خطأ
  • JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 45

اضمحلال الفكر الموسيقي العربي

. قضية موسيقية

 

قد يعجب المرء من المخزون المعرفي الممتد الذي شكله الفكر الموسيقي العربي القديم بما أغنى به الحياة الموسيقية العربية بنظريات وعلوم وارتقاءات مهمة على مستوى الصوت والآلة هذا المخزون المهم الذي بقي نبعه فياضا ومتدفقا آلاف السنين عبر مدارس موسيقية عديدة أسس أركانها وبنيانها الشامخ أعلام رواد ومفكرون كبار خاصة في ميدان الفلسفة العربية القديمة, التي قدمت ذخيرة معرفية شاملة في فنون الموسيقا العربية

بما حقق آنذاك نهضة رفيعة امتد اشعاعها لاحقا إلى كافة موسيقات الشعوب وتحديدا في بلاد الأندلس وأوروبا التي ترجمت الأبحاث العربية الرائدة واستفادت من علومها ونظرياتها التي ترسخت بعيد الترجمات الوافية للأبحاث الموسيقية الاغريقية تلك الابحاث المهمة التي استفاد منها الموسيقي المتفرد الذي اغتنى بأدوات وعلوم دخلت قلب هذا النظام كنتيجة طبيعية لارتحال هذا الموسيقي نحو أفق وفضاءات موسيقية مجاورة أعطته بكل تأكيد دافعا قويا كي يطور أدواته ومفرداته التي ازدانت ثراء واشراقا مع دخول المصطلحات والرموز والآلات الفارسية إلى قلب الحياة الموسيقية العربية نتيجة للفتوحات الاسلامية الممتدة التي طالت كثيراً من البلدان تعرف الموسيقي العربي إلى نظامها الموسيقي مما فتح له آفاقاً جديدة على مستوى البحث والصناعة العملية التي نرى بواكيرها يانعة ومثمرة في العصرين الأموي والعباسي بما حقق (ثورة) موسيقية شاملة خاصة بعد ارتحال الموسيقى العربية (كعلم وفن) إلى مدارات العلوم الرياضية المشهورة (الحساب والهندسة والفلك) بما حقق ورسخ هذه المدارس الإبداعية الآنفة الذكر وبما أفضى إلى ارتقاءات مهمة على مستوى تحديث الفكر الموسيقي العربي الذي قيض له أعلام ومفكرون كبار أثروا سفر هذا الفن بعلوم ونظريات وتجارب علمية رائدة ومبتكرة (أسماء: الكندي- الفارابي- ابن سينا- الأرموي- جماعة إخوان الصفا- يحيى بن المنجم- صفي الدين الأرموي- زرياب وآخرون عملوا جاهدين على تحميل هذا الفن بأدوات جمالية وتعبيرية دخلت لأول مرة قلب ونسيج هذه الحياة بفضل الفكر الموسيقي الوقاد الذي حمله هؤلاء الرواد الذين كتبوا علامات مضيئة وعطاءات ممتدة من العلم والمعرفة الموسوعية التي كانت سمة غالبة لهؤلاء المبدعين وهو ما منح الموسيقا العربية القديمة طاقات ومناخات جديدة بعيدا عن السمة الغالبة في تلك العصور ونقصد المناخات الطربية الممتدة على كافة الأرض العربية والتي نجد تفاصيلها ودقائقها المثيرة في كثير من صفحات وتاريخ هذا الفن... وبالرغم من سيطرة الحس النظري الطربي على كافة المشاهد الموسيقية العربية القديمة إلا أننا نعثر في الضفة المقابلة على إبداعات سامقة على مستوى العلم والنظرية وتصنيف الآلة والإبداعات الآلية في كثير من تفاصيل وأوراق هؤلاء الرواد الذين قدموا خدمات جليلة ومثمرة، للفكر الموسيقي العربي وللحياة الموسيقية العربية عموما خاصة في مجالات البعد الأخلاقي والتربوي بما أفضى إلى دخول هذا الفن ميدان العلاج النفسي الذي كان للعرب فيه دور ريادي مهم وعظيم وهو ما تنبه إليه مبكرا العديد من الفلاسفة العظام بدءا من الفيلسوف العربي الكبير (الكندي ومن ثم الفيلسوف الفارابي والشيخ الرئيس ابن سينا وكثير من الأسماء المهمة الذين حاولوا تنظيم هذا الفن وتحميله على الدوام بمقولات جمالية وقيم تعبيرية تفضي إلى دور واقعي يسير في هذا الفن إلى الدور الموسوم والمنشود في التعبير بعمق وصدق عن الإنسان والكون ككل.‏ 
وبالرغم من كل هذا الإرث الموسيقي العظيم الذي قد لا يدانيه أو يقاربه أي إرث موسيقي آخر نتساءل وبمرارة: لماذا كل هذا الاجحاف والعقوق بحق هذا الإرث ولماذا هناك انقطاع رهيب ما بين هذا الموروث الغني وبين النتاجات المعاصرة؟؟ إنه سؤال الأسئلة الذي قد لا نجد أو نعثر على جواب عليه بالرغم من الجهود المخلصة التي قام بها العديد من اعلام البحث الموسيقي العربي على فترات متفرقة في سبيل إنجاز وإعادة إحياء حقيقية لهذا الموروث في اللغة الموسيقية المعاصرة لكن ذلك بدا وكأنه خارج من مناخ آخر مغاير تغيرت وتبدلت فيه الظروف والقناعات كما تغيرت الرؤى والأولويات الملحاحة فأصبح هاجس الموسيقي العربي اليوم أن يعبر عن عصره بطريقته الخاصة بما يفرض عليه أن ينقطع بشكل تام وأبدي عن موروثه وبالتالي عن هويته وأصالته في سبيل أن يرضي بعضا من سماسرة وتجار أصبحوا مع الأسف قيمين على ذائقتنا بما يملكون من مال ووسائل إعلام واتصالات وأمور أخرى!! أصبحت عماد النتاج الموسيقي العربي المعاصر الذي غابت معها تقنيات التلحين من صوت وآلة وروح الارتجال التي كانت سائدة مئات السنين وقدمت منة خلالها أعمال عظيمة ستبقى خالدة خلود الزمن.‏‏‏

إن اضمحلال الفكر الموسيقي العربي في النتاج الموسيقي المعاصر سببه الرئيسي هذا الانقطاع والابتعاد عن قراءة هذا الموروث الفكري العظيم قراءة روحية (جوانية) تفضي إلى تقديم حلول موسيقية جديدة بعيدا عن روح الاستهلاك والتبعية والغربنة التي (عولمت) موسيقانا لتصبح بلا هوية أو لغة خاصة تميزها عن اللون الموسيقي الواحد الذي بات يسيطر على كافة النتاجات الموسيقية في العالم بعد أن توفرت التقانات والوسائط المتعددة التي سهلت الطريق نحو تبني هذا اللون الوحيد الذي لم يقدم حسب علمنا إلا نتاجات هزيلة كسيحة مريضة لا رائحة لها ولا طعم اللهم إلا التوزيعات البراقة (والاكسسوارات) الخادعة التي لم تستطع أن تؤسس نهضة موسيقية عربية جديدة عمادها الحداثة العقلانية المبنية على جذور راسخة وعلى مفردات مغايرة تثري الحياة الموسيقية لا أن تلوثها بأوبئة باتت تشكل معضلة حقيقية في غياب حقيقي للفكر الموسيقي العربي المعاصر الذي لم يستطع أن يجاري الفكر القديم أو أن يتواصل معه بروحية وحميمية كما يحدث بشكل طبيعي في كثير من الموسيقات المجاورة هذه الموسيقات بات الموسيقي العربي اليوم يقتبس أو ينتحل منها ألحان وتيمات وآلات وينسبها إلى نفسه بكل صفاقة دون أي وازع أخلاقي في دليل مباشر وقوي على عقم وخواء الروح الموسيقية التي يحملها.‏‏‏

إنه زمن النكوص والعقوق في موسيقانا العربية المعاصرة كنتيجة منطقية (لوفاء) هؤلاء السماسرة لدورهم الخفي في تغييب أي منجز إبداعي أو مشهد أصيل في الحياة الموسيقية العربية حيث العملة الرديئة تسيطر على مقدرات هذا الفن وحيث يغيب الفكر الموسيقي العربي مسافرا في رحلة طويلة مما يدل على أزمة اخلاقية وحضارية ممتدة تعيشها الثقافة العربية عموما بما يؤثر بشكل جلي على مفردات الهوية الإبداعية للموسيقى العربية ومنجزها الأصيل الذي لا ينسى.