خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

فضاء الموسيقى الإلكتروني والمغالطات العربية!

. قضية موسيقية

إبراهيم فرغلي

لعل البحث عن كلمة موسيقى هو واحد من أكثر ألوان البحث على فضاء الإنترنت اتساعا، ولكي نقرب الصورة فإن عدد نتائج البحث عن الكلمة ربما يعد من أكثر النتائج اتساعا على الشاشة وهو ما يعكس الاهتمام المنقطع النظير بفنون الموسيقى المنوعة في أرجاء العالم.

وبالرغم من أن البحث باللغة العربية أيضا يعكس الاهتمام بالموسيقى فإن المقارنة بين البحث عن كلمة موسيقى باللغة العربية ونظيرتها الإنجليزية يكشف عن مفارقة لافتة. فبينما تصل في العربية إلى 20 مليونا و600 ألف نتيجة، فإنها تصل في الإنجليزية إلى مليارين و130 مليون نتيجة!!

وليس هذا هو الفارق الوحيد فبين ملايين المواقع العربية التي تهتم بالموسيقى نجد المواقع الاحترافية نادرة على عكس المواقع الأجنبية.  فأغلب المواقع العربية منتديات غير متخصصة لهواة سماع الأغاني، أو مواقع تحوي وصلات لتحميل بعض المقاطع الموسيقية أو الأغنيات للمطربين الشباب.  وتوجد آلاف الصفحات الإلكترونية التي تظهر في نتائج البحث بالعربية ينحصر دورها في الإحالة على روابط موسيقية غربية.  لكن ما يزعج حقاً البحث عن كلمة موسيقى باللغتين العربية والإنجليزية في موسوعة «ويكيبيديا» الإلكترونية.  فبينما يأتي المضمون العربي فقيرا ومريبا، كما سنشير بالتفصيل لاحقا، فإن الصفحة المخصصة لموضوع الموسيقى باللغة الإنجليزية، على النقيض تماما، تتضمن مادة وافية تعريفية علمية بمفهوم الموسيقى، بدءا من تعريفها بوصفها فناً وسيطه الصوت المقسم عبر الزمن، وأن عناصره الأساسية هي النغم والإيقاع، ثم الإشارة إلى التطور الذي شهدته منذ عرف الإنسان أصوات الطبيعة مثل الرياح والرعد، وغيرهما، وحاول أن يقلدها، مرورا بمسيرة اختراع الآلات الموسيقية في ثقافات العالم البدائية وتطورات هذه الآلات في العصر الحديث. كما يشير التعريف بتاريخ الموسيقى تناول فلاسفة الحضارتين اليونانية والهندية القديمة لتعريفات الموسيقى.

جذور الموسيقى الأوروبية

وتشير الموسوعة في هذه الصفحة إلى جذور الموسيقى في أوروبا، والتي تعود تقريبا للعام 500 ميلادية، حيث بدأت في تراتيل الكنائس، ثم تطورت الموسيقى الكنسية الى ما عرف بموسيقى عصر النهضة (الريناسنس) منذ مطلع عام 1400، والتي امتدت لقرنين من الزمان قبل أن تشهد تطورا لاحقا منذ العام 1750 تقريبا مع نشأة ما عرف بموسيقى «الباروك»، والتي ارتبطت بانتشار المؤلفين الموسيقيين وبدء تاليف الأوبرا. ومنذ عام 1750 وحتى عام 1800 انتشرت الموسيقى التي تعرف بالكلاسيكية، والتي اتسمت بظهور السيمفونيات الموسيقية على أيدي عدد من الموسيقيين البارزين مثل هايدن وموتزارت، قبل أن تظهر موجة جديدة هي الفترة الرومانسية منذ العام 1800 مع ظهور أقطاب في الموسيقى من أمثال بيتهوفن وفرانز شوبرت، ومن تلاهما.

ثم يشير الموقع إلى ألوان الموسيقات الجديدة المعاصرة وبينها موسيقى الجاز Jazz، التي رافقت هجرات الأفارقة إلى أمريكا واوروبا، ثم الموسيقات الأحدث مثل موسيقى البوب، والروك آند رول، وموسيقى الريف وغيرها.

أما خارج أوروبا فيتناول الموقع التعريف بموسيقى الحضارة الهندية وتاريخها والموسيقى الآسيوية وموسيقى منطقة الخليج العربي وموسيقات منطقة أفغانستان وباكستان، ثم موسيقى الصين وفنونها، مروراً بالموسيقى الفارسية وتقاليدها، وصولاً إلى الحضارات الإسلامية في آسيا الوسطى بإشارات مبتسرة، لكن هناك روابط تحيل إلى تفاصيل كل منها.

وتتدفق المعلومات عن تاريخ الموسيقى في الغرب وفنون التأليف، والتوزيع الموسيقي، وأهم الآلات الموسيقية، وغيرها، ولمن يرغب في الاطلاع أن يقرأها على هذا الموقع الإلكتروني:

www.en.wikipedia.org/wiki/music

الموسيقى عند المسلمين

لكن ما يثير الانزعاج حقا هو كيفية تناول المرجع الغربي للموسيقى العربية وكذلك كيفية تناول المرجع العربي للموسوعة نفسها.  ففي اللغة العربية تناول الموقع كلمة موسيقى على هذا النحو:

"الموسيقى (أو «الموسيقا»)، هي فن مألفة الأصوات والسكوت عبر فترة زمنية. خصائص الصوت التي تصف الموسيقى هي طبقة الصوت (pitch-تشمل اللحن والتجانس الهارموني)، الإيقاع (بما فيه الميزان)، الجودة الصوتية لكل من جرس النغمة (timbre)، الزخرفة (articulation)، الحيوية (dynamics)، والعذوبة (texture).

تأليف الموسيقى وطريقة أدائها وحتى تعريفها بالأصل تختلف تبعًا للسياق الحضاري والاجتماعي. وهي تعزف بواسطة مختلف الآلات: العضوية (صوت الإنسان، التصفيق) وآلات النفخ (الناي، الصفارة) والوترية (مثل: العود والقيثارة والكمان)، والإلكترونية (الأورج).  تتفاوت الأداءات الموسيقية بين موسيقى منظمة بشدة في أحيان، إلى موسيقى حرة غير مقيدة بأنظمة في أحيان أخرى."

 

وتحت عنوان «الموسيقى عند المسلمين» لن نجد سوى هذه الفقرة:

«تسمى بالمعازف وهي محرمة شرعاً».

هذا هو التعريف العربي للموسيقى العربية، فماذا عن الغرب، وكيف تناولوا موسيقانا العربية؟

تشير الموسوعة نفسها في نسختها الإنجليزية إلى:

"أن الموسيقى العربية تتضمن ألوانا من الأنواع والأساليب الموسيقية التي تمتد بين الموسيقى الكلاسيكية وصولاً إلى الموسيقى المعاصرة الحديثة، وبين الإنشاد الديني والموسيقى ذات الطابع المدني.

وبينما تعرف الموسيقى العربية بتفردها وحيويتها فإن لها تاريخاً طويلاً من التأثر والتأثير في موسيقات الحضارات المجاورة مثل الحضارة المصرية القديمة، والإغريقية، والفارسية، والكردية والآشورية والتركية والهندية، وموسيقى شمال إفريقيا، والموسيقى الإفريقية (السواحيلية)، والموسيقى الأوربية (الفلامنكو).  ويشير موقع موسوعة «يوكيبيديا» إلى أن تطور الموسيقى العربية تعود جذوره الأولى إلى مرحلة الشعر العربي القديم الذي ساد في عصور ما قبل الإسلام، وأن ظهور الموسيقى في تلك الفترة ارتبط ببعض الطقوس الشعائرية التي ارتبطت بالسحر، كما شاع لاحقا بدء ظهور آلات موسيقية مثل الربابة والعود وعرفت النساء بالصوت الجميل.

يشير التعريف الى الكندي (801- 873) بوصفه أول من قدم تنظيرا موسيقيا في اللغة العربية، وله الفضل في إضافة الوتر الخامس لآلة العود، وألف 15 مؤلفا عن الموسيقى لم ينج منها سوى خمسة مؤلفات، وساهم في التأثير في الموسيقيين الغربيين والاتراك والفرس وغيرهم من معاصري تلك الفترة وما تلاها.

أما الموسيقي الثاني فهو الفارابي (872- 950)، الذي ألف «كتاب الموسيقى الكبير» والذي تضمن الأسس والقواعد الموسيقية التي يسير على نهجها الموسيقيون العرب حتى يومنا هذا."

 

ويشير الموقع إلى المقامات الموسيقية بوصفها الأساس اللحني والنغمي للموسيقى العربية، وهو يمكن أن يميز بالطبقات الصوتية أو أدوات العزف ولا يتضمن الإيقاع.  كما يتناول تعريفا بمراحل تطور الموسيقى العربية في العصر الأندلسي، ويشير الى تأثير الموسيقى العربية في الغرب، وكيف ساهمت الآلات الموسيقية العربية في تطوير الآلات الغربية، موضحا أن الجيتار تطور من القيثارة، وأن الكمان تطور من الربابة، والطنبور من العود، وآلات الإيقاع من الطبل، وغيرها من التأثيرات.  ثم يصل الموقع إلى الموسيقى العربية المعاصرة مشيرا إلى بعض نجوم الغناء العربي مثل أم كلثوم وفيروز، بوصفهما الامتداد للتقاليد الموسيقية التي تأسست بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية.  ثم يشير الى منتصف القرن الماضي بوصفه الشاهد على الموسيقى العربية المعاصرة التي تأثرت بالغرب متوقفاً عند بعض النماذج المهمة مثل عبد الحليم حافظ.  ثم يشير إلى فترة تسعينيات القرن الماضي بوصفها فترة التأثر بالموسيقى الغربية في ألحان مزجت بين الشرقي والغربي، مشيرا إلى أبرز أسماء النجوم الشباب العرب.

 

هذا هو المرجع الغربي حين يؤصل لظاهرة أو معلومة، بموضوعية وبلا تحيز، وببحث عن المعلومات من مصادرها العديدة والمتنوعة. أما الموقع العربي الذي يفترض أن يكون أكثر تخصصا في تأصيل الظواهر التي تخص الثقافة التي ينتمي إليها، فبدا فقيراً، منغلقاً، متكاسلاً، ومريباً.

إن الموسيقيين العرب والمختصين في توثيق التراث الموسيقي العربي مدعوون للإسهام في تصحيح المعلومات المدرجة على هذه الموسوعة الشعبية الإلكترونية، ومدها بالمعلومات الأساسية عن تطور مسيرة فن الموسيقي العربي على مدى تاريخه الطويل.