نفحات من التراث النسوي الصوفي الجزائري

على إيقاع الدفوف والبندير والطار، يرتفع صوتهن عاليا بالغناء، يعددن صفات الرسول الكريم ويرددن أشهر قصائد الشعراء المتصوفة الجزائريين ، إنّهن ” الفقيرات ” اسم أطلقه الجزائريون على جوقة موسيقية نسائية تغني الأناشيد الدينية سواء في الأعراس أو في الزردة أي الولائم التي تقام في أضرحة الأولياء الصالحين.

يكتسب اسم “الفقيرات” دلالة صوفية بالغة، وهو ما يعكس تأثير التصوّف على هذا الفنّ الجزائري الصميم، ففكرة التصوّف الأساسية تقوم على الزهد وترك الشهوات وملذات الدنيا من أجل عبادة الله، والفقير في الطريقة الصوفية هو الزاهد.

ومع انتشار الطريقة العيساوية على التراب الجزائري في القرن السادس عشر، ظهرت بعض الفرق الموسيقية التي تنتمي إلى هذه الطريقة وتغني أشعار أحد أهمّ أتباعها الشاعر الشيخ عيسى ” مولاي إدريس بن إدريس” والذي عرف بنظمه للشعر قبل الطريقة كما أنّه نظم الشعر لغرض مدح الشيخ “محمد بن عيسى المكناسي” ومن أشهر ما قاله في حقّ شيخه عيسى:

نستفتح باسم الغاني

رب الأرض رب السماء الحق المعين

من صورني وهداني

وكرمني بالملة الطاهرة واليقين

وبثوب الفضل كساني

ورشدني لأبواب الرجال المقربين        

وطلق للنظم لساني

وجعلني مداح الرسول والصالحين

ابن عيسي سلطاني

الغارة لله يا إمام الزائرين

 

 

وقد اعتمدت  هذه الطريقة على الفنون والمدائح وحلقات الذكر والإنشاد مما شهد نجاحها ورواجها في الجزائر وفي عدّة دول من المغرب العربي والمشرق أيضا، وحضرت المرأة في الطريقة العيساوية في بعض  الأشكال الفنيّة التي خصصت لها فمارست الغناء وذكر الله والرسول والأولياء الصالحين في فرق  نسوية أطلق عليها ” الفقيرات”.

تشتهر بعض المناطق في الجزائر كالشرق الجزائري بهذا النوع من الفرق النسائية خاصة بـ”قسنطينة” و “عنابة” و “سوق أهراس”،  كما توجد هذه الفرق النسائية في الغرب الجزائري أيضا  ” وهران” و  ”مستغانم” و”تلمسان”  مع بعض الاختلافات ممّا  يعكس الثراء الثقافي والموسيقي الجزائري،  فإن كانت الفرق التي تنتمي للشرق تغني على إيقاع موسيقى المالوف الأندلسي المعروفة بها مدن الشرق  فإنّ فرق الغرب تغني على إيقاعات الراي  الجزائري الموسيقى المحليّة بالغرب الجزائري.

من أشهر فرق الفقيرات بالشرق: “جوق فقيرات مالك” و“جوق دار بلفرطاس” وتجمع هذه الفرق النسائية ما بين المالوف الأندلسي والمديح الديني ويعتبر حضورهن ركيزة أساسية في أعراس الشرق الجزائري.

إلى جانب المديح وأغاني المالوف تقدّم الفقيرات ”التهوال ” وهو عبارة عن رقصات تقوم بها النسوة بتناغم مع إيقاعات البندير، ما يذكرنا برقصات الحضرة التونسية.  ولا تتوقف الراقصات عن التهوال إلا بترديد المدائح الدينية والأناشيد الصوفية التي تهدئ من روعهن  فهي تصفي القلوب وتمنحها الأمان والهدوء.

اللهْ الْـلـه يَــا مُـــولَاَنـــــا

مَصْمُودَهْ نَبْغِي نْجِيكْ

ذَكْرُو لي العُـشَــاقْ فــيِــكْ

غِـي نـاَسْ الـجَلَالَــة

رَانِـي مَاشِي* لِلــعْــزِيــبْ

وْنَسْرَحْ مَـالْ سْـيَـادِي

نَشْرُبْ كَاسْ مِنْ الْحِـلـيـبْ

يِصْبَحْ قَـلْـبِـي* رَاوِي

يَا *الخَاضِي خُوضْ الطْرِيقْ

لاتَاخُضْشْ *إيـصَـارَا

هَـذْ الــدَنْــيَــا مَــا الــدُومْ

يَـا الـغَـافِـلْ غَــرَارَة

 

 

تحضر الآلات الإيقاعية في حفلات الفقيرات “الدفّ والدربوكة والطار والبندير” بشكل أساسي ويمكن أن يضاف إليها في بعض الأحيان المزمار وحديثا تمّ إدخال الكمان وبعض الآلات الحديثة الأخرى.

يكون الغناء جماعيا وعادة ما يكون الغناء في جوّ حميمي إذ يحضر الكانون والبخور لتعطير الجوّ وإضفاء نوع من أنواع القداسة إضافة إلى أنّ الكانون لتسخين الدفوف والبندير، وتجتمع النساء الفقيرات في كلّ  ليلة المولد الشريف في منزل إحداهن ويجلسن يذكرن الله والرسول ثمّ يوزعن الكعك على أطفال الحيّ والجيران.

تغني الفقيرات في حفلات الأعراس والختان وأيضا في حفلات المولد النبوي ولهن أغان مرتبطة بكلّ مناسبة سنورد إحدى الأغاني في ذكر الرسول الكريم.

صَلَى الله عْلِيكْ يَا نْبِينَـا

وِالَهاشْمِي يَا رَسُولْ الله

أصْلِيتْ عْلِيكْ دِيمَا دِيمَـا

وِشْرِيـفْ وُلْـدْ حْـلِـيـمَـة

الـخَـالَـقْ الِـبْـر و الِـمــاَ

وِيْفِكْنَا مِنْ صَهْدَاتْ النَارْ

 

 

يعتبر فنّ الفقيرات أحد الأشكال الفنية للتصوّف في الجزائر، وحضورهن في الأعراس وحفلات المولد الشريف يعبّر على أهميتهن في المجتمع الجزائري الذي ما زال متمسكا بهذا الفنّ رغم ظهور بعض الأشكال الفنيّة الحديثة، فأغنيات الفقيرات هي ذاكرة الجزائر الشعبية التي تناضل من أجل الإبقاء على جزء كبير من تراثها الغنائي والمحافظة عليه من الاندثار، فالذاكرة الشعبية تحفظ الهوية والخصوصية الثقافية في هذا الزمن المعولم.

المصدر : موقع جيم الالكتروني