التناص الموسيقي : قراءة في تشكيل المضامين وأبعادها الدلالية

إن الموسيقى فن من فنون التواصل  والخطاب وان الأعمال الموسيقية تتواتر في تأليفهامتضمنة لتراكيب ايقاعية ولحنية مشتركة يتوارثها المؤلفون على مدى أزمنة متعاقبة دون اغفال لإضافات كل جيل . وعلى هذا الأساس تراكم رصيد موسيقي كبير شمل الأنماط الغنائية كالقصيد والموشح والزجل والأغنية والنشيد الديني... واشتمل ايضا على المؤلفات  الموسيقية الصرفة الملحنة على القوالب التقليدية كالبشرف والسماعي واللونغة والتحميلة والمعزوفة الحرة... علما أن التركيبة البنيوية للقوالب الموسيقية ومضامينها اللحنية والإيقاعية ومختلف الأنساق المكونة لها تضمن مجالا من الحرية والإضافة الشخصية والآنية في تفاعل مع العناصر الموسيقية  الموروثة ومن خلال مسايرة الخيارات التعبيرية ومختلف آليات التنفي1 الموسيقي.

ولئن ساهم هذا الإرتباط بالمادة الموسيقية في رسم ملامخ حقل دلالي موسيقي داخلي مخصوص قديم في وجوده وجديد في طرحه، فإن ذلك لم يخل من اشكاليات تمحوت حول ما آلت إليه هوية الخطاب الموسيقي ومبدعه على حد سواء. وهو أمر يتطلب من الباحث في الموسيقى والعلوم الموسيقية تعميق النظر في هذه المسألة.

فبات من الوجيه علميا تدارس مسألة التناص في الخطاب الموسيقي قصد تحديد مكوناته وفك الرموز المشفرةالتي تؤسس للعلاقة التداولية بين عناصره الأساسية تصنيفا وتفسيرا وإدراكا وتأويل، وفق تمش منهجي يهدف إلى الكشف عن ظاهرة التناص ضم العمل الموسيقي.

وقد ظهر مفهوم " التناص " ضمن الأبحاث اللسانية والدراسات النقدية في الفكر الغربي انطلاقا من ستينيات القرن العشرين، وهو مصطلح نقدي صاغته الباحثة البلغارية – الفرنسية جوليا كريستيفا. وإن كان استاذها ميخائيل باختين سبقها إلى ذلك في كتابه ( فلسفة اللغة ) دون أن يذكر هذا المصطلح. وقد أجرت الباحثة استعمالات إجرائية وتطبيقية للتناص في دراستها ( ثورة اللغة الشعرية ) وعرفت فيه التناص ( انه التفاعل النصي في نص بعينه)، وترى أيضا: ( أن كل نص يتشكل من تركيبة فيفسائية من الإستشهادات وكل نص هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى). ثم التقى حول هذا المصطلح عدد كبير من النقاد الغربيين من ذلك رولان بارت الذي يعتبر ( أن النص يستبطن عدة مؤلفين  فتتشكل بذلك الأعمال الفنية المعاصرة وكيفية حضور الأعمال السابقة داخلها باعتبارها مجموعة أعمال " تعانقت وتعالقت وتداخلت فيما بينها وانصهر بعضها ببعض في مخيلة الفنان وتفاعلت مع تجربته الخاصة ثم خرجت على شكل نص جديد.

وعموما كل التعاريف السابقة تصب في مفهوم واحد للمصطلخ وهو تقاطع لنصوص اختمرت في الشبكة الذهنية للمبدع وهي اختراقات تتم بصفة لاشعورية تكون جلية أو خفية لا يمكن أن يستقرأها الا القاريء – النموذجي – أو القاريء الخارق – المطلع – الكفء- وهو الذي يقبل على النص بمعرفة مسبقة تكسبه القيم التأويلية التي تظهر من خلال روافد النث وذلك بربطه بالنصوص الأخرى لاستخراج طاقاته الدلالية المتوالدة.

على أنه وجب الإشارة إلى أن المدونة النقدية العربية القديمة قد بحثت في تنصل بعض مضامينها بموضوع التناص وانتهت إلى مقاربات تحتكم إلى التضمين والإقتباس والتلميح والإشارة والسرقة والمعارضات والمناقضات|.

وعلى هذا رتأينا أن نخصص هذا المؤتمر لنطارح مفهوم التناص الموسيقي اعتبارا إلى أن الخطبا الموسيقي حوار واقع بين جملة من الأعمال الموسيقية المختلفة التي يتمثلها  الموسيقي قبل وأثناء الفعل الموسيقي، وهي التي تؤسس ثقافته وتهذب ذوقه وتعمق رؤيته وتفتح قريحته مستعينا من اجتهادات سابقيه وبالتالي سيكون مبحثنا العلمي والعملي معرفيا بالأساس من خلال القراءة الإشكالية التحليلية النقدية لهذه المحاور الرئيسية:

1 – ما موقع المبدع من موسيقاه؟ وهل لطارح الأثر الموسيقي السيادة على أثره؟ أم أن حضور الآخرين – أصحاب الأثر الغالب  - لهم السيادة وهو لا يصاحب عمله إلا في لحظة المخاض..؟

2 – هل الفعل الموسيقي منبثق من صميم الذات المبدعة لوحدها؟ أم هو إبداع متولد عن أشتات أعمال المبدعين السابقين؟ أم هو مزيج من هذا وذاك؟

3 – كيف يمكن تحديد التناص الموسيقي في العمل الإبداعي؟ وما هي حدود استغلال هذه العناصر؟ وكيف يتم توظيفها؟

4 – هل إن الإلتزام بالعناصر المقامية واللحنية ومساراتها وخلاياها الإيقاعية... محمول على التناص وانتساب إلى المشترك بين الموسيقيين؟ أم هو غير ذلك؟

5 – ما هي مجالات التناص في الرصيد الموسيقي العربي،ووجوه الإرتباط فيه بالتجارب الموسيقية للثقافات الأخرى( التركية والمتوسطية والأفروأمريكية...)؟

6 – ألا يمكن أن نراهن على وضع جهاز مفاهيمي مخصوص يتطرق إلى المصطلحات والمفاهيم المتعلقة بالتناص  الموسيقي؟ في التناص الموسيقي : كالتلاحن ( النتاص اللحني ) والتآقع ( التناص الايقاعي) والتمازن ( التناص الوزني ) والتجارس ( التناص الجرسي ) والتموسق ( تناص الموسيقات )؟

7 – هل يمكن اعتمادا على التناص تحديد العناصر الكفيلة بحماية المصنفات الموسيقية وفق القانون المتعلق بالملكية والأدبية والفنية بتونس؟