلك وضعت فيه مجموعة من المؤلفات الشرقية الطابع وهي: «تنويعات على (چيمالي والي)» وهي بالأساس أغنية فلكلورية عراقية مشهورة. «تنويعات على موسيقى (عزيزة)» من مؤلفات الفنان محمد عبدالوهاب «وهنا أود التوجه بالشكر الجزيل لورثته الذين تكرموا مشكورين وبعثوا لي موافقتهم الرسمية لإعادة توزيع هذه القطعة الموسيقية الجميلة».

والموسيقى الأخرى التي وضعتها في هذا الجزء هي موسيقى «سنگام» وهي من ألحان الملحن الهندي شانكار جاكيشان وأداء المغني موكيش؛ وهي أغنية جميلة قدمت في فيلم هندي مشهور شاهده الجمهور في بداية الستينات من القرن الماضي من تمثيل الممثل الهندي المشهور «راج كابور» ونالت هذه الأغنية شهرة عالمية منذ ذلك الحين. وبالمناسبة فإن عملية الحصول على إذونات رسمية من الجهات التي تمتلك حقوق الملكية الفكرية كانت عملية صعبة واستغرقت وقتا طويلا جدا، ويكفي أن أشير إلى أنني استغرقت أكثر من عامين كاملين حتى تمكنت من الوصول إلى الجهة التي تمتلك حق منح إذن التعامل مع الأغنية الهندية آنفة الذكر.  «تنويعات على البنت الشلبية « وهي تنويعات ألفتها على اللحن الفلكلوري العربي المشهور المبني على أغنية شاميـّة هي «البنت الشلبية» أو بالأساس «العزوبية طالت عليه» وأعتقد أن هذا اللحن بالأصل غير عربي ولهذا الموضوع حكاية أخرى ليس هنا أوان تناولها.

وتأتي بعد هذا «Tülin»وهي من مؤلفاتي الموسيقية التي كتبتها بالأساس للعود المنفرد «ألفتها في أنقرة – تركيا» ولكنني هنا أعدت توزيعها للعود مع الفلهارمونيك أوركسترا السيمفوني وأعتبرها صيغة متقدمة للقالب الشرق أوسطي المعروف بإسم «اللونگة Longa  ( تكتب خطأ (اللونجة)». وكما في الجزء الأول من هذه السلسلة فقد استخدمت في جميع القطع الموسيقية التي يحتويها هذا الإصدار إيقاعات متعددة وألوانا صوتية خلابة وتراكيب هارمونية مختلفة بالإضافة إلى ثنائيات وثلاثيات للآلات الأوربية مع العود.

وبالطبع ، فمع العود مجاميع متعددة أخرى من أقسام الأوركسترا المختلفة حتى الفلهارمونيك سيمفوني أوركسترا جميعها (Tutti). وأنا على ثقة تامة أن الدراسة المتأنية لهذه المؤلفات هي بمثابة إضافة نوعية ممتازة للمكتبة المعرفية للتأليف السيمفوني من جهة، وللتوزيعات الأوركسترالية من جهة أخرى؛ ولكل المتعاملين والمهتمين والدارسين لعلوم التأليف الموسيقي والتوزيع الأوركسترالي، وبالذات لمن يهتمون بآليات استخدام الآلات الموسيقية الشرق أوسطية المختلفة وعلى رأسها العود؛ وهذه الأمور بالمناسبة لم يجر تناولها بصورة محترفة من قبل في أي كتاب من كتب التأليف الموسيقي أو التوزيع الأوركسترالي.

وأود أيضا أن أكرر هنا أن كل مهتم ومتتبع منصف لشؤون الموسيقى العربية والشرق أوسطية يدرك أن هذا الجزء ــ كما هو الجزء الأول من هذا المشروع الكبير وهو مشروع العود العالمي ــ يعتبر من أهم المشروعات الموسيقية في تاريخ العود من النواحي الثقافية والعلمية والذوقية، وكل ناحية من هذه النواحي تحتاج إلى كتاب لكي أوضح ما أعنيه، ولكني أردت إشعال شمعة بدل أن ألعن ظلام التخلف والجهل وانعدام الاهتمام الحقيقي بالإنتاج الموسيقي الراقي المبني على أسس علمية وثقافية وذوقية وجمالية.

وفي عالم كالذي نعيش فيه جعلته وسائل الاتصال الحديثة بمثابة قرية صغيرة، لم يعد لنا أي عذر بالبقاء متمسكين ومستغرقين في نماذج فنية متخلفة مكررة ومتشبثين بأساليب وطرق وأطروحات عفى عليها الزمن وأثبتَ فشلها، فلا نحن استفدنا من تراث موسيقي عريق، ولا ساهمنا بالشكل المطلوب في بناء معاصر مؤثر.