كيف أصبح للأغنية اللبنانية هوية؟ البداية في الأربعينات

بتصرف عن مقالة لـ ريتا بولس شهوان

يُدخلك محمود الزيباوي منذ عتبة باب منزله إلى عالمه، وهو عبارة عن جوّ فني وآثار وأيقونات - من اللوحات التي يرسمها، إلى الأثاث المختار وفق إيقاع وذوق فنيّ خاص، إلى مكتبته التي تشغل الموسيقى حيزاً هاماً منها.

لا يمكن أن تبدأ الحوار مع ذواقة الفن إلا وتشعر بشخصيته الفنية الطاغية. هو يحب الغناء، ولكن كيف تعلق بالفن؟ تأتي ردة فعله عفوية " قضيت عمري كله في الغناء وأحب الغناء العربي"، مشيراً إلى مكتبته الموسيقية، وكأن السؤال استفز كل تاريخه الثقافي، فيحدد أنه لا يهوى فقط الغناء العربي، بل الفرنسي والإيطالي واليوناني. ويثبت المعلومة هذه بتحديده عدداً من الملحنين كمحمد عبد الوهاب، الأخوان رحباني.

هكذا تبدأ قصة سرده لبحثه الذي خرج من خلاله بكتاب حمل العنوان "نجمات الغناء في الأربعينات اللبنانية"، تقاسم تأليفه معه أسعد مخول.  يقول الزيباوي: "بدأت من باب البحث عن بدايات الأخوين رحباني فاكتشفت عالماً غنائياً مجهولاً، وهو الغناء اللبناني في حقبة الأربعينيات، أي ما قبل منتصف خمسينيات القرن الماضي."  ويضيف ناقلاً انطباعاته العامة: "توجد أسماء نعرفها، واكتشفت أننا لا نعرف عنها شيئاً أو ما نعرفه عنها غير صحيح، ومتداول بشكل خاطئ، فمثلا إذا وضعت اسم نازك على محرّك البحث غوغل يظهر لنا كنتيجة أنها تدروشت وتركت الغناء، وهذا غير صحيح.  وكمّ من المعلومات تحتاج إلى تدقيق." ويعيد تصويب الفكرة ملقياً المسؤولية على عاتق الفنان نفسه.

بدأت فكرة الكتاب هذا عبر "ملحق النهار"، عندما كتب الزيباوي مقالة بهذا الموضوع منذ سبع سنوات. "وهكذا بدأت مهمة التوثيق، فكلما وقعت على مجلة إذاعية - وهي أصعب شيء يمكن أن تجده – كنت أجد معلومة جديدة."  هذا "النبش" المستمر، كما يسميه الزيباوي، ساعده في جمع أرشيف ومواد أولية سمحت بالكتاب. ففي الإذاعة اللبنانية، التي أنشئت عام 1939، كان الغناء مباشراً، إذ لم يكن قد طُوّر بعد تقنية التسجيل على "بكر" مما يعني أن التوثيق كان غائباً كما التأريخ.

هكذا اتكل في عملية التوثيق على أرشيف المجلات التي كانت تعرض توقيت غناء نجمات تلك الفترة. لم يزُر محمود الزيباوي أماكن ولم يقُم بمقابلات صحفية مع أي طرف، بل كل اتكاله كان على المجلات بين لبنان وسوريا؛ لأن هذه النجمات عملن بين لبنان وسوريا.  ولدى سؤاله لمَ لم يحاورهن؟  أعاد السبب إلى أن معظم أقوالهن خاطئة، ويضيف "حتى محمد عبد الوهاب يلخبط"، فبالنسبة له الذاكرة تخون إضافة إلى أنها انتقائية.  فالفنانة لن تقول كل شيء، لا بل عكس ذلك، ستقول ما يناسبها ضارباً المثل بوداد التي تنسب إلى فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب إعجاباً بها كاد يصل إلى الخطوبة؛ ليتضح في البحث أن كل هذا خاطئ؛ لذا يجب التحقق من المعلومات.

خلاصة التحقيقات سؤال: "لم توقف هذا الفن؟"، علماً أن جميع الفنانات عدا صباح كانت مسيرتهن الفنية متقاطعة، أي بدأت مسيرتهن عبر الإذاعة اللبنانية؛ حيث كان يوجد امتحان للقبول وأغنياتهن لا تسجل، وهذا إن عنى شيئاً فإن الإذاعة أكبر محترف فني. وفي حينه لم يكن يسمح ببث الأسطوانات؛ إذ كانت ملك الشركة التي تنتجها.  وإذا شاءت الإذاعة بثها كان عليها شراء حق كل الأسطوانة التي كان يكتب عليها "يمنع إذاعة هذه الأسطوانة في الإذاعة".

ضم "محترف" الإذاعة اللبنانية المغنين والمغنيات إلى جانب الملحنين والشعراء، ومعظمهم وُظِّف في الإذاعة وكان على كل منهم أن يغطي انتاجاً فنياً مدته ثلث ساعة شهرياً، ما حقق بعد عشر سنوات إنتاجاً هائلاً. ويقول الزيباوي: "لكن هذه الكمية فقدت لأن الإذاعة ما عادت تقوم بهذا الدور، وحلت محلها الأسطوانات، وهي أسطوانات طابعها تجاري، حيث يختار المنتج ما يناسبه، فإذا لم تنجح هذه المطربة مثلاً لا يعاد نسخ أسطواناتها."  والنتيجة توقف نوع من الفن بعد أن كانت تحضر كل الأنواع؛ "لهذا سمي الكتاب الأربعينات اللبنانية بدل نجمات لبنانيات؛ إذ لم تولد كل الفنانات في حدود لبنان الكبير، فالمطربة نور الهدى ولدت في تركيا، وزكية حمدان في حلب، علما بأن الموضوع لبنان؛ لأنهن كلهن عشن في لبنان وعملن في الإذاعة اللبنانية".

يخبر الزيباوي عن مرحلة الأربعينيات التي حملت همَّ بناء هوية لبنانية في الغناء أنتجت "أغنية لبنانية" نصاً ولحنا، فظهرت "الأغنية اللبنانية الـ"لايت" – أي الخفيفة - مثل برهوم حاكينا، كما ظهرت الأغنية ذات الطابع البدوي،" ويذكر ثلاثة ملحنين طبعوا الأغنية اللبنانية هم: نقولا المني، سعد السوداوي، وفيليمون وهبي.  "ويقال إنهم أسسوا الأغنية اللبنانية، إلا أن من حمل المشعل جيل ثانٍ ضم الأخوان رحباني وزكي ناصيف."  ويتوقف محمود الزيباوي عند صباح التي كانت تكبر فيروز بعشر سنوات، فيشير إلى أنها زارت مصر عام 1944 وهذا ميّزها في الزمان. 

وتعمق الزيباوي في حياة الملاهي في تلك المرحلة حيث لم يكن الغناء يشبه غناء اليوم وكذلك الملاهي والجمهور.  "فآنذاك كانت تغني أكبر المطربات لجمهور مختلف، وكان يمكن أن تترافق الحفلات برقص الصالونات مع آلات موسيقية دخلت الأغنية."

استمر التحضير لهذا الكتاب عدة سنوات أدرك الزيباوي بنتيجته أهمية الرحابنة أكثر من أي وقت مضى.