الفنّ البحري - فنّ البحر العظيم

رولف كيليوس،  أخصائي موسيقى الشعوب واستشاري متاحف ومُنتِج إعلامي

أدّى العمل الصعب والمعقد للغاية الذي يضطلع به البحّارة على متن السفن الشراعية وقوارب صيد السمك واللؤلؤ في منطقة الخليج، إلى ظهور مجموعة من الأنواع الموسيقية الأكثر إثارة في العالم العربي. ونحن نتساءل اليوم، كيف حدث ذلك؟  وما السرّ وراء استمراريّة هذه الأنواع الموسيقية وبقائها إلى أيّامنا هذه؟

وأفضل من قدّم وصفًا دقيقًا للفنّ البحري (أو "فنّ الغناء البحري") هو المستكشف والأديب ألان فيليرز الذي كتب على متن سفينة تجارية كويتية عام 1939 ما نصّه: "... هو تلك الضوضاء المتمادية للدمدمة التي تصدر فقط عن الحناجر الاستثنائية للبحارة الخليجيين.  وهو أشبه بصوت مجموعة من الأسود الجائعة تتطلع إلى تناول وجبة من الطعام، أو بزمجرة مجموعة من الدببة، ثقيلة الوزن، داخل حفرة طلبًا لعظمة تأكلها، أو بهدير بركان عميق يغلي".

ويصف العديد من الكتّاب، بمن فيهم الباحث الموسيقي حبيب حسن توما، الموسيقى البحرية بأنها "النوع الموسيقي الأكثر أصالة وتميّزا" في منطقة الخليج.  وتتكوّن تلك ’المنطقة‘ بشكل أساسي من المناطق الساحلية لدول البحرين والكويت وقطر والمملكة العربية السعودية وجنوب العراق (خاصة وأن الموسيقى البحرية تختلف قليلاً في دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان عنها في بقية الدول الخليجية).

وقد عثر المؤلّف في المكتبة البريطانية على ما يعدّ غالبًا أقدم التسجيلات الموسيقية البحرية المحفوظة على ثلاث أسطوانات مصنوعة من الشيلاك (78 دورة/الدقيقة). وتشتمل هذه الأسطوانات على خمس أغانٍ بحرية تتمحور حول أنشطة العمل والترفيه. وقد أنتجت هذه الأسطوانات في أوائل خمسينيات القرن الماضي لصالح شركة "إبراهيم فون" لتسجيل الموسيقى في البحرين.  وعمل المغني سند بن أحمد نهّامًا (أي كمغنٍّ رئيسي على القوارب التجارية وقوارب صيد اللؤلؤ)، بينما كانت الجوقة التي ترافقه مؤلفة من بحارة بحرينيين وأبنائهم. وتشتمل كل قطعة على غناء منفرد، وتصفيق، ومرافقة الجوقة، التي يشكّل غناء أعضائها بصوت منخفض النغمة الخافتة في القالب الموسيقي البحري. ويعزف فنانو الموسيقى البحرية على طبل بحري، وهو عبارة عن طبل كبير أسطواني الشكل ومزدوج الرأس يناسب تمامًا موسيقى البحر.

 

موسيقى للترفيه وأخرى للعمل                                                                          

يعدّ الفنّ البحري العنوان الرئيسي لعدة أنواع مترابطة من الموسيقى الغنائية بشكل رئيسي، ترافقها آلات إيقاعية مترابطة بنمطَي الحياة والعمل على متن القوارب والسفن أو في المناطق المحاذية للبحر.

في الماضي، كان القسط الأكبر من الذخيرة الفنية يتكوّن من الأغاني المرتبطة بالعمل التي يتم أداؤها أثناء العمل على متن السفن الشراعية المخصصة للنقل وقوارب صيد السمك واللؤلؤ.

ويسترجع ويليام بلغريف عام ١٨٧٧ مقولة الشيخ محمد بن ثاني آل ثاني، أول قائد للشعب القطري، التي أوضح له فيها: "من أرفع منزلة إلى أدنى منزلة، نحن جميعًا لنا سيّد واحد، وهو اللؤلؤ." وبالفعل، فقد كان أغلب سكان منطقة الخليج يشاركون في رحلات الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، فضلاً عن صيد الأسماك والعمل على متن السفن التجارية.

لقد كان العمل على متن السفن التجارية وقوارب الصيد شاقّا ومرهقًا، وكانت الموسيقى الموقعة والغناء تساعدان على الأرجح في الحفاظ على إيقاع العمل واستعادة الطاقة اللازمة للقيام به على أكمل وجه. وكنتيجة طبيعية لذلك، تشكّل الأنواع المرتبطة بالعمل القسم الأكبر من الأغاني البحرية.  ومع توقّف العمل اليوم على متن السفن الشراعية وقوارب صيد السمك واللؤلؤ، فقد انقرضت تقريبًا الأنماط الموسيقية ذات الصلة بالعمل، وذلك رغم أن بعضها لا يزال يؤدّى إلى أيامنا هذه، لكن في سياقات غير مرتبطة بالعمل؛ غالبًا ما يلجأ مطربو الفنّ البحري اليوم إلى محاكاة الأعمال ذات الصلة بنمط العمل الذي كان معتمدًا في الماضي.

وفي ما يتعلّق بمكان أداء الأغنيات البحرية، فقد أصبحت الدار هي المكان الذي تؤدّى فيه الأغنيات المرتبطة بالعمل وتلك غير المرتبطة به.  في الماضي، كانت الدار (في البحرين وقطر) أو الديوانية (في الكويت) غالبًا عبارة عن حجرة صغيرة بسيطة تشيّد بالقرب من شاطئ البحر، يجتمع فيها البحّارة للدردشة وارتشاف القهوة والشاي، والأهمّ من كل هذا وذاك لعزف المقطوعات الموسيقية والغناء.  ولا يزال هذا التقليد متّبعًا من قبل أحفاد البحارة، لكن في المجالس المخصصة لمثل تلك الأنشطة داخل المنازل الخاصة.

وبعكس الموسيقى المرتبطة بالعمل، كان الفجري، وهي الموسيقى التي تؤدّى في أوقات الترفيه، يُقدّم على متن السفن التجارية الكبيرة عند بداية موسم صيد اللؤلؤ واختتامه، وداخل الدور (وهي التسمية المتبعة لمكان أداء هذا النوع الفنّي في البحرين وقطر كما أسلفنا) أو الديوانيات (وهي التسمية المتّبعة لمكان أدائه في الكويت كما سبق ذكره).  واليوم، تشكّل الأنواع البحرية التي تؤدّى في أوقات الترفيه غالبية الموسيقى البحرية، إذ غالبًا ما يطلق على نوعي الفن البحري تسمية الفجري.  وفي هذا السياق، يقول الباحثان توفيق كرباج وحبيب حسن توما مثلاً: إن الفجري كنوع غنائي يتألّف من أنواع فرعية عديدة مثل الفجري البحري، والمخولفي، والعدساني، والحساوي، والحدادي.

ويوجد نوع مُتفرّع من الفن البحري انقرض تقريبًا اليوم ويجد الباحثون صعوبة بالغة في البحث عنه، ويعتمد هذا الغناء على غناء السيّدات ورقصهنّ، وتصفيقهن بالأيدي، وعزفهنّ على آلة الطار.  وفي حين كان الرجال يمضون خارجًا في رحلات الصيد التي تمخر عباب البحر، كانت النساء تلازمن بيوتهنّ في القرى الساحلية بانتظار عودة آمنة لأزواجهنّ وإخوتهنّ وآبائهنّ. ويبدو أن الأنواع الغنائية الأكثر أهمية هي تلك التي كانت تؤدّيها النساء في مجتمع الغوص بحثًا عن اللؤلؤ، لمرافقة الطقوس التي تقام إثر ’اختتام‘ موسم صيد اللؤلؤ.

 

الآلات، والموسيقى وكلمات الأغاني

ولأنّ قوارب صيد اللؤلؤ والسفن التجارية كانت صغيرة وضيقة في الماضي، كان يمكن استخدام القليل من الآلات فقط على متن القوارب والسفن، وعلى رأسها الطبل البحري وآلة الطوس أو الصنج . وبالإضافة إلى هذه الآلات، يستخدم البحارة عند أدائهم الفجيري آلات المرواس والطار والجحلة، والأخيرة هي وعاء فخاري يستخدمه البحارة للعزف عليه.

على المستوى الموسيقي، هناك عاملان أثرا ربما في الفن البحري، وهما موسيقى المجتمعات البدوية القاطنة في المناطق غير الساحلية من شبه الجزيرة العربية والأنواع الموسيقية القادمة عن طريق البحر من مناطق شرق أفريقيا وغرب الهند وبلوشستان (أي إيران وباكستان حاليًا).

وتجمع مثل هذه الأنواع الموسيقية بين عناصر موسيقية متنوعة، بما فيها الصوت البشري لمغنّيّ الجوقة الذين يتمثّل دورهم في إيجاد تأثير متعدد النغمات، والغناء المنفرد والموزون الذي يؤدّيه النهام، والهياكل الإيقاعية المعقدة والمسهبة التي تُعزف على الآلات الإيقاعية بمرافقة التصفيق بالأيدي، والدندنة العميقة المغنّاة.  وكان النّهام، وهو مغنٍّ محترف يحصل على بدل مادي مقابل خدماته، يعتبر شخصًا أساسيًا على متن كل قارب وسفينة.

وبينما تذكّر الحلقات الإيقاعية المطوّلة لموسيقى الفن البحري المستمع بالموسيقى التي تعزف في معابد ولاية كيرالا (جنوب الهند)، يذكّر الغناء الجماعي الخافت المُصاحب للفن البحري، بأجواء مماثلة لتلك التي تولّدها موسيقى رهبان التبت أو رهبان حركة الساتيا (أي مذهب الحقيقة) الهندوسية في ولاية أسام (الواقعة في شمال شرقي الهند).

وقد أجرت الباحثة مروة الكوهجي مقابلات مع العديد من غواصي اللؤلؤ السابقين، ونستند إليها في تقديم وصف دقيق لمحتوى كلمات أغاني الفنّ البحري، إذ تقول: "يتشابك حزن الاشتياق مع فرح المغامرة، ويغلّف الشعور بالحنين إلى الوطن حالة من النشوة، وتحجب المخاوف بشأن ديون الموسم صلوات قلبية موجهة إلى الله." وبشكل عامّ، فإنّ كلمات الأغاني البحرية مستمدة من الشعر العربي بشكليه النبطي والفصيح.

وبالإضافة إلى أسطوانات الشيلاك القليلة المتوافرة - التي أوردنا ذكر البعض منها في هذه المقالة – توجد تسجيلات أنتجتها أولى محطات الإذاعة والتلفزيون في منطقة الخليج، وأخرى تحمل توقيع فرق الفنّ البحري القليلة المتبقية، ولا سيما في الكويت والبحرين.  وبما أن القليل من البحوث التي أجريت على مثل هذه الأنواع الفنية، يؤمل أن يساعد التراث المحفوظ على الأسطوانات والتسجيلات القديمة من جهة، والعدد القليل من الخبراء الموسيقيين المطّلعين من جهة أخرى، في الحفاظ على هذه الأنواع وتطويرها.

 

المصدر: مكتبة قطر الرقميّة