لماذا يلجأ المطربون الشباب لأغاني سيد درويش مجدداً؟.. عبقرية تتجاوز الزمن أم تشابه في الهموم!

كأنها كتبت أمس ولحنت اليوم، تبدو أغاني سيد درويش ( 1892 – 1923) كمياه النيل لا تنضب بل تتجدد دوماً لتروي ظمأ عشاق الفن في كل زمان وتشارك في كل عصر بخلق موضة غنائية مستحدثة أو تحفز موجة ثورية جديدة.  فلماذا بقي إمام تجديد الغناء العربي في بداية القرن العشرين ملهماً لمجددي القرن الحادي والعشرين؟.

رغم الانطباع الموجود لدى قطاع من جمهور مستمعي كلاسيكيات الغناء العربي، بأن الأجيال الجديدة من المطربين لا تأبه بشكل كاف بالتراث الموسيقي المصري العربي الأصيل،

إلا أن الواقع أن هناك العديد من المغنين الشباب وفرق الـ "أندر غراوند" (underground) – التي توصف بأنها ثورة ضد الموسيقى المبتذلة وتجمع بين الموسيقى الغربية والشرقية – عملوا على إعادة إحياء تراث سيد درويش في السنوات الأخيرة بشكل أعاد ربط جمهورهم من الشباب بالتراث المصري الغنائي القديم.

فمطربون شباب مثل محمد محسن وفرق مثل "مسار إجباري" و"بلاك تيما"، وهم أصحاب تجارب غنائية غاية في الاختلاف، نهلوا جميعاً من تراث سيد درويش، إذ يبدو أن عبقريته الموسيقية ومضامين أغانيه وروحه المصرية القحة تواصل تقديم الإلهام لشباب يفترض أن فنهم يتمرد على ما هو تقليدي ليثبت درويش أن فنه ما زال محتفظاً بعدم تقليديته بعد مرور ما يقرب من 95 عاماً على وفاته.

ليست هذه الموجة الأولى التي تعمل على إحياء وإعادة تقديم أغاني سيد درويش، فقد حقق حفيده إيمان البحر درويش نجاحاً كبيراً في بداية حياته عندما قدم العديد من أغاني جده بتوزيعات جديدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى كان يحتفظ بالتوزيع واللحن الأصلي.

وأطل علينا إيمان البحر درويش في فيلم "حكاية في كلمتين" بأغنية جده التي لا تنسى "زوروني كل سنة مرة" والتي ترتبط بحب حياته "جليلة" وتعد هذه الأغنية واحدة من أرق أغانيه على الإطلاق.

لماذا يلجأ المطربون الشباب إلى الشيخ سيد مجدداً؟

فِي الذكرى الـ127 لميلاد الفنان الكبير التي حلت في 17 آذار/مارس 2018 لم تكن صدفة أن نعيش موجة جديدة لإحياء تراث هذا الموسيقار الذي أثار الجدل طوال حياته وحتى لحظة مماته (التي زعم إنها بسبب الحشيش بينما تقول أسرته إنه مات مسموماً من قبل الإنكليز لمنعه من حضور حفل استقبال الزعيم سعد زغلول إثر عودته من المنفى خوفاً من غنائه لنشيد "بلادي بلادي" الشهير.)  وليست صدفة أن موسيقاه التي عبرت عن المزاج الشعبي في مواجهة ظلم الاحتلال والظلم الطبقي أصبحت ملهماً لجيل يواجه إشكاليات قد تكون متشابهة.

الرجل الذي وضع بصماته على أهم الرموز الوطنية المصرية ممثلة في النشيد الوطني الذي هو من تلحينه، واجه غضب السلطة في حياته (حتى أن الملك فؤاد حظر كل أغانيه) كما واجه تجاهلها الجزئي بعد مماته.  ولم تطرب أغانيه يوماً المزاج الرسمي الذي تعامل على الدوام مع رمزيته وذكراه بنوع من الفتور، حتى أن اسم مسرح سيد درويش بالإسكندرية تم تغييره إلى "أوبرا الإسكندرية."

وليست صدفة أن محمد عبد الوهاب كان يفصل من معهد الموسيقى كلما كان يضبط متلبساً وهو يغني أغانيه.   وعبد الوهاب بالإضافة إلى جيل من الموسيقيين الذين عاصروه أو أتوا من بعده استلهموا فن سيد درويش الخارج عن طوع النظام الموسيقي الرسمي.

 

ماذا فعل سيد درويش بالموسيقى العربية.. ولماذا يقارنه البعض ببيتهوفن؟

ولكن محتوى الأغاني ومضامينها ليس السبب الوحيد على الأرجح لاستمرار صلاحية أعمال الشيخ سيد العابرة للعصور، فالأمر أكثر ارتباطاً بعبقريته الموسيقية، حتى أنه يوصف من قبل متخصصين بأنه بيتهوفن العرب.

يقول الدكتور محمد شبانة، أستاذ الغناء والموسيقى في أكاديمية الفنون المصرية، إذا كان المؤلف الموسيقي الألماني بيتهوفن قد انتقل بالموسيقى الغربية من المرحلة الكلاسيكية إلى الرومانسية، فسيد درويش انتقل بالموسيقى العربية من التقليدية إلى الحركة والتنوع، إذ اعتمدت موسيقاه على الطرب والتعبير في الوقت نفسه. وحسب شبانة فإن درويش تأثر بالمدرسة الإيطالية كثيراً لكنه لم ينهل منها ألحانه التي صنعت الثورة الفنية في مصر بعد أعوام من الركود، لذا يعتبره زعيم مجددي الموسيقى العربية.

ويضيف صاحب دراسة "تجليات شعبية في أعمال سيد درويش"، أن درويش احتل مكانته بين الفئات الشعبية لاستخدام لغة الشارع والطبقة الشعبية والألفاظ التي تناسب كل فئة، وظهر ذلك بوضوح في الأغاني التي خص بها العمال، مثل الشيالين والصنايعية والموظفين.

سيد درويش كذلك هو الذي أعتق الغناء العربي من الإطالة والتكرار في التغني بالكلمات وحول وحدة التلحين من الكلمة إلى الجملة.

 

الشيخ الذي فصل من الأزهر واحتفظ بعباءته

وُلد الشيخ سيد درويش فى 17 آذار/مارس 1892 لعائلة متدينة متوسطة الحال، والتحق وهو في الخامسة من عمره بأحد الكتاتيب ليتلقى العلم ويحفظ القرآن، توفي والده وهو في السابعة من عمره.

فصل سيد درويش من المعهد الابتدائي الأزهري وهو في السنة الثانية بسبب ممارسته للغناء، وكان عمره وقتها 13 سنة، ومع ذلك لم يتنازل عن العمامة والجبة والقفطان لسنوات طويلة، وحتى حين ارتدى البذلة والطربوش، ظل ينادى بالشيخ سيد.

قبل احترافه الغناء عمل سيد درويش عام 1909 في مجال التجارة والبناء، مما ساهم بأثر كبير في احتكاكه بفئات الشعب الكادحة الذين ظهروا كأبطال دائمي الحضور في العديد من أغنياته.

 

شبيه الشيخ يغني أشهر أغانيه.. وشهادة ميلاده من التحرير

آمن سيد درويش بأن الموسيقى عليها أن تخرج من صالونات النخب إلى الناس، وأن تحمل مقاومتهم ضد المستعمر، في وقت كانت تعاني مصر من الاحتلال البريطاني فكان الشعب المصري في أمس الحاجة لاستعادة ثقته بنفسه وتاريخه والتأكيد على وحدة عنصريه المسلمين والأقباط في مواجهة سياسات الاحتلال المفرِّقة، فكانت أغنيته الشهيرة "أنا المصري"، من كلمات الشاعر الشهير التونسي الأصل بيرم التونسي.

الفنان محمد محسن وهو صاحب نصيب الأسد في موجة إعادة إحياء تراث سيد درويش، أعاد تقديم أغنية "أنا المصري" على مسرح دار الأوبرا المصرية في عام 2012 .

محسن الذي يقول إن شهادة ميلاده الفنية كانت في ميدان التحرير، يشبهه البعض بسيد درويش خاصة أنه في بداياته كان يظهر بالعود ضمن أوركسترا دار الأوبرا المصرية،.

غنى محسن أغاني أخرى لسيد درويش مثل شد الحزام، الحشاشين، أهو ده اللي صار، والله وتستاهل يا قلبي.

ويعترف محسن بفضل سيد درويش المباشر عليه قائلاً بأنه لم يستمع إلى أي مطرب من كل الموجودين حتى دخل الجامعة، وفي أحد الأيام استمع بالصدفة لأغنية «والله تستاهل يا قلبي» لسيد درويش بصوت إيمان البحر درويش، فعشق هذه الأغنية، وحفظها من سيد درويش وسيد مكاوي وعندما أقيمت مسابقة أصوات في كلية الهندسة التي كان يدرس فيها تقدم بهذه الأغنية، وحصل على المركز الأول، وفي العام التالي حدث نفس الشيء، على مستوى جامعات مصر.

 

الإسكندرانية ينافسون عظماء الطرب العربي

"أنا هويت" تعد من أجمل أغاني سيد درويش وقد سجلها عام 1923 لأول مرة على أسطوانة، ثم لاحقاً، أدّاها عدد من كبار المطربين العرب منهم محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وعباس البليدي، وغيرهم وهو إقبال يبدو أن دافعه الشغف باللحن؛ أكثر منه التنافس.

وفِي هذه الأغنية يعتب سيد درويش دوماً على البعد والغربة، خاصة وأن ظروفه الفنية أجبرته على مفارقة أهله وأمه بشكل خاص لفترة طويلة.

فريق "مسار إجباري" الذي ارتبط اسمه بسيد درويش لسنوات طويلة ارتباطاً يبدو بديهياً وتلقائياً عند كل الفنانين الذين ولدوا وكبروا في الإسكندرية، قدم أغنية "أنا هويت" وإن اختار توزيعاً مختلفاً تماماً لها، مع الحفاظ على روح اللحن، وهوية التسجيل الأساسي للأغنية.

يقول أيمن مسعود من فرقة مسار إجباري للعربي الجديد عن التجربة: 6 دقائق من الأغنية تتأرجح بين هامشين: الحفاظ على روح سيد درويش، والخروج من عباءة أغاني التراث المصري.

 

من النوبة لفلسطين.. رائعته السودانية تلهب العرب

قدم سيد درويش أغاني معبرة عن الأطياف المختلفة التي كانت تعيش في مصر في عصره. ومن أشهر أغانيه رائعته "هيلي هالله" باللهجة السودانية من تأليف بديع خيري، وقد أعاد فريق "بلاك تيما" المكون من ثلاثة شبان مصريين نوبيين تقديمها ضمن موجة إحياء تراث سيد درويش.

ويمكن تلمس مدى عمق تأثير سيد درويش في الثقافة العربية برمتها في أن هذه الأغنية الرائعة وذات الكلمات الصعبة بالنسبة لأغلب العرب أعادت تقديمها مؤخراً أيضاً فرقة فلسطينية.

 

نجمة لبنانية شهيرة تقدم يا محلا نورها

فاجأت الفنانة اللبنانية المعروفة نانسي عجرم جمهورها في إحدى حفلاتها بغنائها لأحد مونولوغات أوبريت "طلعت يامحلا نورها" من تلحين الفنان سيد درويش.  وتظهر في هذه الأغنية بالتحديد بصمة سيد درويش في التلحين والتوزيع، حيث تميل إلى اتباع نمط الحوار الغنائي، لكونها تتبع نظم المونولوغ السائد في عصره من ناحية قصر الجمل الغنائية وسلاستها.

 

أغنية تحول الفلاحة المصرية إلى أيقونة عربية

"الحلوة دي قامت تعجن في البدرية"، واحدة من روائع سيد درويش التي تركت أثراً كبيراً في التراث المصري، وامتدت شهرتها بطابعها الريفي المصري إلى بقية أرجاء العالم العربي.  وهي أيضاً من نظم بديع خيري، وغنتها المطربة الكبيرة فيروز حتى ارتبطت باسمها لدى البعض، وقامت الفنانة اللبنانية أميمة الخليل بتقديمها مؤخراً ضمن موجة إحياء تراث سيد درويش.

 

الشارع يرد جميل الرجل الذي كرمه

أخرج سيد درويش الموسيقى والغناء العربيين من برجهما العاجي المتحفي الطابع، وبث فيهما روح الشارع العفوية، واليوم يرد هذا الشارع الجميل للشيخ سيد إذ ما زال يردد أغانيه التي لم تعد مجرد جزء من الثقافة المصرية بل أصبحت راسخة في العقل الباطني المصري، فيرددها الإنسان العادي أحياناً دون وعي، فإذا استيقظ مبكرا تراه يهمس بأغنية درويش الشهيرة "الحلوة دي قامت تعجن في البدرية"، وإذا طالت غيبة أحبائه أو أقاربه داعبهم بأغنية "زوروني كل سنة مرة".

استمرار أغاني سيد درويش كمستودع دائم للطرب العربي يعد شهادة تاريخية ممهورة بختم الزمان بعبقرية الرجل، ولكنها ظاهرة تدعو أيضاً إلى التساؤل هل لجوء هؤلاء الشباب لأغاني سيد درويش هو نتيجة فقط لعبقرية الشيخ المتمرد وتعبيره العابر للعصور عن الروح المصرية الشعبية في مواجهة مظالمها ومشكلاتها التي لم تتغير كثيراً، أم أن هذا الاستلهام هو محاولة لتغطية عجز هذا الجيل عن ابتكار أشكال فنية جديدة.

والسؤال الأكثر جدلية: هل يمكن أن يتحول المطربون الشعبيون حالياً الذي يتهمون اليوم بأن فنهم هابط إلى ملهمين للفن الراقي بعد خمسين أو مائة عام مثلما حدث مع فن سيد درويش!.

المصدر موقع ( الوان ) الألكتروني