“السارة”، صوت الموسيقى السودانية الجديدة

خرجت عائلة "السارة" من السودان في رحلة هجرة طويلة بدأت باليمن أولاً ثم الولايات المتحدة الأمريكية. في المدرسة ومع صعوبات الاندماج وتعلم لغة جديدة، وجدت "السارة" في فصول الموسيقي مساحة أكبر للتواصل مع الآخرين وللتعبير عن رحلتها والأسئلة المتعددة التي كانت تواجهها.

إذا لم تقم "السارة" في جولات فنية وموسيقية حول العالم، فهي غالباً تعيش في حي بروكلين بنيويورك الذي تصفه بأنه "مكان لا تشعر فيه أنك غريب، لأن جميع من حولك مهاجرون".  بعد الشوط الطويل الذي قطعته في رحلتها الموسيقية، تجيب بشكل حاسم حين تُسأل عن هويتها: "أنا سودانية، سأظل كذلك وكل ما ألمسه أو أنتجه سيكون سودانياً، حتى لو بدوت غريبة لبعض الدوائر السودانية.

عرف الجمهور المصري والعربي "السارة" بشكل واسع حينما شاركت مع مجموعة "مشروع النيل" في إحياء عدد من الحفلات الموسيقية، كان الغرض الأساسي منها تقديم أنواع موسيقية مختلفة من دول يجمعها الاشتراك في نهر واحد.  لفتت "السارة" الأنظار بطريقتها المميزة في الغناء التي تقدم المقامات الخماسية السودانية بأسلوب معاصر وحيوي مختلف عن الموسيقى السودانية المعتادة، إلى جانب حضورها على المسرح سواء من حيث الملابس أو من حيث أدائها الحركي.

وصول “السارة” إلى "مشروع النيل" أتى بعد رحلة طويلة، بدأت من صغرها حينما كانت تتلقى كطفلة سودانية سؤال "أنت منين؟". للإجابة عن هذا السؤال، عملت "السارة" خلال دراستها الجامعية على إنجاز بحث عن موسيقى الزار في السودان بالتعاون مع الباحث الدكتور علي الضو من جامعة الفيوم.  في الوقت نفسه، وبينما كانت تطوّر مهاراتها الموسيقية والغنائية، واجهت "السارة" عمليات التعليب والحصر في أطر موسيقية مختلفة. "حينما تبدأ بالغناء، كان كل شخص يريدها أن تغني على طريقته."  وتضيف: "الكثيرون رفضوا اهتمامي بالموسيقى السودانية الشعبية لأنها في رأيهم موسيقى متخلفة، بسبب اعتمادها على السلم الخماسي. كان الجميع يدفعونني إلى غناء الموسيقي العربية الكلاسيكية.  كنت أسمع هذه الآراء من الكثير من العرب والسودانيين المقيمين في نيويورك، وقد كانوا بطبيعة الحال جمهوري الرئيسي في الأماكن حيث كان الغناء متاحاً لي".

لفهم أي نوع من الموسيقى، لا بد بحسب "السارة" من فهم السياقات السياسية والاجتماعية التي أنتجت تلك الموسيقى. تقول: "لا يمكن أن تفهم موسيقى الراي دون أن تفهم وتعرف التاريخ السياسي والاجتماعي الجزائري".  لكن هذا لا يعنى بالضرورة أن يكون لدى الفنان التزام أو موقف سياسي واضح، إذ تعتقد "السارة" أن التغيير الاجتماعي أهم بكثير من التغيير السياسي.

تعرفت "السارة" في نيويورك على موسيقي أمريكي مهتم بالموسيقي الكلاسيكية والشعبية في "زنجبار". لأكثر من عام، تفرغت للاطلاع على تاريخ "زنجبار"، وبخاصة حين كانت جزءاً من سلطنة عُمان، وكيف اختلطت الموسيقى العربية الكلاسيكية التي كانت تعزف للسلطان مع الموسيقى الأفريقية والسواحلية.  مشروع موسيقى "زنجبار" لم يكتمل لكنه خلق لدى "السارة" منهجية خاصة في اكتشاف الموسيقى، تعرفت من خلالها على الخطب المهمشة والتي لا تجد تعبيراً عنها إلا في الأغاني الشعبية.  لذا عندما بدأت "السارة" أخيراً في الاهتمام بالموسيقى والأغاني السودانية، وقعت في غرام ما يعرف بأغاني البنات، وهي الأغاني التي تغنيها الإناث في الأفراح والأعراس.

لكن "السارة" لم تعتمد في مشروعها الغنائي على أداء الأغاني الشعبية، بل خرجت بأغانيها الخاصة، وهي تصر دائماً على أن تكتب كلمات أغانيها بنفسها. تقول: "هناك عدم احترام للهجة السودانية وعدم احترام أكبر لحكاية المرأة، وكأن على المغنية دوماً أن تغني كلمات شاعر آخر. أنا لدي حكايتي الخاصة وهي ما أرغب في تقديمه وغنائه".

لدى "السارة" الآن ثلاثة مشاريع رئيسية تحكي من خلالها حكايتها. المشروع الأول تعتبره مشروعها الرئيسي وهو يضم أعمالها الموسيقية مع فريق "نوبا تونز"(The Nubatones)، وفيها تقدم خليطاً مما تصفه بموسيقى شرق أفريقيا، معتمدةً بشكل أساسي على الآلات الإيقاعية بصحبة العود. وتختار "السارة" من التراث الشعري والغنائي السوداني ما يعبر عن حكايتها الشخصية، وتقوم بتوليف الجمل والكلمات لإنتاج أغانيها الخاصة.

المشروع الثاني هو الألبوم الذي قدمته مع المنتج والموزع الموسيقي الفرنسي "ديبروي" (Debruit).  تروي "السارة" قصة تعاونهما قائلةً: "أنا معجبة بشدة بالموسيقى الإلكترونية التي يقدمها، أرسلت له بريداً الكترونياً أخبره فيه أنني أحب موسيقاه وأتمنى أن نعمل معاً على أغنية واحدة. أعجب بعينات الموسيقى السودانية التي أرسلتها له وبدأنا بالعمل في المرحلة الأولى من خلال البريد الإلكتروني. ثم أتيحت لي الفرصة للسفر إلى بلجيكا حيث يقيم، فاستأجرنا شقة صغيرة مدة أسبوع وبدلاً من أغنية واحدة أنتجنا ألبوماً كاملاً."

في الألبوم تعاد هندسة الإيقاعات السودانية وتجزئتها إلكترونياً، وبصوت "السارة" يخرج المنتج النهائي أغاني راقصة تتضافر فيها إيقاعات الرقص الشرق-أفريقية مع إيقاعات الرقص الحديث.

المصدر: رصيف 22