المالوف التونسي: وفاء الموسيقى للعهد الأندلسي الذهبي

يعتبر المالوف من المورث الغنائي بنصوصه الأدبية، وأوزانه الإيقاعية، ومقاماته الموسيقية التي ورثتها بلدان الشمال الأفريقي عن الأندلس، وطورتها، وهذبتها، وتتكون مادتها النظمية من الشعر والموشحات والأزجال، والدوبيت، والقوما، مع ما أضيف لها من إضافات لحنية أو نظمية محلية جمعت بينها دائرة النغم والإيقاع، وما استعاروه من نصوص وألحان مشرقية.  وأسماء هذا الفن تختلف من منطقة إلى أخرى، فهو "الآلة" في المغرب، و"الغرناطي" في كل من وجدة وسلا وتلمسان ونواحي غرب الجزائر، و"الصنعة" في العاصمة الجزائرية، و"المالوف" في قسنطينة وتونس وليبيا.

وقد أبدع عدد من الموسيقيين التونسيين في أواخر القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20 في البحث في هذا النوع من الموسيقى وتجديده وحفظه، مثل الشيخ أحمد الوافي الذي ولد في تونس سنة 1850 وتوفي فيها سنة 1921. فقد كان من ألمع الشيوخ الذين وظفوا المالوف في الأناشيد الدينية والصوفية والتي تسمى في تونس بـ"البردة والهمزية".

وكان من إسهامات الشيخ الوافي أن أضاف عددا من الألحان والإيقاعات لنوبة المالوف من بينها إبراز مقام "الشهناز" الشرقي وإعطاؤه لهجة تونسية سماها "انقلاب الإصبعين". كما استحدث عقدا جديدا في "طبع الحسين" التونسي (البيات في المشرق العربي) وهو عقد "الحسين صبا".  كما لا يمكن للذاكرة التونسية نسيان الموسيقي الكبير خميس ترنان، الذي نال شهرة سريعة في بداية القرن العشرين عبر إتقانه العزف على آلات عديدة وبلهجات مختلفة، شرقية وتونسية، ومن بينها الناي والعود المصري والعود التونسي والبيانو التونسي.

وقد كانت له إسهامات كبيرة في الدعاية للموسيقى التونسية الأصيلة التي كانت تواجه في عهده أحلك الظروف عبر ضغط الاستعمار الفرنسي ومحاولة فرنسة الثقافة. فكان أن ترأس لجنة الدعاية في المعهد الرشيدي للموسيقى العربية وجمع الفنانين من كامل أصقاع تونس وهو الذي اكتشف الصوت التونسي الذهبي لـ"صليحة" التي تعتبر مطربة تونس الأولى عبر التاريخ.  وتتكون النوبة في تونس حسب الباحث في الموسيقى علي الميلي من سبعة أجزاء تتدرج من بداية النوبة إلى نهايتها. والأجزاء هي: الاستفتاح، المصدر، دخول الأبيات، البراول، لازمة الدرج، فارغة الخفيف، ثم الختم.

ويعود الفضل في ترتيب النوبة بهذه الكيفية إلى "محمد الرشيد باي" وهو أحد بايات تونس الحسينيين الذين عاشوا بين 1710 و1759، وكان من الأدباء والشعراء والمولعين بالعزف والموسيقى والإنشاد، وكان له الفضل في جمع النوبة الأندلسية أو "المالوف التونسي" وحفظه واستخراج قواعده وتدرسيها، لذلك سميت المدرسة الرشيدية على اسمه والتي تم بعثها سنة 1934 بتونس.  ويعتبر المالوف التونسي أحد أهم الموسيقات في المغرب العربي لما يتسم به هذا النوع من الموسيقى من التزام ووفاء للنغمات والكلمات الأندلسية الأولى التي وضعت ولحنت به.

.