بين الاتجاه العمودي والاتجاه الأفقي في التأليف الموسيقي الغربي

عبد العزيز ابن عبد الجليل

تقوم الموسيقى الكلاسيكية الغربية على توجهين أساسيين في التأليف يشكلان نمطين متعارضين:

1.    التوجه العمودي، وهو يعتمد بالدرجة الأولى على تعاقب "التوافقات" ومنحها في التأليف المقام الأول؛ فيما يسخر التراكيب الهارمونية في حدود ملاءمتها لطبيعة العمل الموسيقي.

2.    التوجه الثاني لا يعير "التوافقات" أهمية تذكر، ولكنه في مقابل ذلك يمنح لكل جزء من الأجزاء المشكلة للعمل الموسيقي "لحنا" قائما بذاته. فإذا كان العمل ـ مثلا ـ "رباعيا غنائيا" تشترك فيه السوبرانو والآلتو والتينور والباص، اتخذ المؤلف لكل صوت من هذه الأصوات لحنا يجسده، مع الحرص على ألا يطغى أي منها على الأصوات الأخرى حفاظا على الثروة اللحنية التي ينشدها المؤلف.

هذا هو جوهر الفرق بين التوجهين من الوجهة النظرية الصرف؛ أما على مستوى الممارسة والتطبيق فإن الفرق يبدو غير واضح، وعلة هذا أن المؤلف "الأفقي" كثيرا ما يستخدم الهارموني مكرهاً أو على غير وعي منه، مثلما أنه يدخل مجال "التوافقات" من خلال انخراط الأصوات الأربعة في الأداء الجماعي. أما المؤلف "العمودي" فهو ينساق إلى حركات "ميلودية" دون رغبة منه.

وفي سياق التطور التاريخي للكتابة الموسيقية ظهر "بوليفونيو" القرن السادس عشر أكثر نزوعا إلى تبني "الأفقية"، غير أن مؤلفاتهم قد تكشف ـ عند تحليلها ـ عن توجه "عمودي" أو بعبارة أخرى "هارموني". ومن نماذج هذه المؤلفات "القداسات الدينية لتلك الفترة من قبيل القداس (Mass) والقداس الجنائزي (Requiem).

ومع انبثاق العصر الحديث برزت هيمنة التوجه نحو الكتابة الهارمونية مع كلود ديبوسي  وموريس رافَيل.  وعلى الرغم من سيادة "العمودية" في مؤلفاتهما فإنها لا تخلو من فقرات ذات توجه "أفقي".

وأخيرا يأتي في نهاية المطاف أصحاب المدرسة "الدوديكافونية" (Dodecaphony) ليقفوا في قمة "الأفقية"، لا تهمهم "التوافقات" بتاتا، فيما يعيرون الأولوية للحركات "الكونتربوانتية"، ويمثلون التوجه الأفقي في نزوعه نحو الصفاء الخالص.     

تعقيب: في الوقت الذي نرى فيه كيف تنوعت أساليب الكتابة الموسيقية في المؤلفات الكلاسيكية الغربية ما بين توجه عمودي وآخر أفقي، ثم ما أفضى إليه تطور الكتابة ـ تِباعا ـ مع المدرسة البوليفونية في القرن السادس عشر، ومع ديبوسي (1862 ـ 1918) ورافَيل    (1875 ـ 1937) في القرن التاسع عشر، وانتهاء بالمدرسة الدوديكافونية في القرن العشرين، في هذا الوقت، يظل أسلوب التأليف في الموسيقى العربية وفيا للخط اللحني المونودي المنفرد، وذلك بالرغم من مظاهر "الهرمنة" المحتشمة التي تسربت إلى بعض المؤلفات الموسيقية العربية الحديثة.