خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية في مواجهة تحديات العصر

. قضية موسيقية

علي الأحمد

من واقع الموسيقى العربية اليوم وأزمتها المستدامة، لا بد من القول: إن تشخيص عوامل هذه الأزمة ومسبباتها هو الخطوة الضرورية لتقديم الحلول الناجعة والمستطاعة بما يشكل سداً منيعاً في الوقوف ضد تحديات العصر وبخاصة في مجال قضايا الموروث والحداثة الموسيقية المطلوبة بما يفضي إلى تحقيق انطلاقة حقيقية نحو قراءات واعية ومعمقة للنظام الموسيقي العربي ومفرداته الأصيلة التي غابت أو غيبت من النتاجات المعاصرة!!

 

‏و للأمانة لابد من القول هنا: إن تشخيص أزمة الموسيقى العربية كان قد بدأ منذ بدايات القرن الماضي وتحديداً أثناء انعقاد المؤتمر الأول للموسيقى العربية عام 1932 في القاهرة، وتواترت الاهتمامات إلى يومنا هذا،  بحيث تراكمت التوصيات و القرارات الهامة التي قدمت على كونها علاجاً ناجعاً لهذه الأزمات التي بدت بالرغم من ذلك مستعصية وغير قابلة للحل بسبب تعارض واختلاف الرؤى بين الموسيقيين العرب وهو ما تؤكده على الدوام الصراعات الفنية الخفية والمعلنة ما بين تيارات الموروث والأصالة والحداثة والتجديد بما فرضته تحولات الحياة الحديثة وأثرها في بنية المجتمع العربي عموماً، خاصة أن الموسيقي العربي واجه بدوره تحديات عديدة مع دخول تقانات ومفردات غربية قلبت الحياة الموسيقية العربية مما فرض لغة جديدة في الكتابة اللحنية والصوتية ووسع مدارات وأفق اللغة الأصيلة بعد أن تماهت سنين طويلة مع مفردات طربية كان أغلبها يسعى أو يتبنى البعد الحسي وليس النفسي الذي أسر الموسيقي العربي وكبل الصوت وحبسه في نطاق ضيق ومحدود .

من هنا كان للمفردات الغربية الكلاسيكية دور هامٌ في إثراء هذه اللغة ومنحها ألق حياة جديدة أثرت بدورها في الكثير من الممارسات الموسيقية التي غيبت العديد من الأنماط والقوالب الموسيقية الموروثة لتحل مكانها أنماط موسيقية تأرجحت ما بين البعد التعبيري والنفسي والبعد الاستهلاكي التجاري الذي توسعت مداراته في يومنا هذا نتيجة عوامل عديدة منطقية وطبيعية لعدم تنفيذ وتبني التوصيات والقرارات التي شرعتها المؤتمرات العتيدة للموسيقى العربية ومؤتمرات المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية بما قدم بدوره من إسهامات غنية و مخلصة في سبيل تشخيص حقيقي لهذه الأزمات المتواترة والتي أثرت دون شك في تثوير وارتقاء اللغة الموسيقية العربية المعاصرة ووضعها في سياقها و بعدها الإنساني المنشود.

إن فقدان الروح والوعي الحقيقي بعمق ومدى الأزمات الموسيقية المتصاعدة هو في المحصلة كارثة حقيقية بدأت نتائجها تظهر على سطح و تفاصيل الحياة الاجتماعية العربية بشكل يعكس في المحصلة عمق الأزمة التربوية والأخلاقية في مناخات بدأت تسيطر وتمتد كالأخطبوط في ثنايا ومفردات هذه الحياة والاتجاه نحو سمت المناخات التجارية التي تتمثل اليوم بسوق ممتد من البضاعات الموسيقية الفاسدة التي تتبناها الكثير من المكانات الإعلامية وبخاصة الفضائيات والإذاعات الغنائية ذات التوجه النفعي الذي يتبنى منطق التاجر من ربح وخسارة على حساب القيم والمشاعر الإنسانية التي من المفروض على صناع هذا الفن من أن يتبنوها و يحملوها أعمالهم التي باتت فارغة من أي مضمون فكري أو وجداني يثري الذائقة ويغني الطقوس السمع بصرية بما يعيد الروح والبعد الجمالي المفقود لدور هذا الفن في بناء الوطن والإنسان .

إن البيئة الموسيقية العربية اليوم مليئة مع كل أسف بالأمراض والأوبئة الفتاكة التي باتت تفتك بجسم الحياة الموسيقية العربية دون أن يكون هناك ثمة علاج فعال وناجع يشخص أولاً وقبل كل شيء الحالة المرضية ومسبباتها ليصل إلى العلاج الأمثل بعد أن عاث الفساد والانحدار في أوصالها،  والدواء برأينا متوافر عبر العودة المخلصة إلى الجذور وإلى منابع الروح الأصيلة في الكتابة الموسيقية تلك الروح المرنة والمطواعة والتي استفادت في كثير من مراحلها بالمفردات الوافدة من موسيقات مختلفة فأصبحت على الدوام نابضة بالحياة ومفردات الإبداع والتفرد قابلة للتعديل والتطوير من داخلها طوعاً وليس قسراً، حيث قدمت مشاهد موسيقية مضيئة تحمل بين طياتها ألواناً أصيلة موشاة بتأثيرات موسيقية للآخر الذي تحاور معه الموسيقي العربي واستفاد من مفرداته منذ القدم كما يخبرنا بذلك الأصفهاني في كتابه الموسوعي (الأغاني) وغيره من مؤرخين أثبتوا هذا الحوار الحضاري مابين الموسيقي العربي والموسيقي الإغريقي والفارسي قديماً والتركي أو الغربي الأوروبي في العصر الحديث بما وضع هذا الفن في مناخات تعبيرية وذروات جمالية أخاذة كتب ورسم مشاهدها العظيمة أسماء مبدعين انطلقوا من موروثهم الموسيقي وجمالياته المتفردة ليكتبوا مشروعاً موسيقياً حداثياً في أبعاده الاجتماعية والروحية، هذا المشروع الذي اصطدم مرات عديدة بعقبات أعاقت ارتقاء لغته الجمالية خاصة في عدم توافر مكانات إعلامية تقدم مفرداته وتغني اسهاماته بقراءات نقدية أكاديمية حيث يسيطر المد الاستهلاكي على كافة هذه المكانات مما جعل هذا المشروع ينكفئ ويتراجع إلى الظل في استعادة للمقولة الشهيرة "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة"، ومع ذلك ومن هذا الواقع المظلم كان على هذا المشروع أن يثبت قوته وحضوره في العديد من الفعاليات والمنتديات التي باتت تقام في الكثير من البلدان العربية وبلدان العالم وهو ما وسع دائرة الاهتمام وأفق المتابعة والتلقي بما شكل مادة خصبة للمتلقي العربي الذي بات مع النتاجات الاستهلاكية محروماً من موسيقاه ومفردات هويتها الإبداعية في سبيل الاندماج مع اللغة الواحدة القائمة التي تتبناها وتروج لها منظومة العولمة اليوم بما يشكل خطورة لا يمكن لأحد أن ينكرها على هذه المفردات الأصيلة التي هي نتاج عبقري لمفكري ومبدعي هذا الفن على مر آلاف السنين بما أصل هذه الروح الإبداعية وقدم من خلالها مدارس موسيقية كان لها تأثيرات وبصمات حقيقية في كثير من موسيقات العالم.

ختاماً لا بد من القول: إن الموسيقى العربية المعاصرة تواجه اليوم أزمات حقيقية على القيمين أن يتداركوا الأمر هذه المرة بشكل عملي بعد أن أشبع الموضوع بحثاً وتنظيراً خاصة في مجال الحفاظ على الهوية الموسيقية العربية وعناصر اللغة الموسيقية وخصوصياتها حيث باتت التكنولوجيا الحديثة وكما نعلم تؤثر بشكل سلبي في ذوبان هذه العناصر من مقامات وإيقاعات وآلات وطقوس الإنتاج والتلقي وغيرها من مفردات تشكل عبئاً ماثلاً أمام الموسيقي العربي الذي بات يفتقد روح التمرد والثورة على واقع موسيقي معاصر يسير في مسار التبعية والغربنة بما فرغ هذا الفن من مضمونه الإنساني الذي دافع عنه الرواد وأعلام هذا الفن منذ آلاف السنين وهو ما يفتقده المشهد الموسيقي المعاصر حيث تحمل العناوين التجارية الفاضحة مناخات الروح الحداثية المعولمة وتقدمها كنموذج أمثل لحركة وتطور هذا الفن واندماجه في مفردات هذه الروح التي تشرعن الاقتباس والذوبان و الإبهار الفارغ في سبيل إلغاء الروح الأصلية التي لم تعد تجد من يحتضنها ويدافع عنها لأنها وببساطة تتعارض مع روح الاستهلاك وانعدام القيم التعبيرية والجمالية، هذه القيم التي تؤنس الإنسان في زمن بات يعتم على كل ما هو أصيل ونبيل في موسيقانا بمباركة هذه الروح الحداثية المعولمة التي لن تفضي إلا إلى الخواء الإبداعي والعماء الروحي الذي ما بعده عماء.‏