صيانة الموروث الموسيقيّ أمام نزعة التغريب

عباس الصادق


   عام  1932م انعقد المؤتمر الأوّل للموسيقى العربيّة في القاهرة برعاية الملك فؤاد الأوّل؛ وكان حدثاً فنيّاً تاريخيّاً بُذلت لإقامته الأموال الطّائلة وجُمع له أساطين العلماء والباحثين على مختلف مشاربهم واختصاصاتهم (خبراء التربيّة الموسيقيّة، العازفون، الملحّنون، علماء موسيقى الشعوب، الباحثون في علم الموسيقى، النقاد الموسيقيون، صنّاع الآلات، علماء التاريخ...)، انعقد ذلك المؤتمر بحضور عدّد ممن يمثلون أغلب الدّول العربيّة وكان لافتاً حضور تركيا وغياب إيران وعدد من الدّول العربيّة وتقديم وفود المغرب العربيّ باسم فرنسا؟!

وحول الظروف التي انعقد خلالها مؤتمر القاهرة يتحدث أمين المجمع العربيّ للموسيقى كفاح فاخوريّ فيقول: "انعقد ذلك المؤتمر بعد مرور أربعة عشر عاماً على نهاية الحرب العالميّة الأولى، وقبل ثلاثة عشر عاماً من بدء الحرب العالميّة الثانية وستة عشر عاماً من نكبة فلسطين. وشهد العالم ما بين عامي 1914و 1953 بداية قيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة والاتّحاد السوفيتيّ له، وتراجع تأثير معظم الدّول الأوربيّة". في ظلّ تلك الأجواء نشأت فكرة انعقاد مؤتمرٍ للموسيقى العربيّة في القاهرة سنة 1932، وكانت المنطقة حينها تقع تحت الانتدابين البريطانيّ والفرنسيّ، كما كانت الشّعوب العربيّة تعيش شيئاً من التّناقض الظّاهر، فقد كانوا يصدّون تدخّل الأوروبيين في شؤون بلادهم بيدٍ، ويتقبّلون بالأخرى الطّرق والأفكار الأوروبيّة! . (1)

لقد كان الهدف المعلن لذلك المؤتمر هو تطوير الموسيقى العربيّة (وتخليصها من حالة الجمود، وتخليص الموسيقيين العرب من الشّعور بالنّقص تجاه الموسيقى الغربيّة) فكان أن عَلَت صرخة أولئك بضرورة تنقية الموسيقى العربيّة من (لَوْثَةِ الأثر التركيّ والإيرانيّ) مع أنّهم دَعَوا بملء عقيرتهم إلى ضرورة تطعيم الموسيقى العربيّة "بروح الغرب النابضة بالحياة والتطوّر! " (2). أمّا طريقة التعامل مع بعض المفاهيم الموسيقيّة فقد وَصفت الموسيقى العربيّة بأنها متخلّفة وفاشلة وتحتاج إلى معالجة سريعة بهدف تطويرها، علّها تصل إلى ما وصلت إليه الموسيقى الغربيّة لا سيما في البوليفونيّة!!

لكن ما يستوجب الوقوف أمامه في ذلك المؤتمر هو الغنيمة التي عاد بها أولئك الغربيّون إلى بلدانهم بعد أن استُدرج المسيقيّون العرب (من حيث يعلمون أومن حيث لا يعلمون) على أن يقدّموا كنوز تراثهم على طبق من ذهب عبر التّسجيلات المتعدّدة والمعلومات التي قدّمت لعلماء الغرب، لينقلوها إلى مخابرهم الأنثروبولجيّة الموسيقيّة، فيتعرّفوا من خلالها على الإنسان العربيّ بمختلف مشاربه، ويدرسوه دراسة كليّة من حيث قِيَمه (الجماليّة، الدينيّة، الأخلاقيّة، الثّقافيّة، الاقتصاديّة، والاجتماعيّة)، وبذلك يسهل عليهم التحكم في ذلك المجتمع وإدارته بشكل نموذجيّ وفق ما يشاؤون وأنّى يشاؤون، وفي مختلف الأصعدة، (الصعيد الفكريّ، السياسيّ، والديني وحتى العسكريّ والاقتصاديّ وغيرها من المجالات الأخرى). 

إنّ من يقف أمام مجريات مؤتمر القاهرة يرى بجلاء أنّ "إسهام علماء الغرب كان سلبيّاً في حقل مقاربة عمليّة إنتاج النص الموسيقيّ الموروث في حرفيّته لدى التيّار التراثيّ المحافظ عند المنظّرين العرب، ما شكّل انقلاباً على مفهوم التقليد الإبداعيّ التدرّبي وإلغاءً لدوره الرياديّ في عملية التجديد المنشودة في تلك الحقبة" (3) .كما أنّ مؤتمر الموسيقى المنعقد في فروردين 1340ش بطهران/نيسان 1961م (4)  ليس ببعيد في أهدافه عمّا جرى في مؤتمر القاهرة، الأمر الذي يحتم على النّخب والجهات المعنيّة، إزاء هذا الاستهداف الممنهج صون التراث والثقافة والفكر والموسيقى، من أيّ تصرّف أو تطوير مشبوه، كما أنّ حفظ الآثار المستخرجة من باطن الأرض مسؤوليّة تقع على عاتق الجميع لفهم التاريخ والحضارة، فليس من المناسب أن يأتي الغرباء، فينقّبوا فيها ويأخذوا ما يحلو لهم ويضعوها في متاحفهم، لتسجّل اكتشافات جديدة باسمهم وعلماء المنطقة خلو من ذلك كله.

إنّ التّأمل في وقائع وأهداف مؤتمر القاهرة وما ماثله من المؤتمرات يعطي صورة جليّة لمعنى التّغريب ونزعاته، الذي يتمثّل في "الأعراض التي تطرأ على حياتنا في جوانبها الثقافيّة والحضاريّة والفكريّة، من دون أن يكون لها أية جذور في التراث أو أيّ عمق في التاريخ وبدون أن يكون دخولها يسمح بالاستعداد لها تدريجيّاً، وإنّما تداهمنا دفعة واحدة" (5)، وذلك ما جرى ويجري للإرث الموسيقيّ في المنطقة، إذ لم يستيقظ المواطنون إلّا وحفلات البوب والراب والجاز وغيرها تزاحم إرثهم الجمّ، بل وصلت إلى ماهو أبعد من ذلك بغزوها للتراث الدينيّ، وعليه فإنّ التراث الموسيقيّ اليوم بحاجة ماسّة للدراسة، الأمر الذي يصنع القدرة على استعادة الهويّة ومواجهة التحديات المفروضة، ورفض كل أشكال التبعية الفكريّة والثقافيّة.

ولا يجنح هذا المقال إلى عدم الاستفادة والانفتاح على موسيقى الآخرين وفهمها لا سيّما في جانبها النّظريّ، ولكن يدعو إلى توخّي الحذر من الانسلاخ من التراث والانفتاح على ما يلوّث القيم والمبادئ النّبيلة، فلو عثر شخص ما في موسيقى الغرب على ما يناسب قيم وطنه وثقافته ودينه، فعليه أن يجذبه، ويتعاطى معه كما يتعاطى الإنسان السّليم مع الغذاء، فما يجري اليوم هو أنّ موج الثّقافة الغربيّة يجرف عوام النّاس والمهتمّين وينْفذ بشكل ناعم في وجودهم من خلال وسائل النشر الحديثة.

وقد يلتمس البعض العذر لبعض "العلماء الأوروبيّين لمحاولتهم دراسة الموروث الموسيقيّ للبلدان العربيّة، ويراه أمراً جيّداً، وأنّ من حقهم دراسة الحقول المختلفة، وأنّ علم الموسيقى الخاصّ بالحقول العربيّة مدين كثيرًا للباحثين الغربيّين، الذين انطلقوا من جانب بحثيّ محض، دون أن تكون أبحاثهم من أجل قراءة المجتمعات العربيّة بغرض الهيمنة عليها والتحكم بها. وليس هُم من دفع الموسيقيّين العرب نحو التغرّب والتغريب، بل المسؤولون عن ذلك هم الموسيقيّون العرب أنفسهم والمثقّفون العرب الذين وجدوا جزافًا في النظام الهارموني الطوناليّ الغربيّ النموذج الأوحد "للتطوّر والعالميّة"- بحسب تعبيرهم - ومن سهل لهم ذلك ممن كانوا على هرم السلطة، مأخوذين ببريق النتاج الغربيّ. بل على العكس، فكثيرون هم الباحثون الأوروبيّون الذين قاوموا النزعة التغريبيّة عند الموسيقيّين العرب منذ مطلع القرن العشرين، بما في ذلك ما جرى في مؤتمر القاهرة. ومن الإنصاف عدم اتّهام جميع الباحثين المستشرقين بالتجسّس على المجتمعات العربيّة، لأنّ الكثير منهم كان لهم الفضل في تعريفنا على كنوز الأمّة، في حين كان أبناء الأمّة مخدّرين، أو أريد لهم أن يكونوا مخدّرين جاهلين للمنهجيّات البحثيّة العلميّة الحديثة، بما في ذلك الحقل الدينيّ، ما خلا بعض الاستثناءات ". (6)

 

عن شبكة فجر الثقافية


ـــــــــــــــــ
 1- كفاح فاخوريّ، التعليم الموسيقيّ في العالم العربيّ أهو في تقدّم أم في تراجع أم في ركود؟، مجلة البحث الموسيقيّ، المجلّد السّابع، العدد الأوّل، المجمع العربيّ للموسيقى، 2008، بتصرّف
 2-  نداء أبو مراد، غياب مفهوم الارتجال الموسيقيّ التقليديّ عن أعمال مؤتمر القاهرة 1932 في دلالاته الثقافيّة، مجلة البحث الموسيقيّ، المجلّد السابع، العدد الأوّل، المجمع العربيّ للموسيقى، 2008
3-    نداء أبو مراد، غياب مفهوم الارتجال الموسيقيّ التّقليديّ عن أعمال مؤتمر القاهرة 1932 في دلالاته الثّقافيّة، مجلة البحث الموسيقيّ، المجلّد السّابع، العدد الأوّل، المجمع العربيّ للموسيقى، 2008
4- أنظر، نزعة التّغريب، جلال آل أحمد، ص31، مؤسّسة الأعراف، سنة الطباعة غير واردة على غلاف الكتاب
5- المصدر السابق

6- بريد خاص لـ د. نداء أبو مراد، بإضافة وتصر

 

C:UsersHishamDesktoplvl2v20190405075812.jpg

.