خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الموسيقى العربية ومعطيات التحديث

. قضية موسيقية

 

د. رحيم هادي الشمخي

تعرض العالم العربي في القرن العشرين لتطورات وثورات تركت آثارها على الشعوب العربية التي يؤلف بينها جميعاً ذلك الإطار العام للحضارة الإسلامية العربية. والعالم العربي يمتد جغرافياً من أقصى شمال أفريقيا غرباً إلى غرب آسيا شرقاً، وتنضوي في هذا الكيان الضخم - بجناحيه الشرقي والغربي - ثقافات محلية لكل منها سماتها وتاريخها ولهجاتها وتراثها،‏ ونظمها الاجتماعية المتباينة، ولكنها مع ذلك تشترك جميعاً في تراثها الديني وأهم ملامح تراثها الثقافي.  وإن نظرة فاحصة لأمور العالم العربي في نهاية القرن العشرين لتنطق بأبعاد ما تعرض له من تطورات سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، أبرزها على الجانب الإيجابي اكتشاف النفط في عدد من البلاد العربية، وما واكب ذلك من الطفرات الاقتصادية والاجتماعية والملابسات السياسية.  فهو قد خلق فجوة ضخمة بين التراث والواقع المعاصر، ولا زالت شعوب العالم العربي تجهد لاحتواء آثارها - بخيرها وشرها - وتسعى لتوجهها توجيهاً رشيداً.‏

ولابد لنا أن نستقرئ شؤون الموسيقى في العالم العربي في نهاية القرن الماضي لنرى هل حققت الموسيقى العربية نهوضاً وازدهاراً يتكافآن مع ما تحقق في بعض مجالات الاقتصاد والعمران؟ وسنحاول هنا أن نلخص - قدر المستطاع - الإيجابيات والسلبيات في الموسيقى العربية في القرن المنتهي وأوائل القرن الحالي، لعل هذا التقييم يهدينا في جهودنا للارتقاء بشتى مناحي الثقافة والفن، وفي سعينا للنهوض بالعالم العربي ليلاحق مسيرة تقدم متوازن رشيد يحفظ له هويته.‏

ومفهوم "الموسيقى العربية" يطلق على التقاليد الموسيقية المتوارثة عبر القرون في هذه المنطقة العربية، وعلى الفن الموسيقى الراقي "وليس التلقائي الشعبي" الذي يمارسه فنانو الموسيقى ومحترفوها في العالم العربي.  وينبغي أن نشير هنا إلى أن صفة العروبة التي أصبحنا نؤكد عليها كثيراً في السنوات الأخيرة - لا تلغي ما يضمه هذا التراث من عناصر موسيقية فارسية وتركية لها دورها في تشكيله، وهذه العناصر الثلاثة قد انصهرت معاً فيما يمكن أن يسمى "موسيقى الحضارة الاسلامية" في جانبها العربي الشرقي.‏

وهذا التراث الموسيقى العربي التقليدي راسخ الجذور في وعي الشعوب العربية التي تناقلته عبر سنوات "بل عبر قرون" عن طريق التواتر الشفوي، إذ إن التدوين الموسيقى لم يكن معروفاً قبل بدايات القرن العشرين.  وإن ما يدعو للعجب صمود هذا التراث الموسيقي الشفاهي على الزمن رغم غياب التدوين والتوثيق، كما أن مقطوعات التراث أصبحت غالباً مجهولة الملحن، وهو ما يشير إلى أن هذا التراث قد أصبح ملكاً مشاعاً يجري توارثه من جيل إلى جيل سمعياً وشفوياً.  أما كيف تناقلت الأجيال هذا التراث السمعي فإن الموسيقيين الناشئين ظلوا - حتى مستهل القرن العشرين - يأخذونه بالسماع والذاكرة عن شيوخ الفن، ومنهم كانوا يستمدون معرفتهم بأصول هذا الفن: أسماء وطوابع المقامات التي بلغت المائة أو كادت في البلدان العربية وفق ما هو مسجل في الكتاب المرجعي الكبير، كتاب مؤتمر الموسيقى العربية - القاهرة 1932 حين يقول: "بلغ مجموع المقامات الشرقية 95 مقاماً، منها 52 مستعملة في مصر وهي مستعملة أيضاً في سوريا، وعدد المقامات المستعملة في العراق وجزيرة العرب 37، وفي المغرب العربي 24".‏

وحتى هذا التعليم الموسيقي بالسماع والتواتر والشبيه بأساليب التعليم في العصور الوسطى - لم تكن إمكاناته متاحة بسهولة.  فالمصدر الرئيسي للاستماع كان السهرات الغنائية في بيوتات الأثرياء والتي كانت تتيح الفرص للناشئين لتكوين صنعتهم الموسيقية، وكان ذلك التعليم يعتمد في المقام الأول على أريحية المعلم ورغبته في الإفادة ثم على براعة الدارس وقدرته على التقليد والحفظ ثم الابتكار فيما بعد في نفس ذلك الإطار الموسيقي التقليدي المستقر.‏

ومقامات الموسيقى العربية السائدة في كل أنحاء العالم العربي - وإن اختلفت أسماؤها - توفر للملحن ظلالاً مرهفة من الأجواء النفسية بفضل "لفتات لحنية" تميز طابع المقام، وهي لفتات لحنية مألوفة للمستمع العادي؛ فهو يتعرف بسهولة على طابع مقام الصبا الشجي، وغيره من المقامات التي ترتبط في أذهان المستمعين بلفتات لحنية مميزة، توحي بأجواء نفسية خاصة.‏

 

ومعروف أن عدداً من المقامات العربية يتكون من أبعاد كاملة وأنصاف الأبعاد، وهناك المقامات العربية التي تتألف من هذين النوعين بالإضافة إلى نوع ثالث هو "البعد الوسيط"، أي ما يعرف تجاوزاً بثلاثة أرباع الصوت وهو الذي يفرق بجلاء تام بين موسيقى الغرب والموسيقى "العربية".

والعنصر الثاني الرئيس في الموسيقى العربية التقليدية هو الإيقاع، وهو كذلك يختلف عن الإيقاعات الغربية التي ظلت تعتمد على "الكم" التكراري "ولم تتحرر من هذا الإيقاع الكمي الرتيب إلا في القرن العشرين". أما الضروب الإيقاعية في الموسيقى العربية فتعتمد أساساً على "الكيف"، كما أنها غالباً أحادية "عرجاء" ومنها ضروب بالغة الطول وتتراوح بين نبر قوي "دم" ونبر ضعيف "تك" وسكتات، فالموسيقى العربية إذاً ذات عنصرين فقط (اللحن والإيقاع) وليس ثلاثة (اللحن والإيقاع والهارموني) كالموسيقى الغربية.‏

المؤتمر الدولي لبحث أمور الموسيقى العربية‏

كان انعقاد المؤتمر الموسيقي الدولي في مارس 1932 حدثاً تاريخياً بكل المقاييس لأنه كان نقطة تحول حقيقية من الممارسة السماعية إلى محاولة الدراسة والتخطيط للمستقبل والتصدي للمشاكل المعقدة المحيطة بالنمو في المستقبل، واشترك في ذلك المؤتمر عدد كبير من أكبر الشخصيات الموسيقية في الشرق والغرب ومثلت فيه كل التخصصات العلمية من المؤرخين الموسيقيين وعلماء موسيقات الشعوب والمبدعين والمنظرين من الشرق والغرب - وقامت لجانه السبع بتقصي أمور الموسيقى العربية، واللجان هي:

1.    لجنة الشؤون العامة

2.    لجنة المقامات والإيقاع "الأوزان" والتأليف "التلحين"

3.    لجنة السلم الموسيقي وكانت مهمتها "بحث مقادير الأبعاد السبعة وانقسامها لأربعة وعشرين ربعاً وتسهيل تسمية الأصوات والتوصل لأفضل طريقة لتدوين الموسيقى العربية"

4.    لجنة الآلات الموسيقية

5.    لجنة التسجيل التي قامت بانتخاب أهم أنواع الموسيقى التراثية الفنية التي قدمتها الفرق الموسيقية المشاركة في المؤتمر والتي قدمت من أنحاء العالم العربي، كما اهتمت هذه اللجنة بجمع "الموسيقى الريفية" الشعبية بتعبير المؤلف الموسيقي الهنغاري بيلا بارتوك

6.    لجنة التعليم التي كرست أبحاثها للنظر في أوضاع التعليم في المدارس والمعاهد المتخصصة والمناهج ووسائل إعداد المعلمين المؤهلين  

7.    لجنة تاريخ الموسيقى والمخطوطات.

وفي ذلك المؤتمر بدأت خطوة حاسمة في خروج الموسيقى العربية من إطار فكر العصور الوسطى إلى آفاق العلم والدرس والتخطيط، كما أنه ترك ذخراً ضخماً من التسجيلات الموسيقية النقية للتراث التقليدي في المشرق والمغرب قبل أن تمتد إليه عوامل التغيير والمؤثرات الوافدة.  ونعرض في ما يلي لبعض من أهم التطورات التي أعقبت المؤتمر.‏

وسائل الاتصال الجماهيري

من أهم سمات القرن العشرين سقوط حواجز الزمن والمسافات وتقارب أركان الأرض وسرعة انتقال وانتشار الاختراعات العلمية الجديدة في أنحاء العالم.  وعندما دخلت المنطقة العربية وسائل الاتصال الجماهيري والنقل الميكانيكي للموسيقى تغيرت أوضاع الموسيقى العربية وذلك عن طريق الأسطوانات والراديو والكاسيت وشريط التسجيل والسينما والتلفزيون والفيديو وتوابعها، وصولاً إلى الحاسب الآلي بآثاره على تدوين وتسجيل وسماع الموسيقى، إلى آخر هذه السلسلة المثيرة والمتعاقبة الحلقات بسرعة لاهثة.‏

وقدمت شركات الأسطوانات الأوروبية إلى البلاد العربية منذ مطلع القرن العشرين وتحديداً منذ حوالي سنة 1904 فقد جاءت إلى مصر شركات غرامافون وبوليفون وأوديون وباثيه وغيرها، ثم امتد نشاط هذه الشركات إلى سوريا ولبنان والعراق، ووجدت لها سوقاً رائجة في تلك البلاد بأسطواناتها المعدنية الأسطوانية Cylinder«الكبابه»، ولم تلبث شركات محلية أن دخلت حلبة المنافسة مثل "سمع الملوك" و"بيضا فون" وهي التي حققت نجاحاً عريضاً.  ومن أهم ما حفظته تلك الأسطوانات المبكرة تسجيلات لكبار فناني الموسيقى العربية التقليدية في عصر من أزهى عصورها مثل: عبده الحامولي.  والملاحظ أن جلّ اهتمام شركات الأسطوانات انصب في أول الأمر على الموسيقى العربية التقليدية الفنية وحدها وأبرز أعلامها. ولولا هذه الأسطوانات المبكرة لأسدل الستار على فصل أصيل وقيّم من تاريخ الموسيقى العربية وربما كان اقتصر الأمر على تداول الأخبار الأدبية عنه دون أي توثيق مسموع!‏

المصدر جريدة الثورة السورية