الأزهر يشكّل فريقاً غنائياً لأول مرة... هل انفتح أخيراً على الفن؟

شكلت جامعة الأزهر وهي الواجهة العلمية للمؤسسة الإسلامية السنيّة الأعلى في العالم، أول فريق غنائي لها من ثمانية طلاب وثماني طالبات، في انفتاح غير مسبوق على الفن والغناء.

في 28 نيسان - ابريل 2018، شدا الفريق في مهرجان الفنون والإبداع الذي تنظمه جامعة الأزهر، وقدّم على مسرح مركز الأزهر للمؤتمرات عرضاً غنائياً (كورال) أمام وجوه "أزهريّة" بارزة، في كسر لـ"التابوه" (المحظورات).

وقالت مسؤولة النشاط الفني في جامعة الأزهر ابتسام زيدان: إن الفريق جرى تشكيله مطلع العام الدراسي 2017-2018، بعدما فتح النشاط بابه لاستقبال الطلاب ممّن لديهم موهبة "الغناء". ومن بين نحو 600 طالب وطالبة تقدّموا، جرى اختيار 16، نصفهم من الفتيات، ليمثلوا الأزهر في المسابقات الفنية.

ذهول وسعادة

عضو الفريق محمد سالم الذي يدرس في كلية الطب بجامعة الأزهر علم من أحد زملائه في الكلية بأن نوعاً جديداً من النشاط الفني فتح أبوابه لاستقبال الطلاب وهو "الغناء"، بعدما كانت النشاطات الفنية مقتصرة على الرسم والفنون الشعبية والفن التشكيلي.وجد سالم ضالته لإظهار موهبته وهرع إلى مقر مبنى النشاط الفني في الجامعة التي تضم ربع مليون طالب.

"ذهلت وسعدت للغاية،" وأضاف: "أعشق الغناء، وأمارسه منذ طفولتي، وكنت أغني مع أصدقائي وفي حفلات خاصة، وبمجرد أن عملت من زملائي بالنشاط الجديد سارعت إلى عرض موهبتي فقُبلت".

يشير سالم إلى أن الجامعة استعانت بمايسترو (قائد موسيقي) محترف لتدريبهم بجانب أستاذة تربية موسيقية في إحدى الجامعات الحكومية للإشراف على النشاط الجديد، لإضفاء الاحترافية على الفريق، إذ لا يوجد في جامعة الأزهر أي كليات فنية.

وكانت مسابقة "إبداع" التي تقيمها وزارة الشباب والرياضة المصرية لطلاب الجامعات المصرية منذ ست سنوات أولى التجارب التي ظهر فيها فريق "الكورال الجديد". وحصد الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و22 عاماً المركز الثاني.

وعلّق الطالب عبد الله سعد على المسألة بقوله: "هذا تطور لم نشهده من قبل في طريقة تعامل جامعة الأزهر مع المواهب الغنائية. فقد وفّرت لنا مكاناً للتدريب وإجراء البروفات قبل المسابقة، واستعانت بمدربين محترفين هما المايسترو حسن فكري، والدكتورة نهلة بكير أستاذة التربية الموسيقية بجامعة حلوان".

خلال المسابقة التي جرت في آذار- مارس الماضي، ارتدت الفتيات الحجاب والفساتين الزهرية، بينما ارتدى الشباب البدل السوداء، وغنوا أربع أغانٍ إلزامية لكافة فرق الجامعات المشاركة: "شباكنا ستايره حرير" للفنانة شادية، "يا أغلى اسم في الوجود" لنجاح سلام، "الحلو داير شباكها" للفنان محرم فؤاد، "ليه تشغل بالك ليه" للفنان عبدالحليم حافظ، وجميعها من ألحان محمد الموجي، بجانب أغنية من اختيارهم هي موشح "يا شاغلي بالحسن بدرُ".

عقب نجاحهم في مسابقة "إبداع 6"، كانت الجامعة قد بدأت تجهّز لمهرجانها الأول في أبريل. وفيه، أدى الفريق عرضاً حضره وكيل الأزهر الشيخ عباس شومان، ورئيس الجامعة الدكتور محمد المحرصاوي، وعدد من قيادات المشيخة والجامعة. غنوا فيه أيضاً موشح "يا شاغلي في الحسن بدر."

ويروى المايسترو حسن فكري الذي قاد الفريق: "الجامعة طلبتني لتدريب فريق الطلاب. تعجبت في البداية أن يشكل الأزهر فريقاً غنائياً لكن قلت أروح أجرب، وحينما رأيت مستوى الطلاب تحمست للغاية. كانت بمثابة مغامرة".

فكري الذي يعمل في مجال الموسيقى منذ 40 عاماً، ويقود فرقة "عيون مصر" التي تعزف في دار الأوبرا المصرية، أضاف: "قبلت المهمة، وكانت بالنسبة إلي مغامرة، ولم أنظر إلى المقابل المادي، وحرصت على أن تحصل الفرقة على مركز متقدم في المسابقة، ونجحت".

تعرّض الفريق الناشئ لبعض الانتقادات باعتبار أن في الغناء إساءة إلى الأزهر، حسب عضوة الفريق فاطمة ماهر، الطالبة في كلية التجارة في الجامعة. وأردفت قائلة: "النقد موجود في كل شيء، لكن الأزهر ليس منارة للعلوم الدينية والإسلامية فقط بل هو للإبداع والفن أيضاً".

وتضيف فاطمة: "ما قدمناه فن راقٍ لا يقلل من قيمة الأزهر، وشيء عظيم للغاية أن نكون متفوقين في كل المجالات، وفخورة بأن جامعتنا استطاعت إخراج مواهب جميلة".

وبرأي مسؤولة النشاط الفني في الجامعة ابتسام زيدان، "كان نجاح الفريق تحدياً كبيراً لنا، وحاولنا اختيار مقطوعات قليلة الموسيقى وذات ذوق رفيع، والمدربون راعوا ذلك أيضاً، ورئيس الجامعة دعمنا كثيراً خلال تأسيس الفريق، وكافأ الطلاب بعد نجاحهم في المسابقة".

وأكدت زيدان أن الجامعة باتت تولي اهتماماً كبيراً للفن والإبداع وباتت لديها فرق فنية متميزة في الرسم والفن التشكيلي (حصل على المركز الأول في مسابقة إبداع) والفنون الشعبية، و"سنضيف ألواناً إبداعية أخرى خلال الأعوام المقبلة".

وأوضح المايسترو حسن فكري أنه اتبع أسلوباً مختلفاً خلال تدريب الطلاب، بالاعتماد على أصوات الشباب كنغمات موسيقية، واختيار مقطوعات تناسب الفن الذي يعبّر عن الأزهر.

خلال كلمته في الحفل، قال وكيل الأزهر الشريف عباس شومان "إن الأزهر لا يعادي الفن والإبداع، ويلامس مشكلات المجتمع والناس."  وأضاف موجهاً حديثه للعاملين في المجال الفني: "يمكننا أن نتناغم معكم وتتناغموا معنا حتى نرتقي بالذوق العام، ويمكن أن نعمل معاً وليس بيننا خلاف".

وجامعة الأزهر هي ثالث أقدم جامعة في العالم بعد جامعتي الزيتونة والقرويين، وتأسست في القرن الثالث الهجري، وهي المؤسسة الدينية العلمية الإسلامية العالمية الأكبر، ومركزها القاهرة ولها فروع منتشرة في معظم المحافظات المصرية.

وعن انفتاح الأزهر على الفنون، علقت أستاذة الفلسفة والعقيدة في جامعة الأزهر، البرلمانية المصرية الدكتورة آمنة نصير بالقول: "أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً."  وتابعت: "أرحب بالفكرة وإنْ كان التنوير الذي يحتاجه الأزهر يحتاج إلى طرق أخرى".  وعن الطرق الأخرى التي تقصدها أوضحت: "هناك المناهج التي يدرسها طلاب الأزهر. يجب كسر القاعدة وإضافة مناهج جديدة تواكب مستجدات العصر ولا تقتصر على المناهج الشرعية التقليدية. يجب على الجامعة تطبيق وتأصيل ثقافة العصر في الطلاب والطالبات".

وفي السنوات الأخيرة، اتُّهم رجال الأزهر بالتشدد والتقصير تجاه تجديد الخطاب الديني، واصطدم الأزهر في بعض المحطات بالرئاسة وبوزارة الأوقاف.

وتعتبر نصير أن "تلك الخطوة جاءت من جانب قيادات الأزهر لتغيير النظرة التي تكوّنت عن الأزهر باعتباره مؤسسة جامدة ترفض الفن".

بدورها، رأت أستاذة الفقه المقارن في جامعة الأزهر الدكتورة سعاد صالح أن الأزهر كان له طابع خاص في التعليم إذ يفصل بين الذكور والإناث في المدارس، ويرفض الغناء المصحوب بالرقص أو اللهو.

وأضافت: "يبدو أن الأزهر يسير بخطى مدروسة نحو الانفتاح على الفن، وبات يراعي المخزون النفسي لطلابه، خاصة مع التطور التكنولوجي وتغيّر العصر."  وتؤكد: "أن الأزهر لا يحرّم الفنون والغناء طالما لا تخرج عن النصوص الشرعية."  وتضيف مشيرة إلى أنه "لا يوجد نص قطعي يحرّم الغناء، وكتب السيرة النبوية تشير إلى أن جاريتين للسيدة عائشة كانتا تغنيان وحينما سمعهما الرسول خرج من المنزل ولم ينه عنه".

 

رصيف 22