خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

الأغنـية العربية المصورة

. قضية موسيقية


لطفي زغلول

 

الأغنية المصورة هي الترجمة العربية لمصطلح الـ "فيديو كليب". وهي من نتاج الثقافة الغربية التي أصبح لها سوق في الدول العربية بفضل الفضائيات العربية. وتحتل الأغنية المصورة مساحة آخذة في الاتساع ضمن برامج البث التلفزيوني. ويمكن القول إن الغناء العربي الحديث اللاهث وراء الحداثة والعولمة لم يعد يعتمد على منظومة "الكلمة واللحن والاداء" بل تجاوزها إلى المشاهد المصورة الزاخرة باللون والحركة والبهرجة الضوئية والرقص وتقنية المؤثرات الصوتية والحركية الاخرى.

وبداية فان الأغنية العربية واحدة من أسس المشهد الثقافي العربي الذي يفترض ان تكون له هويته الفنية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من منظومة الانتماءات القومية والايديولوجية.  وفي نفس الوقت تعكس هذه الأغنية ما يعتمل داخل الوطن العربي من تفاعلات ذات اتجاهات مختلفة ومتوازنة تصور الواقع المعاش، وتطرح الرؤى التي تجيش في آفاقه وتعبر عنها في اطار من حرية التعبير والاختيار وتنطلق إلى آفاق جديدة دون انفلات أو انقياد أو تسويق لثقافات بذاتها، أو تركيز جانب معين، أو تحكم أو هيمنة جهة بمفردها أيا كانت على الحياة الابداعية.

ان استقراء واقع هذا النمط من الغناء العربي الأكثر شيوعا في هذه الايام والأشد تأثيرا في شرائح عديدة من المجتمع العربي بعد أن أصبح يشكل حلم معظم المغنين والمغنيات، بات يفرز حقائق تخص هذا الشكل من الابداع الفني ملقية بظلالها على مناح عديدة من الحياة الثقافية والاجتماعية العربية التي يفترض أن لها خصوصيتها وتميزها ومعاييرها القيمية والاخلاقية والسلوكية.

ثمة الكثير من الملاحظات والتحفظات على الأغنية العربية المصورة. وأكثر من ذلك ثمة الكثير من الدوافع لاستهجان العديد منها وحتى رفضها على خلفيات متعددة.  وأول هذه التحفظات أن معظم هذه الاغنيات المصورة بطريقة الـ "فيديو كليب" تركز كما وأسلفنا على جوانب فنية شكلية مرافقة، وكل ذلك يأتي على حساب ثلاثية "الكلمة واللحن والاداء" التي يفترض أن تشكل العمود الفقري لأي أغنية.  فالكلمات سطحية المعاني مكررة معادة وتدور في اطار واحد هو الحب والغزل، ويندر أن تتعداه.

أما الالحان فهي إما محاكاة للموسيقى الغربية أو انها اقتباس مباشر لها. ويلاحظ في هذا الصدد أن الموسيقى الغربية تشـكل المرجعية الرئيسة لها وبخاصة الاسبانية واليونانية منها، ويحظى الطابع الموسيقي الهندي بنصيب هو الآخر. أما الاداء فهو لا يعتمد على صوت المطرب المؤدي أو المطربة المؤدية بقدر ما يعتمد على تقنية المؤثرات الصوتية التي تتحكم بدرجات الصوت وألوانه وأشكاله وحدته وانخفاضه كيفما تشاء.

وهي بعامة يغلب عليها الصخب والسرعة والحركة السريعة وقصر النفس، وهذه بمجموعها تشكل ما يسمى بالاغنية الشبابية الحديثة التي لبست الثوب الثقافي الغربي شكلا ومضمونا وخرجت من ثوب الموسيقى العربية وتمردت عليه بدل أن ترقى به أو تطوره أو حتى تقوم بتطعيمه.

ولا تقف خطيئة الاغنية العربية المصورة عند هذه الحدود من استيراد قوالبها من ثقافات الغرب ظانة بذلك ومتوهمة أنها ترقى بها سلم العالمية والانتشار والرقي الحضاري واعتراف الآخرين بالتالي.  فالانجرار وراء التقليد والقوالب الثقافية المستوردة دون تبصر وتعقل وموازنة حالة من حالات التخلي عن الشخصية والهوية الانتمائيين ليس في مجال الاغنية فحسب وانما في معظم مجالات الابداع الامر الذي يدفع بالمقلدين "بفتح اللام" الى الشعور بالفوقية والاستعلاء على المقلدين "بكسر اللام" . فالغرب المبدع المتحضر - والحال هذه – لا يبحث عن " تجارته التي ردت اليه"، وانما يبحث عن ما لدى الشعوب الاخرى من خصوصيات وتميز وأصالات على أساسها تكون درجة الاحترام والتقدير.  وفي حالة الاغنية العربية الحديثة المصورة فإنها لم تحظ بأي اهتمام أو تقدير لدى الغرب سواء في أسواقه أو عبر فضائياته.

والى جانب هذا التقليد الأعمى أدخلت هذه الاغنية عنصر الرقص اليها. ونحن هنا لن نناقش الرقص باعتباره فنا مقبولا أو غير مقبول. ولكننا في هذه العجالة ننوه الى نوعية هذا الرقص الذي يعتمد على اثارة الغرائز الجنسية عبر حركاته المثيرة والخليعة وتركيزه على جسد المرأة والكشف عن مساحة متزايدة من مفاتن جسدها وعوراته.  وهذه مسألة أخرى فيها نظر ويمكن أن يقال فيها الكثير.  فهي دون أدنى شك خروج على الاعراف والتقاليد والقيم، وهي استباحة فاضحة لكل المحظورات والمحرمات، وانتهاك للعفة والطهارة، وفي أحيان كثيرة فيها ما فيها من خدش للحياء واحراج للأسرة العربية المحافظة بطبيعتها.  هذه الأسر التي تسعى أن تربي بناتها وأبناءها على الشرف والفضيلة، لتفاجأ دون سابق انذار بمن يتعمد لغايات مشبوهة تسويق اتجاهات شائنة، أو توليدها في نفوس الناشئة.

وهي الى جانب ذلك أيضا تشكل على ما يبدو عامل المنافسة الوحيد بين شركات انتاج هذه الاشكال من الاغنيات بغية تحقيق كسب مادي أوفر. أما فيما يخص الفضائيات التي تعرض هذا النوع من الاغنيات فهي الاخرى تستهدف كسب أكبر نسبة من المشاهدين، وهذا بالتالي يدر عليها دخلا عاليا من الدعايات والاعلانات التجارية.  وثمة من يعتقد بوجود غايات وأهداف أخرى تكمن في تفكيك عناصر البنية التحتية للتربية الأسرية العربية من جهة وحرف الجيل الناشىء عن مسارات اجتماعية وثقافية وتربوية وسياسية يفترض أن يسير عليها.

ويظل باب الحديث عن هذه الاغنية مفتوحا على مصراعيه امام سيل من النقد لها والتحفظ عليها. ومثالا لا حصرا فان مقدمات الجزء الأكبر من هذه الاغنيات المصورة تستخدم اللغة الانجليزية او الفرنسية وليس العربية رغم أن سوقها هو في الوطن العربي.  وعلاوة  على ذلك  فان الشركات  المنتجة  لها تقوم  بتصويرها  في عواصم  أجنبية أو في بيئات غير عربية زيادة  اغراق  في " الفرنجة ".

لكن الأخطر من ذلك كله يتعلق بالبيئات والاجواء التي تخص هذه الاغنيات.  فهي لا تمت بصلة الى كثير من مناحي الحياة العربية من حيث الملابس التاريخية والرقص والآلات الموسيقية، وفي أحيان اخرى لا تمت بصلة الى الأغنية نفسها.

وخلاصة القول ان الاغنية العربية وهي الشكل الفني الابداعي الاكثر شيوعا لدى المتلقي العربي والاكثر تأثيرا فيه لا ينبغي ان يترك في مهب أيدي شركات تجارية لا هم لها الا الربح والمنافسة غير الشريفة ولو على حساب القيم والتقاليد والعادات، أو التخلي المقصود وغير المقصود عن الاصالة والجذور. كما لا ينبغي أن تقتصر هذه الاغنية على جانب واحد.  فثمة جوانب اخرى كثيرة للاغنية، فهناك الجوانب الوطنية والدينية والتاريخية والانسانية والاجتماعية وأغاني الطفولة بكل مراحلها، وعلى ما يبدو فان حظها ضئيل في بحر هذه الاغنية العربية المصورة.  ودور الجهات الثقافية الرسمية وغير الرسمية في الوطن العربي يتضاعف ازاء هذه الموجة من الاغنيات وهذا التيار الجارف وراء التقليد والتخلي عن الاصالة والجذور.